حظر وسائل التواصل الاجتماعي عن الصغار… حسنات وسيّئات

 

التنمر، الابتزاز الجنسي، التحقير الجسدي، إيذاء النفس، فيديوهات المشاجرات المدرسية سريعة الانتشار، الأخبار المستمرة التي لا تنتهي، العلاقات غير الصحية مع روبوتات المحادثة الذكية، والمراهقون الذين لا يستطيعون وضع هواتفهم جانباً.

لا عجب في أن يشعر الآباء والمعلمون بالقلق حيال وسائل التواصل الاجتماعي. فبالرغم من كل الإبداع والمرح الذي يستمتع به الأطفال على شبكة الإنترنت، فإن المخاطر تظل متكررة جداً، بحسب ما يقول بعض المدافعين عن حقوق الفئة تلك.

خلال السنوات الأخيرة، ومع تزايُد القلق العام بشأن الصحة النفسية للشباب، بدأ الحكام وقادة المؤسسات التعليمية يبحثون عن طرق لتقليل المخاطر على الإنترنت. كما سارع المشرّعون إلى تقييد وصول الشباب إلى الشبكات الاجتماعية. وفرضت المدارس حظراً على الهواتف. في حين قدّمت منصات، مثل “إنستغرام” و”تيك توك” و”سناب شات”، إجراءات حماية جديدة للمراهقين. وقد ذهبت أستراليا أبعد من ذلك من خلال فرض حظر شامل على وسائل التواصل الاجتماعي على المراهقين.

لكن هل يمكن لهذه الخطوات التقييدية أن تُحدث فرقاً فعلياً؟

يبلّغ الشباب بانتظام عن تجارب سيئة مع وسائل التواصل الاجتماعي. ففي عام 2021، حذر موظف سابق لدى “فيسبوك” التنفيذيين، بمن فيهم مارك زوكربيرغ، بأن استطلاعاً داخلياً للشركة أظهر أن أكثر من 20% من المراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و15 عاماً أفادوا بأنهم تعرضوا للتنمر على “إنستغرام” – وذلك خلال الأسبوع السابق للاستطلاع فقط.

منذ ذلك الحين، عزز “إنستغرام” إجراءات الحماية للمراهقين، بما في ذلك بعض الإجراءات التي تهدف إلى منع الغرباء البالغين من بعث رسائل مباشرة للمراهقين الذين لا يتابعونهم. وفي العام الماضي، قدّمت المنصة أيضاً ميزة جديدة تعمل على تشويش الصور العارية تلقائياً في الرسائل المباشرة المرسلة إلى المراهقين دون سن الثامنة عشرة.

مع ذلك، وجد الباحثون والمسؤولون الحكوميون عيوباً في بعض هذه الإجراءات الوقائية. ففي العام الماضي، اعتقلت ولاية نيو مكسيكو ثلاثة رجال متهمين باستهداف الأطفال جنسياً، بحسب ما أعلن المدعي العام للولاية، بعد أن زُعم أن الرجال استدرجوا محققين من الدولة تظاهروا بأنهم أطفال عبر حسابات وهمية على “إنستغرام” و”فيسبوك”.

في هذا السياق، يلجأ بعض المشرّعين والمدارس إلى حظر التكنولوجيا. ومن أبرز الإجراءات الشاملة في هذا المجال ما يحدث في أستراليا، حيث تحاول الحكومة إبقاء معظم الأطفال بعيدين عن وسائل التواصل الاجتماعي. فاعتباراً من شهر كانون الأول/ديسمبر الحالي، طلبت الدولة من منصات، مثل “إنستغرام” و”تيك توك” و”يوتيوب”، اتخاذ “خطوات معقولة” لمنع الأستراليين دون سن السادسة عشرة من إنشاء حسابات.

