عندما تجتمع السلطة التشريعية في بداية عدوانٍ مسلح يهدف إلى احتلال أجزاء من أراضي الدولة، وبدلاً من أن تتحصّن خلف الدستور لحماية المدنيين وسيادة القانون، يفترض بهذه السلطة، من منظور دستوري، أن تعزّز الضمانات القانونية لحماية المدنيين وصون مبدأ سيادة القانون. فإذا بنا نراها تتخذ إجراءً استثنائياً وحيداً، لا حمايةً للناس التي تعاني أساساً من آثار الانهيار الاقتصادي والمالي، في ظل إفلاس الدولة نتيجة ممارسات أهل مختلف السلطات الدستورية، بل للتمديد لولاية برلمانها لمدة سنتين. وقد سبق ذلك منح المجلس نفسه السلطة التنفيذية صلاحيات ذات طابع تشريعي خلال إقرار قانون الموازنة. القانون الأخير تمّ الطعن فيه أمام المجلس الدستوري، الذي برّر هذا التفويض التشريعي، الذي لا يحترم مبدأ الفصل بين السلطات، مستنداً إلى اجتهادات سابقة ارتبطت بنظرية الضرورة واستمرارية المرافق العامة التي يُستأنس فيها أحياناً، وقد تمّ التوسّع في الاستناد إلى مفهوم “العرف الدستوري”.
وعندما تعطي السلطة التنفيذية الأوامر للجيش اللبناني بالانسحاب من مواقعه في مناطق توغّل جيش العدو في جنوب لبنان، تحت حجّة “الواقعية” وعدم القدرة على مواجهته، في الوقت نفسه الذي تعلن فيه السلطة ذاتها أن السلاح الذي يواجه العدوان هو “سلاح ميليشيوي وغير شرعي”، فإننا لا نكون أمام مجرد قرارات سلطوية ذات طابع سياسي، بل نكون أمام انهيارٍ منهجي ومتراكم للأسس الدستورية والقانونية التي يقوم عليها مفهوم الدولة. وهذه التصرفات، بالتحليل الموضوعي والقراءة الهادئة، قد تثير مسؤوليات قانونية داخلية ودولية.
ولمقاربة هذه الإشكاليات الخطيرة في دلالاتها، سنركن إلى المقاربات من منظور قانوني صرف، مستندين إلى أحكام الدستور اللبناني، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وكذلك إلى اتفاقيات جنيف الأربع (خاصة فيما يتعلق بحماية المدنيين في زمن الحرب)، والقرارات الأممية المتعلقة بمسؤولية الدولة عن حماية مواطنيها، دون السهو عن المبادئ الدستورية المستقرة في الدول الديمقراطية، واجتهادات مستقرة للمحاكم الدولية.
لن نخوض في هذه الدراسة في نقاش سياسي عقيم حول من أعطى الذريعة للعدو للانطلاق في عدوانه على لبنان، ولا بتقييم هذه الذريعة (أي إطلاق ستة صواريخ من جنوب لبنان)، فالعدوان على لبنان لم يتوقف عملياً منذ دخول اتفاقية وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ.
كما لن نخوض في نقاش حول وجوب استرداد الدولة قرار الحرب والسلم حفظاً لهيبتها بين الدول (لا سيما في زمن الحرب المفتوحة والتوغلات البرية اليومية في عمق الأراضي اللبنانية، وحديث العدو عن خط أصفر شبيه بالخط الذي فُرض في غزة)، خاصة وأن التخلي السابق عن هذه الصلاحية تمّ بقرار من الحكومات المتعاقبة في الجمهورية اللبنانية، ودون معارضة أحد، والبيانات الوزارية تشهد على ذلك.
كما لن نناقش حق الدولة في استرداد حقوقها السيادية من القوى الموجودة في خطوط المواجهة الأمامية، في ظل ثبوت ثنائية العجز “العسكري والدبلوماسي”. وكل هذه الأمور قابلة لأن تكون قيد النقاش السياسي الوطني، لكن ليس في زمن الحرب والعدوان، لأنها اليوم مجرد جدل بيزنطي وحفلة زجل سياسي بين أفرقاء يحاولون تسجيل النقاط السياسية داخلياً، في حين أن الواجب الوطني يفترض أن تكون الساحة الداخلية واحدة ومتعاضدة لمواجهة العدو وآثار العدوان، سواء أكانت الحرب اختياراً لبنانياً أم فُرضت فرضاً على لبنان.
وفي ضوء التطورات الخطيرة التي شهدها لبنان خلال الساعات الثماني والأربعين الأخيرة، والمتمثلة بتصعيد عسكري واسع النطاق طال معظم المحافظات اللبنانية تقريباً، واعتداءات على مناطق مدنية وبنى تحتية أساسية، تكتسب هذه الدراسة بعداً راهناً إضافياً، إذ لم تعد الإشكاليات المطروحة فيها مجرد فرضيات قانونية أو قراءات نظرية، بل أضحت مرتبطة بوقائع مادية قائمة تثير بصورة جدية مسألة مدى التزام الدولة اللبنانية بموجباتها الدستورية والدولية، ولا سيما لجهة واجبها في حماية المدنيين وضمان الحد الأدنى من شروط الأمن الإنساني في زمن النزاعات المسلحة.
