في ظلّ المشهد اللبناني الراهن، يبرز التعليم الجامعي كخط الدفاع الأخيرأمام الإنهيار التام لرأس المال البشري. ومع تحول تكاليف التعليم إلى دولرة تامة، أصبح الوصول إلى التمويل الأكاديمي الدولي يمثل نقطة محورية في ظل أزمة انكماش تجاوزت 38% في الناتج المحلي الإجمالي (2019–2024).
تنشأ هنا ثنائية حادة في آليات التوزيع: فغالبية التمويل الأجنبي مُصنَّف بصفته تمويلاً مخصصاً وموجَّهاً للإغاثة الإنسانية للاجئين (السوريين والفلسطينيين). هذا التصنيف خلق إقصاءً هيكلياً للطالب اللبناني الأكثر حاجة، حيث أن نسبة من يعيشون في هشاشة إقتصادية وإجتماعية متعددة الأبعاد قد تضاعفت من 42% عام 2019 إلى 82% عام 2021 (وفق تقرير اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا – الإسكوا). هذه المفارقة لا تُضعف فقط مبدأ العدالة في التوزيع، بل وتساهم بشكل مباشر في اضمحلال رأس المال البشري على المستوى الوطني، مما يضع مستقبل التعافي اللبناني تحت تهديد وجودي.
صراع القبول وتقويض فرص الطالب اللبناني
جوهر الأزمة يكمن في البنية الهيكلية للتمويل الدولي، والتي تحكمها معايير الإغاثة الإنسانية. هذا التمويل، المخصص بالدرجة الأولى لخطط الإستجابة الإقليمية لأزمة اللاجئين، يضع الطالب اللبناني في موقف المتسوّل لفرصته الأخيرة في التعليم. إذ يعيش حالة من الإنسحاق الأكاديمي؛ فهو يرى أن المستقبل الوحيد المتبقي له رهين بمنحة دولية، لكنه يُفاجأ بأن الأبواب مغلقة في وجهه بـ”قيد ورقي”: وثيقة اللجوء.
لقد تجسد هذا التقويض في تحول أولويات حتى الجمعيات المحلية التي كانت تعتمد على الدعم الدولي لبرامجها. فمثلاً، الجمعية اللبنانية لدعم البحث العلمي (LASER)، التي كانت تقدم سابقاً منحاً لطلاب الإجازة و الماستر اللبنانيين المتفوقين في جامعات خاصة ورسمية، أعادت توجيه جزء كبير من تركيزها نحو برامج ممولة دولياً تستهدف حصراً الطلاب السوريين النازحين (كما أظهرت شروط بعض منحها الحديثة). هذا التغيير ترك الطلاب اللبنانيين (الذين لم يعد لديهم القدرة على تحمل رسوم ماستر الجامعة اللبنانية التي ارتفعت تكلفتها بشكل كبير) بلا أي دعم، ليصبحوا ضحايا لتغيير “بوصلة التمويل” من التنمية الوطنية إلى الإغاثة الإنسانية .
الإقصاء في مواجهة عدالة الحاجة
تنشأ المفارقة الأشد إيلاماً في صراع الطالب اللبناني من الآليات المزدوجة للتمويل الدولي، والتي تؤدي إلى استبعاد الطلاب الأكثر حاجة رغم حاجتهم الإقتصادية الملحة:
- آليات الإقصاء الهيكلي
- التمويل المخصص: تُقوَّضُ فرص اللبنانيين لأن المنظمات تخصص الأموال بصفة “مُحددة الهدف” لأغراض إغاثية محددة. هذا التخصيص يقصي تلقائياً الطالب اللبناني الذي لا يحمل صفة لجوء.
- إعادة توجيه المنظمات: منظمات دولية كانت تدعم الجامعات اللبنانية الكبرى مثل الجامعة الأمريكية في بيروت (AUB)، باتت تعيد توجيه جزء كبير من برامجها التعليمية لتخدم حصراً اللاجئين (مثل برامج تمويل DAFI)، مما يرسخ التفاوت الاجتماعي.
- التناقض مع عدالة الحاجة
تتضح حدة الإقصاء عند مقارنته بالواقع الاقتصادي الموثق للطالب اللبناني:
- الفقر النقدي الموثق: تشير بيانات البنك الدولي (تقرير “تقييم وضع الفقر والإنصاف في لبنان 2024”) إلى أن معدل الفقر النقدي بين اللبنانيين قد ارتفع إلى 44% من السكان. هذا الارتفاع يؤكد أن الحاجة الملحَّة للطالب اللبناني تماثل، بل قد تفوق، حاجة البعض ممن تتوافر لهم المنح الإغاثية.
- التصنيف الدولي الظالم: لبنان ما زال يُصنَّفُ تاريخياً ضمن فئة ” الشريحة الدنيا من البلدان متوسطة الدخل” حسب تقرير البنك الدولي (يوليو 2025)، مما يحرمه من التمويل التنموي المخصص للدول الأشد فقراً، ويترك الطالب اللبناني فاقداً لمصداقية الإغاثة ومحروماً من التنمية.
