تنطلق هذا المقالة من قراءة طويلة لمسار العلاقة بين روسيا والغرب، مسارٍ لم يبدأ مع الحرب الأوكرانية، بل تَشكّل تدريجيًا عبر سلسلة من الأحداث المفصلية. فكما جرى في جورجيا عام 2008، ثم في أوكرانيا منذ عام 2014، تكرّر نمط واحد: استخدام دول أو أقاليم كأدوات ضغط جيوسياسي لإضعاف روسيا، في لحظات رمزية وحسّاسة، سواء تزامن ذلك مع الألعاب الأولمبية في سوتشي أو مع التحولات السياسية الداخلية في كييف.
ضمن هذا الإطار، فإنَّ ّ روسيا حاولت طويلًا تفادي الصدام، وسعت إلى فرض منطق التسوية، وقدّمت الدعم الاقتصادي والمالي، ودافعت عن فكرة إدماج الدونباس ضمن الدولة الأوكرانية مع ضمان الحقوق الثقافية واللغوية. غير أنّ تعطيل اتفاقيات مينسك، وتسليح أوكرانيا، واستثمار «الميدان» سياسيًا، دفع موسكو إلى قناعة مفادها أنّ القانون الدولي لم يعد المرجعية الحاكمة، وأن ميزان القوة هو الذي يفرض الوقائع.
ومن هنا، لا يُنظر إلى ما جرى في أوكرانيا بوصفه حالة معزولة، بل كنقطة تحوّل في إدراك روسيا لطبيعة النظام الدولي، حيث باتت القرصنة السياسية، وخرق السيادة، وفرض الوقائع بالقوة، ممارسات مقبولة حين تصدر عن الطرف الأقوى.
إعادة إنتاج الصدام — من أوكرانيا وأرمينيا إلى مسارح جديدة
في ضوء هذه التجربة، فإن دائرة التحليل تتسع اليوم لتشمل أرمينيا، تمامًا كما كان الأمر سابقًا في جورجيا وأوكرانيا. فالنمط يتكرر: وعود أوروبية، إغراءات بالاندماج، ثم ترك الدول لمصيرها عند أول اختبار حقيقي. ويطرح السؤال الجوهري: هل تمثل هذه الدول قيمة استراتيجية حقيقية للاتحاد الأوروبي، أم أنها مجرّد أدوات تُستخدم في صراع أوسع لإضعاف روسيا والصين وحتى الاتحاد الأوروبي نفسه؟
ضمن هذا السياق، لا بد من التأكيد أنّ روسيا لم تنهَر، ولم تتفكك، وأن الرهان على استنزافها بلا نهاية هو رهان محفوف بالمخاطر على مستوى النظام الدولي بأسره. بل إن الاستمرار في هذا النهج قد يقود إلى صراع واسع لا رابح فيه.
ومن هذه النقطة تحديدًا، ننتقل إلى السؤال المركزي: إذا كان الصراع يدور حول النفوذ وإعادة رسم خرائط القوة، فهل يمكن أن يمتد هذا المنطق إلى مناطق بعيدة جغرافيًا مثل غرينلاند؟
هل تحتاج روسيا غرينلاند؟ — القطب الشمالي كجبهة استراتيجية جديدة
الإجابة، نعم. قد تحتاج روسيا غرينلاند، لكن ليس بالمعنى التقليدي للاحتلال أو السيطرة المباشرة. فغرينلاند، رغم غياب الثقل السكاني أو السوق الاستهلاكية الكبرى، تحتل موقعًا بالغ الأهمية في قلب القطب الشمالي، حيث تلتقي التحولات المناخية بالمصالح الجيوسياسية.
مع ذوبان الجليد وفتح ممرات بحرية جديدة، تصبح المنطقة عاملًا مؤثرًا في مستقبل التجارة العالمية، خصوصًا في الربط بين آسيا وأوروبا. كما أنّ الثروات الطبيعية، من المعادن النادرة إلى الطاقة، تضيف بعدًا اقتصاديًا واستراتيجيًا لا يمكن تجاهله.