مع التنويه بأن هذه الدراسة ستتبنّى صراحةً اتجاهاً فقهياً يعتبر أن قواعد القانون الدولي، خاصة في مجال حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، تكتسب طابعاً إلزامياً يسمو على القواعد الداخلية، وسنقدّمها في قسمين: الأول يرتبط بأخطاء السلطة التشريعية، والثاني يسلّط الضوء على أخطاء السلطة التنفيذية.
القسم الأول: في الأخطاء المرتكبة من قبل السلطة التشريعية
قانونان تم إقرارهما من قبل مجلس النواب اللبناني، وكلاهما يثيران إشكاليات دستورية جوهرية. الأول يتعلق بقانون الموازنة، حيث جرى تفويض صلاحيات فرض الرسوم والضرائب إلى السلطة التنفيذية، وقانون آخر يتعلق بالتمديد للمجلس النيابي فور بدء العدوان على لبنان، ما يطرح تساؤلات حول سلّم الأولويات للعمل التشريعي اللبناني في ظل الظروف الاستثنائية. وعلى الرغم من وجود اقتراح قانون معجل مكرر لتعليق المهل في زمن الحرب، وهو من شأنه تأمين استقرار نفسي للمواطنين، كل المواطنين، إلا أن المجلس النيابي لم يكلّف نفسه عناء إقرار هذا القانون على عجالة صوناً لحقوق الجمهور اللبناني العريض، ولا حاول سنّ قوانين من شأنها مؤازرة الناس، كل الناس، في زمن المحنة التي يمر بها وطنهم، بل كان جل اهتمام السلطة التشريعية التمديد لأعضائها مدة سنتين إضافيتين. ولا بد من معالجة هذين القانونين بأبعادهما القانونية والدستورية، من خلال فصلين: الأول نتناول فيه قانون تمديد مجلس النواب لنفسه، والثاني نتناول فيه تفويض الصلاحيات التشريعية.
الفصل الأول: قانون تمديد مجلس النواب لنفسه مقابل الشرعية الدستورية
ينص الدستور اللبناني على أن مجلس النواب هو السلطة التشريعية في لبنان، ويمارس هذه الصلاحية وفقاً للأصول الدستورية، وأن ولاية المجلس النيابي محددة بأربع سنوات. إن أي تمديد لهذه المهلة، ولو كانت قد صدرت سابقاً قوانين تمديد بشكل مخالف للدستور، يوجب قانوناً حصول تعديل دستوري صريح يجري وفق الأصول، أي عبر اقتراح من الحكومة أو من عشرة نواب، ثم يحتاج إلى موافقة ثلثي المجلس، ثم إحالة التعديل إلى مجلس الوزراء، ثم نشره. وبالتالي، فإنه لا يجوز بأي حال من الأحوال للمجلس النيابي أن يسارع إلى التمديد لنفسه عبر وضع مشروع القانون على جدول أعمال الهيئة العامة والتصويت الداخلي عليه، لأن ذلك قد يشكّل مساساً بمبدأ سمو الدستور وقاعدة دورية الانتخابات.
إن مجلس النواب، متى قرر التمديد لنفسه، فإن فعله هذا يثير إشكالية أن الشعب مصدر السلطات، وأن السلطة منحت لفترة محددة الأجل، كما يثير إشكالية تعارض المصالح. وتمديد السلطة ولايتها لنفسها يعتبر أمراً مرفوضاً في كل الأنظمة القانونية المقارنة. وقد كرّست المحكمة الدستورية العليا في مصر مبدأ دورية الانتخابات واعتبرت المساس به استثناءً ضيقاً. وحتى إذا ما عدنا إلى قرارات صادرة عن المجلس الدستوري في لبنان سابقاً، فإن المجلس الدستوري حذر من خطورة اعتماد هذا الإجراء كنهج. ويُطرح تساؤل مشروع حول مدى اتساق هذا التوجه مع دور المجلس الدستوري، الذي دأب على إيجاد التبرير للتجاوزات الدستورية سابقاً وحاضراً، وفتح للسلطة التشريعية اللبنانية باباً لاستسهال استغلال الأحداث والظروف من أجل المسّ بمبادئ لها القوة الدستورية الكاملة، خاصة وأن المجلس الدستوري كان باستطاعته، وفي كل مرة، استنباط النوايا المضمرة للقيام بإقرار قانون متضمن تعارضاً في المصالح وضرباً للمبادئ العامة، مرة بحجة الظرف الاستثنائي، ومرة بحجة الحالة الأمنية والقوة القاهرة، بما بات يشكّل، بعد تعمّد التكرار، عرفاً دستورياً مسيئاً لروحية الدستور نفسه.
