الأحد الكبير: تحالفات، صفقات، ووكالة بطاقات ممغنطة تهزّ انتخابات المحامين

بعد اللقاء المتلفز عبر شاشة “الجديد” مساء أمس، والمتوقّع أن تكتمل فصوله في لقاء آخر اليوم، لم يعد خافياً على أحد أنّ انتخابات نقابة المحامين في بيروت، المقرّرة يوم الأحد المقبل في 16 تشرين الثاني، قد تحوّلت إلى ساحة بديلة للحرب السياسية التي تستعر في لبنان. لكنّ المفاجأة هذه المرة تمثّلت في مستوى الانكشاف والانزياح عن التقاليد النقابية العريقة، حيث تخلّى النقيب العامل فادي مصري عن الحيادية التي يُفترض أن تلازمه، ليظهر في مقابلة تلفزيونية يُعتقد أنها، كما المقابلة التي ستتبعها، مدفوعة الأجر، إلى جانب لائحة كاملة من المتحالفين، في خطوة غير مسبوقة نقابياً، وتُعدّ من السقطات الكبرى التي تُلحق الضرر بصورة النقيب. ويُفهم من خلفياتها أنّ هدفها المباشر هو ردّ الجميل لمدير حملته الانتخابية في العام 2023، وتمرير أجندة سياسية محدّدة، ومحاولة إرباك الخصوم معنوياً.

تحالف “الكل ضد القوات”: لعبة النقابة على نار السياسة

تناست الأحزاب اللبنانية وجمهورها جميع التحالفات السابقة التي جمعتها بالقوّات اللبنانية تعزيزاً لمشهد اللحمة الوطنية. وفي مشهد يعكس تحالفاً رباعياً استثنائياً، اختيرت الإطلالة الأولى له عبر وسائل الإعلام المرئية، ومن خلال حملة دعائية مغطّاة من النقيب العامل، حيث تم الإعلان عن لائحة يرأسها المحامي إلياس بازرلي وتحظى بدعم كلّ من: النقيب العامل، والتيار الوطني الحر (بمرشحه المحامي وسيم بو طايع)، وحزب الكتائب (بمرشحه المحامي موريس الجميل)، والحزب التقدمي الاشتراكي (بمرشحه المحامي نديم حمادة).

وقد تلقّى عدد كبير من المحامين بالأمس اتصالات من زملاء في حركة أمل، أُعلموا خلالها بتبنّي المرشّحتين سعاد شعيب وسهى الأسعد بلوط للعضوية، وإلياس بازرلي للعضوية ومركز النقيب. في المقابل، يبدو أن حزب الله سيدعم سهى الأسعد بلوط حصرياً للعضوية، وقد حاول التمايز بحضوره عشاء المرشّح لمركز نقيب عماد مارتينوس مساء أمس (علماً أنّ الاتصالات التي جرت مع المحامين طلبت منهم تأمين الدعم لسهى الأسعد بلوط وإلياس بازرلي).

هذا التحالف المتباين، الذي يجمع بين “أدعياء محاربة الفساد” وأطراف “مشهود لها بالفساد المالي” في نظر كثيرين، يراهن على ما يشبه “لعبة روليت نقابية” خطرة. فالماكينة الانتخابية للمرشّح لمركز نقيب، المحامي إلياس بازرلي، تبدو وكأنها تلعب على التناقضات الداخلية، إذ تقول لكل جهة ما تريد سماعه، مستفيدة من انعدام التواصل المباشر بين الجهات المتحالفة معها. أمّا الهدف الحقيقي من ذلك، فهو محاولة عزل عماد مارتينوس، المرشّح المستقل المدعوم من حزب القوات اللبنانية، والذي يضع “التدقيق المالي المستقل” في صلب برنامجه، في حين ينادي بازرلي بإقرار الميزانيات كما وردت لأنّ “لا اختلاس ولا سرقة” في صناديق النقابة.

الكواليس: مساومات وتهديدات بملفات الفساد

وراء هذه الواجهة المتناغمة ثمة كواليس معقّدة. فلا تزال مساومة “أمل ـ القوات” قائمة حتى الأمس القريب، وقد بُذلت محاولات جدّية من قيادات في حركة أمل لإقناع حزب القوات اللبنانية بدعم مرشّحتها سعاد شعيب، مقابل تقديم الدعم الكامل لعماد مارتينوس، مع تعهّد بتأمين دعم مماثل من محامي حزب الله. وهذا هو السبب الحقيقي لتأخر إعلان الموقف من قِبل “الثنائي الشيعي”، ما انعكس ململة داخل قواعد حركة أمل التي قاطعت، بقرار حزبي، مرشّحاً (مارتينوس) وقف إلى جانبها أيام الحرب. علماً أنّ بعض المنتسبين تمرّدوا على هذا القرار، وكان للمرشّح مارتينوس لقاءان حاشدان في النبطية وصور خلال اليومين الماضيين.

ولا يمكن إغفال الضغوط التي تفرضها القاعدة المهنية على “تيار المستقبل”، الذي يُلام على اعتكافه عن إعلان موقفه حتى الساعة، في خطوة يراها البعض محاولة للضغط على حليفه التقليدي (القوات اللبنانية) لتحصيل مكاسب سياسية في انتخابات 2026. وتشير الأوساط إلى وجود من يلعب دوراً في تصفية حسابات داخلية، ما يعرّض مرشّح الحزب توفيق نويري لخسارة حتمية في المعركة النقابية إن تُرك وحيداً، مع تلويح الأخير بالانسحاب، وهو أمر لا تعارضه بعض القيادات في تيار المستقبل، التي تطمح لوصول محامين آخرين من داخل الحزب إلى عضوية مجلس النقابة. وقد يكون الهدف إحراج توفيق نويري لدفعه إلى الخروج ذاتياً من المعركة وإيصال رسالة مفادها أنّ ترشيحه لم يحظَ بمباركة قيادة حزبه.