ومن هذا المنطلق، نرى أنّ غرينلاند تمثل بوابة صراع نفوذ بين الولايات المتحدة، أوروبا، وروسيا، في عالم يتجه نحو التعددية القطبية. فبالنسبة لموسكو، لا يتعلّق الأمر بالسيطرة على غرينلاند بقدر ما يتعلّق بضمان موطئ قدم فعّال في معادلات القطب الشمالي، عبر النفوذ الدبلوماسي، الاقتصادي، والعلمي.
إذا نظرنا إلى السؤال من منظور جيو-سياسي محض، فإنّ غرينلاند ليست الوجهة الأولى التي تخطر على البال كهدف استراتيجي لروسيا. فهي ليست دولة نفط كالعراق أو قطر، ولا تملك ثقلًا عدديًّا ً أو سوقًا استهلاكيًا ضخمًا. ومع ذلك، تتجاوز العلاقة بين روسيا وغرينلاند حدود الجغرافيا البحتة، وتصل إلى مناطق استراتيجية حقيقية تتداخل فيها السياسة، والاقتصاد، والجغرافيا، والبيئة.
أولاً، غرينلاند، كونها جزءًا من مملكة الدنمارك وتقع في قلب القطب الشمالي، تمثّل موقعًا محوريًا في التحولات المناخية العالمية. مع ذوبان الجليد وفتح مسارات بحرية جديدة — مثل ميناء الشمال-الغربي — تصبح المنطقة أكثر نفوذًا في حركة التجارة الدولية، وقدرة على اختصار مسارات الملاحة بين آسيا وأوروبا. وهذا يعني أن التحكّم أو النفوذ في هذه المنطقة يمكن أن يوفّر لروسيا — كدولة قطبية أساسية — مصالح استراتيجية على مستوى النقل البحري وتدفقات الطاقة.
ثانيًا، غرينلاند غنية بالثروات الطبيعية، من المعادن الأرضية النادرة إلى النفط والغاز ومصادر الطاقة غير التقليدية. ورغم التحدّيات البيئية والتقنية التي تواجه استغلال هذه الموارد، فإن الدخول في شراكات أو الحصول على دور في هذه المشاريع يمكن أن يعزّز الأمن الاقتصادي الروسي في مواجهة المنافسات مع الصين والغرب.
ثالثًا، من منظور جيو-سياسي عالمي، تُعدّ غرينلاند بوابة للسيطرة على ممرّات بحرية قطبية تتقاطع فيها المصالح الأمريكية، الأوروبية والروسية. ولهذا فإن استمرار روسيا في تعزيز وجودها في القطب الشمالي — من خلال القواعد، التعاون البحثي، أو حتى النفوذ الدبلوماسي — يجعل من غرينلاند حجر زاوية في شبكة العلاقات الدولية المستقبلية.
رابعًا، لا يمكن إغفال البعد الرمزي: غرينلاند تمثّل جبهة للمنافسة الاستراتيجية بين القوى الكبرى في القرن الحادي والعشرين. في ظل تراجع الأحادية القطبية وتنامي التنافس متعدد الأقطاب، فإن قدرة روسيا على تثبيت حضورها في القطب الشمالي، وإن لم تكن بامتلاك غرينلاند مباشرة، فهي باكتساب موطئ قدم دبلوماسي أو اقتصادي هناك.
خامسًا، إذا اعتبرنا أن المنافسة بين روسيا من جهة، والولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي من جهة أخرى، تعتمد على إعادة رسم خرائط النفوذ في المناطق القطبية، فإن غرينلاند تصبح نقطة اهتمام رئيسية في أي سيناريو لأمن الطاقة، التحكم في النقل البحري، أو التحالفات الإقليمية في القطب الشمالي.
وعليه، نخلص إلى السؤال الحقيقي التالي، ومفاده: ليس ما إذا كانت روسيا «تحتاج» غرينلاند، بل كيف ستُدار المنافسة على القطب الشمالي في مرحلة تتراجع فيها القواعد التقليدية للنظام الدولي، ويحلّ محلها منطق القوة وتوازن المصالح.

د. زياد منصور
أستاذ في قسم التاريخ في الجامعة اللبنانية، وباحث في القضايا الروسية.