في الأنظمة الدستورية المقارنة، كفرنسا وألمانيا والولايات المتحدة، يخضع أي مساس بمدة الولاية التشريعية لقيود دستورية صارمة، وغالباً ما يتم ذلك عبر تعديل دستوري صريح أو ضمن آليات دستورية محددة، منها الاستفتاء الشعبي. لكن الدستور اللبناني لا إشارة فيه إلى هكذا آلية، لذا فهي مستبعدة في لبنان. والأمر الأكيد والثابت، من وجهة نظر قانونية حتى لو غلبتها وجهة النظر السياسية، أن أي تمديد دون تعديل دستوري يعتبر انحرافاً عن القواعد الدستورية. وقد اعتبر المجلس الدستوري اللبناني سابقاً أن “أي تمديد للولاية النيابية بغير طريق التعديل الدستوري يعتبر باطلاً”، لكنه، رغم ذلك، لم يُبطل القانون تحت حجج الضرورة واستمرارية المرفق العام، وهي مخرجات قانونية قد تقنع البعض وقد لا تقنع البعض الآخر. ولا جدال في وجود قوة قاهرة تمنع التحضير للانتخابات النيابية حاضراً، لكنه كان من واجب أعضاء المجلس الدستوري، المنتهية ولايتهم، إعطاء توجيه حاسم وحازم في مسألة ضرورة إجراء الانتخابات النيابية خلال ستة أشهر من انتهاء حالة القوة القاهرة، على سبيل المثال، وعدم التساهل في رد الطعن والاكتفاء بتوجيه النصح الدستوري الاختياري بوجوب إجراء العملية الانتخابية.
الفصل الثاني: في تفويض الحكومة صلاحيات تشريعية
في الدستور اللبناني، إن إقرار القوانين منوط بالسلطة التشريعية أساساً، وعلى السلطة التنفيذية، أي مجلس الوزراء، تنفيذها وفقاً للأصول.
إذا ما حاولنا التدقيق في الدساتير المقارنة، نجد أن المجلس الدستوري الفرنسي يجيز التفويض التشريعي ضمن شروط محددة، أبرزها تحديد المدة والموضوع، ولا يمكن أن يشمل التفويض المواد الدستورية أو الحريات الأساسية. كما أكدت المحكمة الدستورية الاتحادية الألمانية ضرورة تحديد نطاق التفويض ومضمونه.
الدستور اللبناني لا نص صريحاً فيه يسمح بالتفويض التشريعي، ولكن الأعراف الدستورية دأبت على تقبّل فكرة “المراسيم الاشتراعية” في حالات الضرورة القصوى، علماً أن مجلس النواب سعى جاهداً للحد من صدور هذه المراسيم، المرتبط أمر صدورها بوجود تفويض لمدة محددة، وأن يتم تحديد موضوعها بدقة، وألا يشمل التفويض المواد الدستورية الأساسية (كالانتخابات، الحريات العامة، حقوق الإنسان، فرض الضرائب التي تشمل الرسوم بمفهومها وتعليلها). وهناك شرط آخر، وهو خضوع المراسيم لمصادقة مجلس النواب فور زوال حالة الضرورة.
إن مجلس النواب اللبناني الممدد لنفسه قام، حين أقر قانون الموازنة الأخير، بمنح الحكومة صلاحيات تشريعية في فرض الرسوم والضرائب. وهذا ليس تفويضاً عادياً، بل يعتبر تفويضاً واسع النطاق عن السلطة التشريعية في إحدى القضايا الأكثر ارتباطاً بحقوق المواطنين المالية، مما يثير شبهة جدية بعدم الدستورية، حتى لو كان سيبرره لاحقاً الاجتهاد الدستوري ويلاقي الحجة المناسبة كما دأب أن يفعل في كل مسألة فيها مخالفة لأحكام الدستور. ومعلوم أن قرارات المجلس الدستوري قد تصيب أو قد يعتريها الخطأ.
المحكمة الدستورية الإيطالية قضت بأن “التفويض التشريعي العام غير المحدد المدة هو غير دستوري، لأنه يفرغ البرلمان من وظيفته الأساسية”.
أما في القانون الدولي، فغياب الرقابة التشريعية يعني أن الحكومة يمكنها أن تشرّع قوانين تُنهك المواطن وتؤثر على حقوق المواطنين الأساسية دون أي رادع، بهدف إرضاء صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وهو ما قد يثير إشكاليات في ضوء الالتزامات الناشئة عن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
إن تفويض الحكومة بالصلاحيات التشريعية كان إجراءً غير دستوري، من شأنه جعل حكومة لبنان صاحبة سلطة مطلقة لا رقابة عليها، ما يشكل “اختلالاً في مبدأ التوازن بين السلطات”، وهو أمر لا ينسجم مع المبادئ العامة التي كرّستها الأنظمة الدستورية الحديثة.
بعد أن مررنا على عجالة بذكر بعض الأخطاء المرتكبة من قبل السلطة التشريعية في لبنان، أي مجلس النواب اللبناني، لا بد من الانتقال إلى ذكر الأخطاء الأشد خطورة التي قامت بها السلطة التنفيذية، التي نالت صلاحيات تشريعية من مجلس النواب لفرض الرسوم والضرائب على اللبنانيين، والتي اتخذت قرارات تستحق النقاش القانوني المتعمق بعيداً عن التقييم السياسي والتحريض الطائفي.