ويجري الحديث أيضاً عن تهديدات بتجيير الأصوات في حال عدم التزام قاعدة “الثنائي الشيعي” بالتصويت للمرشّح إلياس بازرلي، بحيث تمتنع الماكينة الانتخابية عن دعم سعاد شعيب، وتقوم بتحويل الأصوات إلى توفيق نويري، الأمر الذي فرض على قيادات في حركة أمل إصدار قرارات بوجوب مقاطعة مارتينوس.

الفساد سلاح: من “ملفات القضاء” إلى “وكالة بوب فاينس”

في قلب هذه المعركة الشرسة، تبرز “ملفات الفساد” كسلاح فتاك للتأثير والضغط. فتبعات الملف القضائي الذي فتحته المدعي العام الاستئنافية في بعبدا، القاضية السابقة غادة عون، تعود إلى الواجهة بعد وصول الملف إلى محكمة الجنايات في بيروت، حيث اختُصرت المحاكمة على المساعدين القضائيين فقط. هذا الملف القضائي الشهير طالت شظاياه شخصيات قضائية محسوبة على تيار المستقبل والتيار الوطني الحر وغيرهما. لكنه، في لحظة “توافق”، جرى “طمره” بفعل ضغوط سياسية، لا سيما بعد أن طالت الشبهات القاضي السابق بيتر جرمانوس، الذي استقال كما يفعل العديد من القضاة عند انكشافهم، ما يتيح لهم تحصيل حقوقهم من خزينة الدولة، ثم دخل نقابة المحامين في بيروت مكرّماً “على حصان أبيض”، ليصبح من الناشطين ضد الفساد.

لقد كرّس هذا الملف ثقافة “كبش الفداء” وحماية الكبار. وهو يتضمّن أسماء لمحامين نالوا الحماية النقابية سابقاً، وينعكس اليوم في التأثير عليهم بوجوب اتخاذ مواقف معيّنة خلال الحملة الانتخابية.

كذلك، يكثر الكلام حول الإعلان الذي حرصت نقابة المحامين في بيروت على تسويقه الأسبوع الماضي تحت عنوان “الدخول إلى العالم الرقمي”، والتعميم المتعلّق بالبطاقة الممغنطة قبل يومين. فبعد الحديث عن تضارب مصالح في مشروع هذه البطاقة، التي تبلغ كلفتها الفعلية أربعة دولارات وتُباع لأعضاء الجسم المهني بعشرين دولاراً، يهمس البعض بأنّ المرشّح المحامي إلياس بازرلي تمكّن من الحصول على وكالة سنوية من شركة “بوب فاينس”، وهي الشركة المتعاقدة مع النقابة لإصدار البطاقات الممغنطة، والتي تتقاضى عمولات سخية مقابل هذه الخدمات. وقد حاولنا التواصل مع الشركة التي رفضت التعليق سلباً أو إيجاباً.

هذا الكشف، الذي يحتاج بلا شك إلى تدقيق، يضع إصبع الاتهام على “تضارب المصالح” لدى مرشّح يتعهد خلال إطلالاته التلفزيونية بالشفافية ومحاربة الفساد، وسط تساؤلات عن مصدر التمويل الضخم لحملته الانتخابية. وتشير المصادر نفسها إلى ضرورة الالتفات إلى التقديمات السخية لجمعية المصارف في هذه الحملة، وهي بالطبع أسئلة لا يطرحها المضيف المدفوع الأجر تفادياً للإحراج.

الملف الصحي: من “المنّة” إلى الحق

يكشف الملف الصحي الذي تمّ تناوله أمس عبر الإعلام المرئي جانباً آخر من منهجية الإدارة المثيرة للجدل. فقد كانت “مهمة” تسهيل الحالات الاستشفائية حكراً في السابق على أمين الصندوق السابق، المرشّح المحامي إلياس بازرلي، قبل أن يرفض أمين الصندوق الحالي، والمرشّح بدوره للعضوية، المحامي جورج يزبك، استمرار هذه الآلية. هذه الممارسة حوّلت الخدمة الصحية، التي يدفع المحامون مقابلها المال، من حقّ مكتسب ومصان إلى “منّة” ووسيلة لترسيخ ثقافة المحسوبيات والريع، بما يجعلها فاتورة انتخابية لا بدّ من تسديدها.

الخلاصة: النقابة مرآة الدولة… والزلزال قادم

لم تكن الحرب على لبنان في عام 2024 حرباً عابرة، بل كانت محطة كشفت هشاشة كلّ شيء، حتى أعرق النقابات في لبنان التي تغنّت بمئويتها منذ سنوات قليلة. اليوم، نحن لسنا أمام مجرّد عودة الأحزاب إلى نقابة المحامين في بيروت، بل أمام توريط لقيادات هذه الأحزاب في دوامة مثيرة للجدل، تُستخدم للتغطية على عمولات ومصالح ضيّقة تحتاج إلى الغطاء السياسي بقدر ما تحتاج إلى الغطاء النقابي.

المعركة يوم الأحد القادم في نقابة المحامين في بيروت ليست على مقعد نقابي فحسب، بل على هوية مؤسسة يفترض أن تكون درعاً للقانون والشفافية. الساعة تدقّ، والوقت يمرّ ثقيلاً في لحظاته الأخيرة، والنار المتأججة تحت الرماد قد تتحوّل إلى حريق يلتهم ما تبقّى من هيبة مهنة كانت يوماً مصدر فخر لكل المنتسبين واللبنانيين.

مقالات الكاتب

إميل خلف

كاتب مختص في الشؤون القانونية والقضائية.