إسرائيل تدخل حقبة استراتيجية جديدة

مع بدء تراجع قوة إيران ووكلائها منذ أواخر عام 2023، نجحت إسرائيل إلى حدٍّ بعيد في تحييد التهديدات غير الدولتية التي كبّلت حركتها لعقود طويلة. غير أنّ التحديات التي تفرضها بيئتها الاستراتيجية لم تصبح أسهل، بل على العكس. فمع سعي الولايات المتحدة إلى نقل جزء أكبر من العبء الأمني في الشرق الأوسط إلى حلفائها وشركائها الإقليميين، تجد إسرائيل نفسها اليوم مضطرة إلى الانخراط مع تركيا والسعودية ومصر من أجل بناء بنية أمنية إقليمية جديدة.

غير أنّ انطلاقة هذه الحقبة الجديدة ليست موفّقة بالنسبة لإسرائيل. ففي 20 شباط/فبراير، قال السفير الأميركي لدى الدولة العبرية، مايك هاكابي، في مقابلة إعلامية إن “لا مانع” من أن تسيطر إسرائيل على كامل الأراضي الممتدة من نهر الفرات في العراق إلى نهر النيل في مصر. وسرعان ما أصدرت أكثر من اثنتي عشرة دولة عربية وإسلامية، من بينها تركيا والسعودية ومصر والإمارات العربية المتحدة وإندونيسيا وباكستان ولبنان وسوريا، بيانًا مشتركًا أدانت فيه تصريحات السفير.

وقبل يوم واحد من بث مقابلة هاكابي، اجتمع “مجلس السلام” – وهو حجر الزاوية في استراتيجية الشرق الأوسط الجديدة لإدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب – في واشنطن لعقد اجتماعه الافتتاحي. وفي تطور حدّ من النفوذ الأحادي لإسرائيل على مسار غزة بعد الحرب، أكدت قيادات من دول ذات أغلبية مسلمة، مثل أذربيجان وكازاخستان وأوزبكستان وباكستان وإندونيسيا، مشاركتها في جهود إعادة إعمار غزة وتثبيتها. وتعهد المشاركون بتقديم مليارات الدولارات كمساعدات إغاثية، كما طرحوا خططًا لإنشاء قوة دولية لتحقيق الاستقرار.

وعلى الرغم من هذا الحضور الواسع، يُتوقع أن تقع المسؤوليات الأساسية على عاتق عدد محدود من القوى الإقليمية، هي تركيا والسعودية ومصر والأردن. ويُعدّ من غير المسبوق أن تتحمل مثل هذه الكتلة الواسعة من الدول مسؤولية مباشرة في توجيه القضية الإسرائيلية–الفلسطينية نحو الاستقرار. ويكتسب ذلك بعدًا استثنائيًا بالنسبة لإسرائيل، التي دأبت تاريخيًا على إدارة الملف الفلسطيني إلى حدٍّ كبير بمفردها، مع تنسيق محدود عند الضرورة مع مصر وقطر بشأن غزة، ومع الأردن بشأن الضفة الغربية.

وبطبيعة الحال، لعبت الولايات المتحدة دورًا فاعلًا طويل الأمد في احتواء النزاع والدبلوماسية بين إسرائيل والدول العربية. ففي عام 1978، نجحت إدارة الرئيس الأميركي، جيمي كارتر، في رعاية اتفاقيات كامب ديفيد، التي أفضت مباشرة إلى توقيع معاهدة السلام المصرية–الإسرائيلية بعد عام واحد. ورغم إدانة معظم الدول العربية لمصر بسبب إبرامها السلام مع إسرائيل، فإن هذه الخطوة أنهت فعليًا الصراع العسكري بين الدولتين، ووضعت حدًا لسلسلة من الحروب بين إسرائيل وجيرانها، أعوام 1948 و1956 و1967 و1973، منذ قيام الدولة العبرية.

ومع خروج مصر، أكبر دولة عربية في المنطقة، من معادلة الحرب، استطاعت إسرائيل إلى حدٍّ بعيد تحييد التهديدات التقليدية الصادرة عن الدول المحيطة بها. وانتقل الخطر الأساسي إلى الفاعلين من غير الدول، وفي مقدمتهم منظمة التحرير الفلسطينية وفصيلها الرئيسي حركة “فتح”. وحتى عام 1971، كانت منظمة التحرير تعمل انطلاقًا من الأردن، لكنها طُردت منه بعد محاولتها تحدي النظام الهاشمي، وانتقلت إلى لبنان.

استخدمت منظمة التحرير الأراضي اللبنانية قاعدةً لشن هجمات ضد إسرائيل طوال معظم العقد اللاحق. ومع انزلاق لبنان إلى الحرب الأهلية عام 1975، تمكنت المنظمة من ترسيخ وجودها في جنوب البلاد، ما أتاح لها هامش حركة أوسع لتنفيذ عمليات عبر الحدود. واستمر هذا الوضع حتى الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، الذي أجبر منظمة التحرير على الانتقال إلى تونس، واضعًا حدًا فعليًا لقدرتها على شن حرب عصابات ضد إسرائيل. وبعد سنوات قليلة، اتجهت المنظمة قسرًا نحو المسار الدبلوماسي، وهو ما تجسّد في اعترافها بإسرائيل عام 1988، ثم في المفاوضات التي تُوّجت باتفاقيات أوسلو عام 1993.