القسم الثاني: في الأخطاء المرتكبة من قبل الحكومة اللبنانية
الحكومة اللبنانية التي يرأسها قاضٍ لديه خلفية قانونية تثير، بأدائها، تبايناً في التقييم بين المقاربات المختلفة. والحقيقة أن هذه الحكومة اتخذت قرارات خطيرة جداً بالنسبة لمفهوم الدولة التي عليها حماية المواطنين اجتماعياً في زمن السلم وأمنياً في زمن الحرب. فهذه الحكومة أرسلت إلى مجلس النواب مشروع قانون الفجوة المالية المثير للجدل القانوني، ولم تكتف بذلك، ففي أيام العدوان أصدرت قراراً قضى باعتبار الأعمال العسكرية التي تقوم بها “المقاومة” أعمالاً محظورة، مؤكدة على قرار حصرية السلاح بيدها، علماً أنه، وتزامناً مع مسار الأحداث المأساوية، اتخذت القرار بسحب الجيش اللبناني من الحافة الأمامية ومن البلدات والقرى الجنوبية التي تتعرض للعدوان ومحاولات التوغل من قبل جيش العدو، تاركة المدنيين، وهم مواطنوها الذين قرروا الصمود في قراهم، لمصيرهم المجهول ومن دون حماية. وهذه القرارات تحتاج إلى تحليل وتدقيق قانوني لإدراك المخاطر والدلالات القانونية الناتجة عنها.
ولا يمكن مقاربة القرارات الحكومية موضوع هذا القسم بمعزل عن الوقائع المستجدة على الأرض، حيث أظهرت الأحداث الأخيرة حجم الفجوة بين الالتزامات القانونية الملقاة على عاتق الدولة اللبنانية وبين مستوى التدابير المتخذة فعلياً، الأمر الذي يعيد طرح مسألة “مسؤولية الحماية”، ليس كمفهوم نظري، بل كاختبار عملي لمدى قيام الدولة بوظائفها الجوهرية في ظل النزاع المسلح.
سنحاول الإضاءة على قرارين بالغي الحساسية تم اتخاذهما في زمن العدوان على لبنان: الأول يتعلق بقرار سحب الجيش اللبناني من الحافة الأمامية في فصل أول، في حين نعالج في الفصل الثاني قرار اعتبار العمل المقاوم غير شرعي في زمن العدوان.
الفصل الأول: قرار سحب الجيش اللبناني من الجنوب تحت حجة “الواقعية”
إن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ينص على أن لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه. أما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ففيه إشارة واضحة إلى التزام كل دولة بحماية الأفراد الموجودين على أراضيها من انتهاكات حقوق الإنسان. ووفقاً لقرارات عدة صادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، فإن “مبدأ مسؤولية الحماية” يقع على عاتق الدولة، التي عليها أن تتحمل المسؤولية الأساسية عن حماية سكانها من جرائم الحرب والتطهير العرقي والجرائم ضد الإنسانية. فإذا عجزت الدولة عن ذلك، ينتقل الأمر إلى المجتمع الدولي.
الجيش في أي دولة ذات سيادة هو الأداة الشرعية الوحيدة لحماية التراب الوطني والمدنيين، وهذا الأمر يعتبر من الواجبات الأساسية انطلاقاً من مفهوم المواطَنة.
في اتفاقية جنيف الرابعة، هناك موجب أساسي بحماية المدنيين في جميع الأوقات ضد أعمال العنف أو الترهيب، والدولة التي يتبع لها مواطنوها مسؤولة عن توفير هذه الحماية.
أكثر من ذلك، إذا ما تمت مراجعة قرارات المحكمة الجنائية الدولية، فإنه يُستفاد من اجتهاداتها المستقرة أن قيام مسؤولية الدولة يرتبط بتوافر القصد والعلم بالنتائج. وعليه، فإننا نجد أنه تم تحميل المسؤولية لأحد الضباط في دولة أفريقية نتيجة قرار انسحابه من نقطة عسكرية أمامية، ما أدى إلى التسبب بجريمة حرب بحق مواطنيه. ويُستفاد من اتجاهات الاجتهاد الدولي، لا سيما في إطار المحكمة الجنائية الدولية، أن انسحاب القوات المسلحة الشرعية لا يشكل بحد ذاته انتهاكًا، لكنه قد يثير مسؤولية قانونية إذا اقترن بغياب تدابير معقولة لحماية المدنيين.
أما عن “الواقعية”، فلا يُعتد، في القانون الدولي الإنساني، بمجرد تفوق العدو عسكرياً كتبرير للتخلي عن واجب اتخاذ تدابير معقولة لحماية المدنيين. ويُفهم من قواعد هذا القانون أن الدولة ملزمة باتخاذ جميع التدابير الممكنة ضمن قدراتها المتاحة.
سواء في زمن الانهيار الاقتصادي أو في زمن النزاع المسلح، فإن “الواقعية” لا تشكل، بحد ذاتها، مبرراً قانونياً كافياً للتخلي عن واجب حماية المواطنين. والدولة التي تنسحب دون خطة واضحة ومسبقة لحماية مواطنيها يمكن أن تُعتبر متخلية عن أحد أبرز مظاهر سيادتها، وهذا يفتح الباب أمام شرعية أي جهة أخرى (حتى لو كانت “مقاومة عفوية من مواطنين” أو “ميليشيا مسلحة”) لملء الفراغ.