قد يعالج الحظر الأسترالي مشكلة مزمنة. إذ يشتكي المنظمون من أن الشبكات الاجتماعية سمحت لملايين الأطفال دون سن الثالثة عشرة بإنشاء حسابات، دون فرض قيود العمر التي تنص عليها الشركات بشكل كافٍ. ومع ذلك، قد يؤثر الحظر على الفوائد الاجتماعية لوسائل التواصل مثل الصداقات، حسبما ذكرت منظمة “اليونيسيف” في أستراليا، دون أن يحل المشكلات التي يواجهها الشباب على الإنترنت. وقالت المنظمة في بيان على موقعها الإلكتروني: “تقدّم وسائل التواصل الاجتماعي الكثير من الأمور الجيدة، مثل التعليم والحفاظ على التواصل مع الأصدقاء”.

بدورها، اتّبعت بريطانيا نهجاً مختلفاً، من خلال تعزيز خصوصية المستخدمين وتحكّمهم في إدارة الوقت، بدلاً من إعاقة وصول الشباب إلى التطبيقات. ففي عام 2020، بدأت بريطانيا بمنع الخدمات مثل الشبكات الاجتماعية وتطبيقات الألعاب من استخدام “تقنيات الإيحاء” لتوجيه الشباب إلى تقديم مزيد من البيانات. كما يجب على الخدمات الإلكترونية تفعيل أعلى إعدادات الخصوصية افتراضياً للأطفال دون سن الثامنة عشرة. وفي عام 2022، أصدرت كاليفورنيا قانوناً مشابهاً، إلا أن دعوى قضائية قدّمتها مجموعة تجارية صناعية تُعرف باسم “NetChoice” أوقفت تطبيقه على الأقل في الوقت الراهن.

وتحاول المدارس أيضاً الحد من تشتّت الطلاب بسبب التكنولوجيا. فاليوم، تمنع أو تقيّد 40% من الدول استخدام الطلاب للهواتف المحمولة، كما تفعل أكثر من 30 ولاية أميركية إضافة إلى مقاطعة كولومبيا.

إلّأ أنه لا تتوفر لدينا أبحاث واسعة حول مدى فعالية هذه الخطوات التقييدية. فبحسب استطلاع أجراه باحثون في جامعة برمنغهام، شمل أكثر من 1200 طالب في 30 مدرسة في إنكلترا، أشار هؤلاء مؤخراً إلى أن حظر الهواتف المحمولة لم يحسّن الرفاه النفسي للطلاب.

يمكن أن تشكّل الخطوات التقييدية الشاملة للتكنولوجيا “أدوات خشنة”. فهي قد تصعّب على الكثير من الشباب امتلاك حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي، لكنها غالباً لا تغيّر الميزات الأساسية للتطبيقات التي يقلق بشأنها العديد من الآباء.

والحال أن العديد من التطبيقات الشائعة تستخدم تقنيات فعالة لجذب الانتباه يمكن أن تشدّ الشباب إلى الشاشات، كما تقول جوليا باولز، الباحثة الأسترالية والمديرة التنفيذية لمعهد جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس للقانون والسياسة والتكنولوجيا. وتشير باولز إلى أن ذلك يبقي المستخدمين متصلين لفترة أطول، ويزيد من أرباح الشركات من الإعلانات.

وفق باولز: “السبب الجذري هو الحافز المالي الذي يحرك هذه المنصات”. وتابعت: “إنه يخلق ممارسات ملتوية يمكن استغلالها من قِبَل صناعات ضارة مثل القمار والأطعمة غير الصحية”.

قد يغفل المشرّعون عن النقطة الأساسية، برأي باولز. إذ إن الحظر الجديد لوسائل التواصل الاجتماعي في أستراليا، كما تشير، يوجّه الشركات إلى “تجاهُل” الإعلانات التي تعرضها وكذلك الإيرادات الناتجة عنها.

بالتالي، إذا كانت وجهة نظر باولز صحيحة، فقد تعالج الخطوات التقييدية التقنية الأعراض فقط. غير أنها لا تقدّم سوى القليل لمعالجة الأسباب الجذرية للمخاطر التي يواجهها الأطفال والمراهقون على الإنترنت.

 

ترجمة بتصرّف عن صحيفة “نيويورك تايمز”

بقلم: ناتاشا سينغر

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.