تمثّل الحرب مع إيران، التي تدخل الآن أسبوعها الثالث، المرة الأولى التي يجعل فيها أسلوب دونالد ترامب من المستحيل عليه أن يخرج بسهولة من المأزق عبر الخطابة أو الارتجال السياسي.
فترامب قد يجد نفسه عالقاً بين نزواته الشخصية ووقائع الحرب الصلبة. إذ هو يتوقع نصراً سريعاً وحاسماً. غير أنّ الحرب، بخلاف الرسوم الجمركية التي يمكن فرضها أو إلغاؤها بسرعة، لا يمكن التحكّم بنتائجها من طرف واحد، ولا يمكن حلّها بإجراءات سريعة. كما أنّ لإيران كلمتها في هذا السياق.
يعمل ترامب على المساعدة في كسر أزمة النفط في الخليج الفارسي. غير أنّه، وهو يفعل ذلك، يواجه خطر الوقوع في ما يُعرف بـ «فخّ التصعيد» – وهو وضع تجد فيه القوة الأقوى نفسها مدفوعة إلى مواصلة الهجوم لإظهار هيمنتها، حتى مع تراجع العائدات الاستراتيجية من هذا التصعيد.
وقد أقرّ مسؤول رفيع في الإدارة الأميركية بذلك بصورة شبه صريحة، إذ قال لموقع “أكسيوس”: «إنّ عبث الإيرانيين بمضيق هرمز يجعل ترامب أكثر تمسكاً بموقفه».
من ناحيتها، تريد إسرائيل تغيير النظام في إيران، وتسعى إلى قدر أكبر من التدمير العسكري، في الوقت الذي تدرس فيه احتمال غزو لبنان. وقد أظهر بنيامين نتنياهو مرات عدة أنّه، عندما يتعلّق الأمر بإيران، يمتلك القدرة على إقناع ترامب بالانحياز إلى موقفه.
أما إيران، فهي ترمي إلى البقاء والاستمرار، وفي الوقت نفسه إثبات قدرتها على إلحاق الألم، عسكرياً واقتصادياً، من أجل ردع أي هجمات مستقبلية.
في المقابل، تسعى دول أخرى إلى ضمان التدفّق الحرّ للنفط والتجارة عبر المياه والأجواء في الشرق الأوسط. وإذا أخذنا متوسط الجداول الزمنية التي تحدّث عنها ترامب ومساعدوه، فمن المعقول الافتراض أنّ الإدارة كانت تتوقّع عملية عسكرية مكثفة تستمر ما بين أربعة وستة أسابيع. وهذا ما يجعل الأول من نيسان (اليوم الثالث والثلاثين من الحرب) لحظة حقيقية لاختبار الأعصاب.
غير أنّ المسؤولين في واشنطن، وكذلك في عواصم عدة حول العالم، يستعدون لاحتمال أزمة أطول بكثير. فقد أفاد مراسل “أكسيوس” باراك رافيد أنّه سمع من ثلاثة أشخاص مختلفين داخل الإدارة الأميركية وفي دول حليفة أنّ حالة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، مع استمرار انخراط الولايات المتحدة فيها، قد تمتد حتى شهر أيلول، حتى لو تحوّلت الحرب إلى نزاع منخفض الحدة.
وقد أبلغت إسرائيل الصحافيين أنّها تخطط لما لا يقل عن ثلاثة أسابيع إضافية من الهجمات تستهدف آلاف الأهداف الإضافية داخل إيران.
من الناحية النظرية، يستطيع ترامب الانسحاب من الحرب غداً. لكن الإيرانيين قد يواصلون إغلاق مضيق هرمز ويدفعون أسعار النفط إلى مستويات مرتفعة للغاية، الأمر الذي قد يضطر الولايات المتحدة إلى العودة مجدداً إلى المواجهة.
وقد أوضح الإيرانيون، في السر والعلن، أنّه حتى لو قرر ترامب إنهاء الحرب، فإنهم قد يواصلون إطلاق الصواريخ والقذائف إلى أن يحصلوا على ضمانات بأن الحرب انتهت فعلاً، وليس مجرد وقف إطلاق نار مؤقت.
لقد اعتاد ترامب أن يفعل ما يشاء، ثم يرتجل بسرعة حلولاً إذا سارت الأمور في اتجاه سيئ. غير أنّ بعض الأشخاص في دائرته المقرّبة يشعرون هذه المرة بما وصفه أحد المسؤولين بـ «ندم المشتري» — أي تنامي المخاوف من أنّ مهاجمة إيران ربما كانت خطأً استراتيجياً.
وقال مصدر مقرّب من الإدارة إنّ بعض المسؤولين الرئيسيين حول ترامب كانوا مترددين أو كانوا يرغبون في مزيد من الوقت. وأضاف المصدر: «لقد بالغ إلى حدّ كبير في تقدير قدرته على إسقاط النظام الإيراني من دون إرسال قوات برية».
وأشار المصدر إلى أنّ ترامب كان «منتشياً بثقته في نفسه» بعد الضربات السريعة التي نفّذها الصيف الماضي داخل إيران، وكذلك بعد عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في كانون الثاني، موضحاً:
«لقد رأى سلسلة من الانتصارات السريعة والحاسمة مع مستوى استثنائي من الكفاءة العسكرية».
وتشي الصورة الآن بما يلي:
- تبدو حرب ترامب الاختيارية نجاحاً عسكرياً حتى الآن. فقد انخفضت عمليات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية بشكل كبير، ما يشير إلى أنّ إيران قد تكون بدأت تنفد من الأسلحة أو من القدرة على إطلاقها.
- تتمتع القوات الجوية الأميركية والإسرائيلية بتفوق جوي كامل يسمح لها بالقصف متى تشاء.
- جرى إعطاب جزء كبير من البحرية الإيرانية.
- قُتل المرشد الأعلى وعدد من كبار القادة الإيرانيين.
- كان من الممكن أن يكون عدد القتلى في صفوف الجيش الأميركي (والذي بلغ حتى الآن 13 قتيلاً على الأقل) أعلى بكثير بالنظر إلى حجم العمليات العسكرية.
لكن ترامب قد يجد نفسه الآن مضطراً إلى اتخاذ قرار صعب بشأن تصعيد عسكري كبير — وهو مجال جديد نسبياً بالنسبة إليه كرئيس. فقد كان بعض المسؤولين المقربين منه يأملون أن يتمكن من تحقيق مكاسب سريعة والإعلان عن النصر. لكن من غير الواضح الآن كيف يمكنه أن يفعل ذلك بشكل مقنع.
بحسب رافيد، فإن الولايات المتحدة لا تمتلك خطوط اتصال واضحة بما يكفي مع النظام الإيراني لإبرام اتفاق يضمن استمراره. بدوره، لكي يعلن النظام الإيراني النصر، يكفيه أن يبقى على قيد الحياة لا أكثر.
ترجمة بتصرف عن موقع “أكسيوس”

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