إن انسحاب الجيش اللبناني من المناطق الجنوبية دون توفير حماية بديلة، بناءً على أوامر حكومية، قد يشكل، في حال توافر عناصره، انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني، وقد يرقى، في ظروف معينة، إلى جريمة حرب إذا ثبت أن الانسحاب كان متعمداً ونتج عنه قتل أو تهجير للمواطنين المدنيين.
الفصل الثاني: قرار اعتبار العمل المقاوم “غير شرعي” في زمن العدوان
إذا ما دققنا في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة: “لا يخل هذا الميثاق بالحق الطبيعي للدول في الدفاع الفردي أو الجماعي إذا وقع اعتداء مسلح ضد أحد أعضاء الأمم المتحدة، وذلك إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة”.
المبدأ أن الحق في الدفاع عن الدولة وسيادتها هو حق للدولة، وليس للأفراد أو الجماعات. ولكن إذا كانت الدولة غير قادرة أو غير راغبة في ممارسة هذا الحق، فإن الفقه القانوني (خاصة في حالة الاحتلال أو العدوان) يقر بأن حق المقاومة المسلحة قد يبرز في حالات الاحتلال ويجد له تبريراً في بعض الاتجاهات الفقهية، ويمكن الاستئناس بالعديد من قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة في هذا الشأن، والتي تؤكد شرعية نضال الشعوب ضد الاحتلال.
الفقرة الأولى: نظرة المحاكم الدولية إلى سلاح “غير حكومي” في حالة عجز الدولة
تُظهر اجتهادات المحكمة الجنائية الدولية، بما فيها تلك المتعلقة بيوغوسلافيا السابقة، أنه “إذا كانت الدولة غير قادرة على حماية مواطنيها من عدوان خارجي، فإن تشكيل جماعات مسلحة مدنية للدفاع عن النفس قد لا يُعد مخالفاً للقانون الدولي في ظروف معينة، شرط ألا ترتكب هذه الجماعات جرائم حرب”. كما أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وفي تعليقها على البروتوكول الإضافي الأول، وهي اللبنة الأولى للقانون الدولي الإنساني، علّقت أن “حق الشعوب في مقاومة الاحتلال والعدوان هو حق مشروع في القانون الدولي، حتى لو لم تكن هذه المقاومة منظمة ضمن هيكل الدولة الرسمي”.
في حالتنا الحاضرة، قررت الحكومة اللبنانية إعطاء الأوامر للجيش اللبناني بالانسحاب على قاعدة أنه “غير قادر” على الدفاع، نظراً لعدم امتلاكه المعدات العسكرية اللازمة لحماية أفراده أو منع التوغل من قبل جيش العدو، والحكومة نفسها أصدرت قراراً وصفت فيه دفاع الأهالي عن أرضهم بأنه أعمال تقوم بها “ميليشيات غير شرعية”. وقد صدرت قرارات قضائية بتوقيف عناصر تابعة للمقاومة، وتمّت ملاحقتهم أمام المحكمة العسكرية الدائمة، بغض النظر عن ماهية القرارات التي صدرت بحق هؤلاء الموقوفين. وهذا يعني أن الحكومة اللبنانية قررت حرمان المواطنين من حقهم الطبيعي في الدفاع عن أنفسهم. إن هذا السلوك يثير إشكاليات في ضوء العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، فضلاً عن وجود مخالفات دستورية في القرارات المتخذة، بما قد يتعارض مع الاتجاهات العامة في الاجتهاد الدولي.
إن ترك المدنيين لقمة سائغة للعدو فيه خرق لمبادئ القانون الدولي الإنساني، ويمكن التدقيق بكيفية اتخاذ القرار حوله، لأنه قد يثير مسألة المسؤولية في حال ثبوت القصد والعلم بالنتائج، من وجهة نظر قانونية بحتة تستند إلى اجتهادات المحاكم الدولية.
الفقرة الثانية: المعونات والهبات الدولية المشروطة
وفقاً للمبادئ العامة، فإن المعونات الإنسانية (الغذاء، الدواء، المأوى) تخضع للبروتوكول الإضافي الأول، الذي هو جزء من القانون الدولي الإنساني، ويُحظر تقييد المساعدات الإنسانية بشروط سياسية، بينما تختلف القواعد بالنسبة للمساعدات المرتبطة بإعادة الإعمار.
وفي قرارات عدة للجمعية العامة للأمم المتحدة، هناك تكريس لوجوب “تقديم المساعدات الإنسانية دون أي تمييز، ودون ربطها بشروط سياسية أو اقتصادية”.
وقد أكدت اجتهادات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ضرورة احترام الحقوق الأساسية عند تقديم المساعدات، ذلك أن “ربط المعونات الإنسانية بشروط سياسية جوهرية أو نزع سلاح فئة معينة قد يشكل مساساً بالحقوق الأساسية، خاصة الحق في الحياة والحق في مستوى معيشي ملائم”.
