إن إسرائيل لم تخطئ في هوية الهدف الذي اغتالته، وحتى الآن، يبدو كأنها لم تخطئ أيضاً في تقدير ردّ حزب الله وإيران؛ فقبل عام تماماً، وُقّعت اتفاقية وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، وبعد نحو 14 شهراً من القتال، تلقّى حزب الله ضربات قاسية جداً من الجيش الإسرائيلي والموساد خلال الأشهر الأخيرة، وعلى الرغم من أن الحزب يبذل جهوداً من أجل التعافي مؤخراً، فإن ميزان القوى بين الطرفين واضح إلى حد كبير حالياً.
ففي صيف 2023، قبيل اندلاع الحرب، كانت إسرائيل تخشى إزالة خيمة نصبها عناصر حزب الله داخل أراضٍ تحت سيطرتها في مزارع شبعا؛ اليوم، يُقتل رئيس أركانٍ آخر للحزب، وحزب الله لا يرد؛ هذا التغيّر الجوهري ناتج من تبعات الحرب. فبعد الإخفاق الفادح في 7 تشرين الأول/ أكتوبر في غلاف غزة، لا تسمح إسرائيل بتعاظُم المخاطر، وبالنظر إلى ردودها في الساحات الأُخرى، يبدو كأن خصومها باتوا أكثر حذراً.
هناك أيضاً اعتبارات أُخرى: هذه المرة، من الواضح جداً أن إسرائيل هي التي تصعّد التوتر على طول الحدود، والإبقاء على الجبهات مشتعلة يخدم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو؛ فالنار الأمنية المشتعلة تصرف الانتباه عن إخفاقات حكومته الداخلية، وتوفّر له ذريعة لقطع سلسلة الإحراجات اليومية التي يواجهها خلال الاستجواب في محاكمته.
قال الدكتور شمعون شابيرا، مؤلف كتاب “حزب الله، بين إيران ولبنان”، لصحيفة “هآرتس”: إن الحزب ينظر إلى اغتيال الطبطبائي على أنه خطوة استراتيجية استثنائية من جانب إسرائيل، سواء بسبب مكانته الكبيرة، أو بسبب قرار إسرائيل العودة إلى قصف الضاحية الجنوبية في بيروت. ويضيف شابيرا، “بالنسبة إليهم، هذه محاولة لجرّهم إلى الرد، كي تستخدمه إسرائيل ذريعة لشن عملية واسعة تدمّر ما لم تنجح في تدميره قبل عام”.
وبحسب شابيرا، لقد أدى اغتيال نصر الله إلى إضعاف الهرمية في صُنع القرار داخل الحزب، والآن، يوجد خلاف في قيادته على طبيعة الرد المطلوب. “هناك مَن يدعو إلى ردّ قاسٍ للثأر من الإهانة التي تعرّض لها الحزب، وهناك تيار آخر، بقيادة الأمين العام الحالي الشيخ نعيم قاسم، يدعو إلى انتظار الفرصة المناسبة، وعدم منح إسرائيل الذريعة. هم يخشون اندلاع حرب جديدة تتسبب بدمار وكثير من القتلى، فيحمّلهم اللبنانيون المسؤولية. التفكير هناك الآن هو أنه يجب خفض الرأس في وقت الشدة وانتظار الفرصة لاحقاً؛ في الوقت الحالي، هذه هي الأصوات الغالبة.”
هناك خيبة أمل معينة في المنظومة العسكرية الإسرائيلية من تباطؤ وتيرة نزع سلاح حزب الله وتقليص نشاطه جنوبي نهر الليطاني، مقارنةً بالأشهر الأولى التي تلت وقف إطلاق النار؛ حكومة لبنان وجيشه، اللذان اتّخذا موقفاً أكثر صرامةً في البداية، أصبحا أكثر حذراً؛ أمّا الإدارة الأميركية، فتبدو كأنها فقدت الانتباه والاهتمام بما يجري.
ومع ذلك، فإن وتيرة تسلُّح حزب الله بعيدة جداً عمّا كانت عليه قبل الحرب. ويقدّر كبار الضباط في الجيش الإسرائيلي أن إسرائيل نجحت، خلال “المعركة بين الحروب”، في إحباط نحو 10% فقط من تهريب السلاح إلى لبنان. الآن، تغيّرت الظروف: فشبكة التهريب التي تقودها إيران لا تستطيع تمرير كميات كبيرة من السلاح، عبر سورية، بعد تغيُّر النظام هناك، وبسبب عدائه للمحور الشيعي، وكذلك المسارات عبر الموانئ والمطارات اللبنانية، التي تخضع لرقابة الأميركيين والحكومة اللبنانية، والسلاح الذي يصل اليوم، في معظمه، من المرجح أنه يُنهب من مخازن جيش النظام السوري المنتشرة في البلد، لكنها أسلحة قديمة وكميتها محدودة (دمرت إسرائيل جزءاً كبيراً من هذه المخازن خلال انهيار النظام السابق في دمشق في كانون الأول/ديسمبر الماضي).
وعلى الرغم من الصورة الجديدة، فإنه لا يمكن استبعاد احتمال ردّ من حزب الله، بالتنسيق مع إيران. لقد كان الطبطبائي مستشاراً للمتمردين الحوثيين في اليمن وقتاً طويلاً، وساعدهم على بناء منظومة الصواريخ والطائرات المسيّرة؛ ربما سيُطلب منهم الرد، وحسبما هو معتاد لدى حزب الله، لا يمكن استبعاد احتمال تنفيذ هجوم ضد أهداف إسرائيلية في الخارج.

مؤسسة الدراسات الفلسطينية
مؤسّسة بحثية مستقلة وغير ربحية، متخصصة في دراسة القضية الفلسطينية والصراع العربي-الإسرائيلي، وتمتد نشاطاتها إلى وثيقة التاريخ، الحقوق، والسياسة. تأسست في بيروت عام 1963 على يد عدة مثقفين عرب وفلسطينيين من بينهم قسطنطين زريق، وليد الخالدي، وبرهان الدجاني.