غير أنّ عجز منظمة التحرير عن مواصلة الحرب لم يُنهِ خطر الفاعلين غير الدولتيين، بل أدى إلى تحوّله. فقد برز حزب الله في لبنان عقب التدخل الإسرائيلي، ليحلّ محل المنظمة كأبرز تنظيم مسلح. وكان الدعم الإيراني العامل الحاسم في صعود “حزب الله”، ولا سيما بعد سيطرة نظام إسلامي على إيران عقب ثورة عام 1979.

وفيما ظل “حزب الله” الوكيل الأبرز لإيران، عملت إيران في الوقت نفسه على بناء نفوذها داخل الساحة السياسية الفلسطينية. فبعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987، ظهرت حركات إسلامية مثل “حماس” وحركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، ساعية إلى ملء الفراغ الذي خلّفته منظمة التحرير بعد تراجعها عن الكفاح المسلح. وبدعم من نظام الأسد في سوريا، برزت إيران راعيًا رئيسيًا لهذه القوى المناهضة لإسرائيل.

وخلال العقود الثلاثة التالية، عززت إيران قدرات وكلائها، الذين أصبحوا، إلى جانب طهران، التهديد غير الدولتي الرئيسي لإسرائيل. وأسهم انهيار عملية السلام الإسرائيلية–الفلسطينية مع اندلاع الانتفاضة الثانية عام 2000 في تعزيز مكاسب إيران. كما أدت سلسلة من التطورات المفصلية – من انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000، إلى الغزو الأميركي للعراق عام 2003، ثم الانسحاب الإسرائيلي من غزة عام 2005، وصعود حماس سياسيًا في انتخابات 2006، وحرب تموز بين إسرائيل و”حزب الله” في العام نفسه، وصولًا إلى سيطرة “حماس” على غزة عام 2007 – إلى تمكين إيران من تصعيد حملتها بالوكالة ضد إسرائيل. وقد ساهمت الصواريخ التي زوّدت بها إيران حركة “حماس” في اندلاع خمس حروب في غزة بين عامي 2008 و2021، فيما وسّعت طهران في الوقت نفسه نفوذها داخل سوريا خلال الحرب الأهلية التي اندلعت عقب “الربيع العربي” عام 2011.

وجاءت نقطة التحول مع الهجوم غير المسبوق الذي شنّته “حماس” داخل إسرائيل في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023. وبعد يوم واحد، بدأ “حزب الله” بتنفيذ هجمات من الأراضي اللبنانية. وأدّى الرد الإسرائيلي واسع النطاق إلى تدمير القدرات الهجومية لكلٍّ من “حماس” والحزب، واستهداف المستشارين العسكريين الإيرانيين في سوريا. كما أدى اغتيال القيادة العليا للحزب إلى انهيار نظام الأسد في سوريا، في ضربة استراتيجية قاسية لإيران. غير أنّ الضربة الأشد تمثلت في انتقال إسرائيل إلى استهداف إيران مباشرة، وقتلها كبار قادة الحرس الثوري الإسلامي.

ويمثل هذا الاستهداف لقدرة إيران على شن الحرب ضد إسرائيل نهاية الحقبة الثانية، التي كان فيها التهديد الرئيسي للأمن القومي الإسرائيلي صادرًا عن فاعلين غير دولتيين، وبداية حقبة جديدة تجد فيها إسرائيل نفسها مرة أخرى في مواجهة فاعلين دولتيين، وفي مقدمتهم تركيا. ولا تسعى تركيا ولا الدول العربية إلى الدخول في صراع مع إسرائيل، إذ تتركز مصالحها في تحقيق الاستقرار الإقليمي، ولا سيما في ظل تقليص الولايات المتحدة لانخراطها العسكري الخارجي. غير أنّ دور هذه الدول في مرحلة ما بعد النزاع في غزة، وفي المشهد الفلسطيني الأوسع، فضلًا عن سوريا، يضعها في موقع تصادمي مع إسرائيل. وفي الوقت ذاته، يبقى مستقبل إيران غير محسوم، مع احتمال لجوء الولايات المتحدة إلى العمل العسكري في حال فشل المسار الدبلوماسي.

والحال كذلك، فمهما تكن التطورات في إيران، فإنها لا تشكّل القضية الأساسية للأمن القومي الإسرائيلي. فتركيز إسرائيل في المرحلة المقبلة سينصبّ على إيجاد صيغة تعايش وتفاهم عملي مع تركيا والدول العربية، ولا سيما في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية.

 

ترجمة بتصرف عن موقع “Geopolitical Futures”
بقلم / كامران بخاري

ملاحظة: تمّ نشر هذا المقال قبل شنّ الضربة العسكرية على إيران.

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.