أما في ما يتعلق بالمعونات والهبات المتعلقة بمواضيع إعادة الإعمار (وليس الإغاثة)، فنجد أن الفقه القانوني يصبح أقل حزماً. فمن الممكن للمانحين ربط الهبات أو المعونات المتعلقة بإعادة الإعمار بشروط مثل الإصلاحات الاقتصادية، مكافحة الفساد، إعادة هيكلة الجيش، شرط أن تكون الشروط موضوعية وقابلة للتحقيق، وألا تستهدف فئة بعينها على أساس هويتها (طائفية، سياسية، عرقية)، إضافة إلى وجوب عدم حرمان المدنيين من حقوقهم الأساسية في السكن والتعليم والصحة.
فإذا كانت الشروط المفروضة على الحكومة اللبنانية للنهوض الاقتصادي وإعادة الإعمار في لبنان تتمثل في “إلغاء فئة من الشعب اللبناني”، واعتبار المواطنين الذين فرضت عليهم الجغرافيا موجب المقاومة للدفاع عن حياتهم وأرضهم، فإن هذه الشروط تعتبر شروطاً غير موضوعية، فضلاً عن كونها غير أخلاقية. ولا يجب القبول بعقاب يستهدف فئة سياسية محددة، مما يرقى إلى عقاب جماعي محظور في ضوء أحكام اتفاقية جنيف الرابعة، ومما يخرق مبدأ “المساواة”، وفي هذا أيضاً انتهاك لأحكام العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
في الواقعية السياسية، هناك أمور قد لا ترتبط بالأخلاقيات تُفرض على الدولة في زمن تسود فيه الغطرسة العالمية، ونعود فيه تدريجياً إلى فرض السياسات على الحكومات المستضعفة، لكن لا بد من العودة إلى جادة تطبيق الاتفاقات الدولية والقوانين التي استُنبطت مندرجاتها من مقاربة تأمين العدالة والمثالية في التعاطي الإنساني.
الخاتمة … كيف تنهار الدول قانونياً؟
من التجارب التاريخية للدول، فإن كل ديمقراطية تقرر التحول إلى ديكتاتورية، ومنها مثلاً النظام النازي في ألمانيا الذي أقر “قانون التمكين” وأعطى هتلر سلطة مطلقة، يكون مصيرها إلى زوال. لذلك لا يجب السماح بانهيار النظام الدستوري داخل الدولة من أجل صيانة الدولة نفسها.
في يوغوسلافيا، وبعد انسحاب الجيش الفيدرالي من بعض المناطق، أعلنت بعض الجمهوريات أن أي مقاومة محلية هي “ميليشيات غير شرعية”، وكانت النتيجة فراغاً أمنياً، حرباً أهلية، تهجيراً جماعياً، وجرائم حرب. لذلك فإن كل انسحاب للجيش الشرعي دون تأمين بديل شرعي هو وصفة مضمونة للحرب الأهلية، واحتمال قائم لحصول جرائم حرب من قبل جيش العدو. وجرائم الحرب، في حال ارتكابها نتيجة تقصير الدولة في حماية المدنيين، قد يستتبع ملاحقة المسؤولين في هذه الدولة أمام المحكمة الجنائية الدولية عن تسببهم بوقوع جرائم حرب بحق مواطنيهم.
بعد انهيار الحكومة المركزية في الصومال في بداية التسعينات، أعلن كل فصيل أن سلاح الآخر “غير شرعي”، وكانت النتيجة دولة فاشلة لمدة ثلاثين عاماً، دون حماية للمدنيين ودون مساءلة قانونية. عندما تفقد الدولة احتكار السلاح الشرعي وتعلن أن أي سلاح آخر غير شرعي، دون أن تكون قادرة على نزعه، فإنها تعلن فعليًا عن انهيارها في منظور المجتمع الدولي، أقله من الناحية الأخلاقية.
بناءً على ما تقدم، نستطيع القول إن التدابير الأربعة (تفويض الصلاحيات التشريعية في قانون الموازنة، قانون التمديد للمجلس النيابي، قرار انسحاب الجيش من الجنوب، قرار حظر الأعمال العسكرية للمقاومة وحصر السلاح بيد الدولة) تشكل معاً انهياراً للأسس الدستورية والقانونية للدولة اللبنانية، وهو ما قد يؤدي إلى توصيف الدولة كدولة تعاني من اختلالات بنيوية عميقة من الناحية القانونية. فهل هذا يحصل عن قصد، أم نتيجة إخلال جسيم بالواجبات الدستورية؟ لأن ما هو حاصل من شأنه فتح الباب لإمكانية اتخاذ تدابير من قبل مجلس الأمن الدولي تجاه الدولة اللبنانية بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، أو تفويض الأمم المتحدة بإدارة الأزمة إدارياً وعسكرياً.