- تواطؤ القوى السياسية: بين استقطاب التمويل واستجداء المنحة
يزداد المشهد تعقيداً مع دخول البعد السياسي الداخلي على خط التمويل. فبعض القوى السياسية تتعامل مع ملفات المساعدات الدولية بمنظور “المكاسب الفئوية” بدلاً من “المصلحة الوطنية الجامعة”.
- صراع الأحزاب على تمويل النازحين: تظهر التوجهات السياسية تبايناً حاداً؛ حيث يسعى الحزب التقدمي الاشتراكي لتأمين موافقات لتسجيل الطلبة السوريين النازحين (جهد إنساني يحمل بعداً سياسياً). في المقابل، يشن التيار الوطني الحر حملات مضادة تدعو إلى التوقف عن تسجيل الطلاب السوريين غير المسجلين بصورة قانونية، مما يعكس صراعاً سياسياً حول هوية التمويل.
- استجداء المنحة على أبواب الزعماء: في ظل فشل الدولة في توفير الدعم، يُترك الطالب اللبناني المعوز مضطراً للجوء إلى مكاتب النواب والوزراء والأحزاب لـ استجداء منحة أو تأمين وساطة لدفع قسطه الجامعي. هذا الواقع الأليم يحوِّل المنحة من حق أكاديمي مستحق بناءً على الكفاءة، إلى مكرمة سياسية مشروطة بالولاء للطائفة أو الحزب، مما يرسخ نظام الزبائنية السياسية ويقوِّض أي مفهوم للمواطنة والمؤسسات.
- إهمال الجامعة الوطنية: لم تقم القوى السياسية بإيلاء الاهتمام اللازم للجامعة اللبنانية (الخيار الأوحد لذوي الدخل المحدود)، مما سمح بانهيار بنيتها التحتية وتدهور رواتب أساتذتها، لتصبح عاجزة عن استيعاب الأعداد الهائلة من الطلاب الفقراء، وتدفعهم رغماً عنهم نحو البحث عن دعم الأحزاب أو الهجرة.
الحل الوطني: دور المجتمع والمغتربين في المواجهة
في ظل قصور الدولة وتواطؤ بعض القوى السياسية، يبرز دور المجتمع اللبناني ومغتربيه كآخر خط دفاع لضمان حق الطلاب في التعليم العالي. إن هذا الدور يتجاوز العمل الخيري ليرتقي إلى مستوى الاستثمار الوطني الاستراتيجي.
- إنشاء صناديق منح غير مشروطة: تأسيس صناديق دعم تعليمي مُمولة بالعملة الصعبة (كصناديق المغتربين) تستهدف حصراً الطلاب اللبنانيين بناءً على معيار الحاجة الإقتصادية الملحَّة بعيداً عن أي معايير لجوء أو ولاء سياسي، بهدف توفير مسار تمويلي بديل ومستدام.
- دعم الجامعة اللبنانية: توجيه الدعم المباشر لتثبيت رواتب الأساتذة وتطوير البنية التحتية في الجامعة اللبنانية لضمان بقاء التعليم العالي الجيد متاحاً للطبقات الفقيرة.
- تنظيم حملات تأثير منظّمة: استخدام شبكات المغتربين والمنظمات غير الحكومية للضغط على المانحين الدوليين لتبني مسار تمويل موازٍ للّبنانيين الأكثر حاجة، بعيداً عن ميزانيات الإغاثة المخصصة.
دعوة إلى العمل
لقد أثبتت الأزمة أن الإعتماد على معايير الأهلية القائمة على الوضع القانوني قد فشل في معالجة الواقع اللبناني المُعقَّد. إن الثمن الأكاديمي الذي يدفعه الجيل اللبناني اليوم هو ثمن باهظ ينعكس في التسرب الأكاديمي المُتسارع و نزيف الكفاءات.
لذا، فإن المطلب يتركز على تحقيق تكافؤ الفرص في التمويل عبر آليات تضمن الإستدامة والشمولية:
- المراجعة المؤسسية: يجب على الجهات المانحة إجراء إعادة تقييم دقيقة لسياسات التمويل، لضمان تخصيص مسار تمويلي موازٍ يعتمد فقط على مؤشرات الحاجة الإقتصادية للطلاب اللبنانيين.
- الإستثمار في البنية التحتية: تحويل جزء من التمويل من الإغاثة الفردية إلى الاستثمار الهيكلي في الجامعة الوطنية اللبنانية، لرفع القدرة الإستيعابية للنظام التعليمي الرسمي.
إن وقف هذا الاستنزاف للمستقبل يتطلب تجاوز القيود البيروقراطية و التصنيفات المتقادمة، والإعتراف بأن دعم التعليم العالي للطالب اللبناني “الأكثر حاجة” هو ضرورة تنموية لضمان إعادة بناء المجتمع والدولة على أسس صلبة.

هنا وليد عرابي
كاتبة وباحثة متخصصة بالإقتصاد الموازي والسياسات العامة وقضايا التنمية. حائزة على دكتوراه في العلوم السياسية والإدارية والإقتصادية.