يثار تساؤل حول مدى إمكانية لجوء الدولة اللبنانية إلى المحكمة الجنائية الدولية، وتساؤل آخر عن سبب عدم انضمامها إلى نظام روما الأساسي أو قبولها اختصاص المحكمة في ظل وقوع عدة جرائم مصنفة بأنها جرائم حرب. نذكر منها، على سبيل المثال لا الحصر، التهجير القسري للسكان المدنيين، وتعمد استهداف الهيئات الطبية، وتعمد استهداف الصحفيين، كما نسف بلدات وقرى جنوبية بكاملها. فما هو تبرير إحجام الدولة اللبنانية عن الانضمام إلى نظام روما الأساسي لمنح المحكمة تلك الصلاحية؟
ما يجري في لبنان، عبر الحكومة التي يرأسها قاضٍ كان رئيساً لمحكمة العدل الدولية، ليس مجرد أزمة سياسية، ولا يمكن أن يحمل سهواً قانونياً. ما هو حاصل يمكن أن يُفهم على أنه يعكس مساراً يتجه نحو إعلان الانهيار المنهجي للدولة اللبنانية وفقاً لكل المعايير والمقاييس الدستورية والقانونية الدولية. فالدولة التي يمدد فيها مجلس النواب مدة ولايته بغير حق، ولا يأبه أعضاؤه بالمأساة الاجتماعية والاقتصادية الحاصلة، فلا يحاول لجم انفلات الأسعار والتضخم الحاصل، والدولة التي يقوم فيها مجلس النواب بتفويض صلاحياته التشريعية دون حدود في القضايا المتعلقة باستيفاء الرسوم والضرائب، والدولة التي تقرر فيها السلطة التنفيذية سحب جيشها الوطني من مناطق تقع فيها أعمال عدائية من جيش عدو يمعن في التوغل، تاركة مواطنيها من دون حماية، والدولة التي تقرر فيها حكومتها تجريم المقاومين في زمن العدوان، كلها قضايا تثير تساؤلات جدية حول مدى قيام السلطات القائمة فيها بالوظائف التي تخدم قيامة الدولة وفقاً للمعايير القانونية الدولية، ومدى الالتزام بالواجبات الدستورية والقانونية من قبل القائمين على مختلف السلطات الدستورية.
وكأننا في لبنان، وفي الأيام الصعبة التي يحاول فيها الأجنبي إحكام الخناق على لبنان، وتتردد تصريحات من مبعوثين دوليين عن انعدام وجود الدولة، دونما خجل من وصف تصرفات الإعلاميين بالحيوانية، وفي دولة لا يأبه فيها المبعوث الدبلوماسي لوضع شعارات العدو خلال لقاءاته الرسمية مع القيّمين على الدولة، مع ملاحظة التوسّع في استخدام مفهوم “حالة الضرورة” لتدمير كل ما تبقى من سيادة وحقوق، مما يجعل لبنان، في نظر العالم والقانون الدولي، دولة تعاني من اختلالات بنيوية في نظامها القانوني على مختلف الأصعدة.
ولا يمكن إغفال أن الخلل في القرارات العامة لا ينشأ فقط عن السلطة السياسية، بل قد يرتبط أحياناً بضعف في جودة الاستشارة القانونية المقدمة لها، سواء نتيجة قصور في الإحاطة بالقواعد الدستورية والدولية، أو نتيجة تأثر بعض المقاربات باعتبارات سياسية ضيقة، الأمر الذي ينعكس مباشرة على سلامة القرار العام ويعرّض الدولة لمخاطر قانونية جسيمة.
في هذا الإطار، فإن أي قصور في المقاربة القانونية أو تضييق في أفق التحليل لدى هذه الأجهزة قد ينعكس بصورة مباشرة على سلامة القرارات المتخذة، ويؤدي إلى انزلاقات دستورية أو تعارض مع الالتزامات الدولية، بما يحمّل الدولة تبعات قانونية جسيمة.
إن مقتضيات احترام الدستور والالتزامات الدولية تفرض على الدولة اللبنانية أن تتصرف بوصفها دولة مكتملة الأركان، لا ككيان يقتصر دوره على طلب الدعم أو إدارة الأزمات من منظور إغاثي صرف. فوظيفة الدولة، في القانون الدستوري والقانون الدولي على حد سواء، لا تنحصر في الاستجابة الإنسانية، بل تقوم أساساً على حماية السكان وضمان أمنهم واتخاذ التدابير الوقائية الفورية.
وفي هذا الإطار، يقتضي على مجلس النواب، بوصفه السلطة التشريعية الأم، المبادرة فوراً إلى الانعقاد واتخاذ ما يلزم من تدابير تشريعية طارئة تواكب حالة النزاع، بما في ذلك إقرار قوانين عاجلة لحماية المدنيين وتعليق المهل القانونية وتفعيل أدوات الرقابة على السلطة التنفيذية.
كما يترتب على السلطتين الدستوريتين، التنفيذية والتشريعية، إعلان حال الطوارئ وفق الأصول الدستورية، واتخاذ الإجراءات الاستثنائية التي يجيزها القانون بهدف تأمين الحماية الفعلية للمدنيين، الذين لا يجوز تركهم لمصيرهم في ظل الأعمال العدائية، تحت أي ذريعة كانت.
ومن جهة أخرى، يطرح الواقع الراهن بإلحاح مسألة انضمام لبنان إلى نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، أو على الأقل إصدار إعلان بقبول اختصاصها، بما يتيح ملاحقة الجرائم الدولية المرتكبة على الأراضي اللبنانية، ويعزّز موقع الدولة كفاعل قانوني يسعى إلى إعمال قواعد العدالة الدولية، لا كموضوع لها.
أما التقاعس عن اتخاذ هذه المبادرات، فقد يُفسَّر، في ضوء الوقائع الراهنة، على أنه اتجاه ضمني نحو تكريس توصيف الدولة كدولة تعاني من اختلال وظيفي بنيوي، بما قد يفتح المجال أمام تدخلات دولية تحت مظلة الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وهو ما يشكّل، في جوهره، مساساً خطيراً بمفهوم السيادة وتنازلاً غير مباشر عن المسؤوليات الوطنية.
ولا بد من التذكير بأن إدارة الأزمات الإنسانية لا يمكن أن تُختزل بدور منظمات غير حكومية، مهما بلغ حجم نشاطها، إذ إن إسناد وظيفة حماية السكان إلى جهات غير رسمية يشكّل انحرافاً عن المفهوم القانوني للدولة. كما أن تحويل المعاناة الإنسانية إلى إطار دائم لطلب التمويل الخارجي، دون معالجة الأسباب البنيوية للأزمة، يفرغ العمل الإنساني من غايته ويقوّض ثقة المواطنين بالمؤسسات.
وفي هذا السياق، فإن المسؤولية لا تقع على عاتق السلطات العامة فحسب، بل تمتد أيضاً إلى مختلف الفاعلين في المجال العام، بما في ذلك وسائل الإعلام، التي يُفترض بها أن تضطلع بدور توعوي مسؤول، قائم على تعزيز ثقافة القانون والالتزام بالمعايير الدولية، بدل الانزلاق إلى خطاب تحليلي انقسامي لا يسهم إلا في تعميق الشرخ الداخلي.
يُلاحظ أن استمرار هذا النمط من القرارات الحكومية، وانعدام مصارحة الشعب اللبناني أو فتح باب للحوار الداخلي في ظل الانقسام العمودي، سواء حصل هذا الحوار في القصر الجمهوري أو تحت القبة البرلمانية، في ظل التصعيد العسكري الأخير، لا يقتصر أثره على المستوى الداخلي، بل ينعكس أيضاً على المركز القانوني الدولي للدولة اللبنانية، لجهة مدى اعتبارها قادرة على الاضطلاع بالتزاماتها الدولية، وهو ما قد يؤثر على طبيعة تعامل المجتمع الدولي معها، سواء في إطار المسؤولية الدولية أو في سياق آليات التدخل المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة.
إن ما تقدم لا يندرج في إطار التقدير السياسي، بل في نطاق التوصيف القانوني للأفعال والنتائج المترتبة عليها، فالعالم كله ينظر، ولعل ثمة دولاً تنتظر الفرصة المتاحة للنيل من دولة لبنان، والأهم أن كل مواطن لبناني ينظر بعين القهر والحسرة إلى واقع الحال القائم في البلاد. أما المواثيق الدولية فقادرة على أن تنطق، والتاريخ مليء بالأمثلة. السؤال اليوم ليس: “هل سينهار لبنان؟” بل: “كم من اللبنانيين سيموتون أو يُهجَّرون قبل أن يتحرك المجتمع الدولي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه أمام حجم الإهمال الجسيم الصادر عن مؤسسات الدولة اللبنانية، وما قد يرتبه ذلك من مسؤوليات قانونية لا يمكن تجاهلها؟”.
وفي ظل غياب المبادرات الرسمية الكافية، يبرز دور الهيئات المهنية، ولا سيما نقابتي المحامين في بيروت وطرابلس، بوصفهما حارستين للشرعية القانونية، في المبادرة إلى إطلاق ورش عمل قانونية وضغط مؤسساتي يهدف إلى إعادة توجيه الأداء الرسمي نحو الالتزام الصارم بأحكام القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، باعتبار أن السلاح الأكثر فاعلية الذي يمتلكه لبنان في مواجهة المجتمع الدولي هو التمسك بالقانون لا الخروج عليه.
تبقى هذه الدراسة اجتهاداً قانونياً قابلاً للنقاش، إذ إن تطور الفكر القانوني يفترض تعدد الآراء وتفاعلها. غير أن الثابت أن الاحتكام إلى القانون، في ظل الأزمات، يشكّل الوسيلة الأسمى والأكثر شرعية وفعالية للدفاع عن الدولة ومواطنيها.

د. جاد طعمه
أستاذ مادتي «سوسيولوجيا واقتصاديات الفساد» و«التشريعات الداخلية لمكافحة الفساد» فيكلية الحقوق – الجامعة اللبنانية، وباحث في قضايا الحوكمة والامتثال القانوني.
- د. جاد طعمه#molongui-disabled-link
- د. جاد طعمه#molongui-disabled-link
- د. جاد طعمه#molongui-disabled-link
- د. جاد طعمه#molongui-disabled-link
