استحقاق مؤجَّل أم موعد حتمي؟ الانتخابات النيابية في ميزان واشنطن وطهران

مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية اللبنانية في العاشر من أيار المقبل، تعيش البلاد حالة ترقب حذر تتراوح بين تأكيدات رسمية بإجرائها في موعدها، وشكوك سياسية تتعلق بقدرة الدولة على تنفيذ هذا الاستحقاق في ظل تعقيدات قانونية داخلية، والأهم في ظل ارتباط القرار النهائي بحسابات إقليمية ودولية تتجاوز حدود لبنان.

مأزق القانون والقرار السياسي

على المستوى الداخلي، تصرّ السلطة السياسية على أن الانتخابات ستُجرى وفق القانون النافذ، بما يتضمنه من الدائرة السادسة عشرة الخاصة بغير المقيمين. إلا أن هذا القانون، بصيغته الحالية، يواجه عقبات تقنية وقانونية قد تفتح الباب أمام الطعن في النتائج، ما لم تُتخذ خطوات تشريعية وتنفيذية عاجلة لتصحيح الثغرات وتوفير الشروط التطبيقية.

غير أن المعضلة الأساسية لا تكمن في النص القانوني بقدر ما ترتبط بالقرار السياسي الخارجي، الذي لطالما لعب دوراً حاسماً في توقيت الاستحقاقات اللبنانية. فالانتخابات في لبنان لم تكن يوماً مجرد عملية دستورية صرفة، بل كانت في كثير من الأحيان نتاج توازنات إقليمية وتفاهمات دولية تحدد توقيتها ومفاعيلها.

مقاربة أميركية مرتبطة بملفات المنطقة

ضمن هذا السياق، برزت مقاربة الإدارة الأميركية الجديدة التي لم تُخفِ سابقاً عدم حماستها لإجراء الانتخابات الرئاسية في كانون الثاني 2025، إذ أشار مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي، إلى إمكان تأجيلها إلى النصف الثاني من العام نفسه، مع إعطاء الأولوية لتثبيت وقف إطلاق النار وحصرية السلاح قبل الانتقال إلى تشكيل سلطة لبنانية قادرة على إدارة الملفات الحساسة.

ورغم ذلك، تقبلت واشنطن نتائج الانتخابات الرئاسية التي أوصلت جوزيف عون إلى رئاسة الجمهورية ونواف سلام إلى رئاسة الحكومة، باعتبارهما لا يمثلان امتداداً مباشراً للمنظومة السابقة، وهو ما يعكس مقاربة أميركية براغماتية تقوم على تقييم طبيعة السلطة الجديدة وقدرتها على تنفيذ أولويات المرحلة.

في موازاة ذلك، لا تنظر الإدارة الأميركية إلى الملف اللبناني بمعزل عن قضايا المنطقة، وخصوصاً ما يجري في غزة وسوريا، ومسار التفاوض مع إيران. فالمقاربة الأميركية الشاملة تقوم على هدف استراتيجي يتمثل في جعل محيط إسرائيل خالياً من أي تهديد عسكري، وإنهاء وجود القوى المسلحة غير الحكومية التي يمكن أن تشكل مصدر خطر أو عامل تعطيل للأنظمة التي تسعى واشنطن إلى تثبيتها في المنطقة.

لبنان في قلب التفاوض الأميركي الإيراني

في حال تراجعت احتمالات الحرب الشاملة بين واشنطن وطهران، واتجه الطرفان نحو تسوية في الملف النووي أو ملفات موازية، فإن لبنان سيكون من أكثر الدول تأثراً بهذه التحولات. إذ أنه، وبحكم موقعه وتركيبته السياسية المرتبطة بتوازنات الإقليم، غالباً ما يتحول إلى ساحة انعكاس للتفاهمات الكبرى.

وحتى لو سعت إيران إلى إبقاء الملفات الإقليمية خارج إطار التفاوض المباشر، فإن أي اتفاق بينها وبين الولايات المتحدة سيؤدي حكماً إلى خفض مستوى التوتر العام، وفرض وقائع سياسية وأمنية جديدة في دول المواجهة غير المباشرة، وفي مقدمها لبنان.

في هذا المناخ، قد تكون الانتخابات النيابية إحدى النتائج الطبيعية لأي تسوية أميركية إيرانية. فمع تراجع احتمالات الانفجار العسكري وتبدل المزاج الإقليمي، لن تبقى هناك موانع جدية أمام إعادة إنتاج السلطة التشريعية.

كما أن أي تفاهم كبير لن يؤدي إلى انقلاب سريع في موازين القوى الداخلية، ما يجعل إجراء الانتخابات مقبولاً لدى مختلف الأطراف، من دون خشية من تغييرات دراماتيكية غير محسوبة.

أما ملف سلاح «حزب الله»، فمن غير المرجح أن يُطرح سيناريو نزعه الكامل في المدى المنظور. الأرجح هو الذهاب إلى تسوية ضمنية تقوم على تجميد استخدام السلاح أو تنظيم دوره، مقابل وقف الاعتداءات الإسرائيلية وتخفيف الضغط الأمني على الحدود، ضمن مناخ إقليمي يسعى إلى خفض التوتر بدلاً من حسم الملفات بالقوة.

مجلس نيابي على قياس المرحلة

في ضوء هذه المعادلات، تبدو الانتخابات النيابية جزءاً من لوحة إقليمية أوسع يجري رسمها على أكثر من مسار. من هنا، فإن الإدارة الأميركية لا تبدو في عجلة من أمرها لإنهاء هذه اللوحة، بانتظار اتضاح نتائج الملفات الكبرى في المنطقة.

داخلياً، تدرك الكتل السياسية أن المطلوب مجلس نيابي يتماهى مع ملامح السلطة التنفيذية الحالية. وإذا كان تغيير موازين القوى الكبرى أمراً صعباً، فإن الاتجاه السائد هو الدفع بوجوه جديدة تتناسب مع المرحلة المقبلة وخريطة المنطقة المتغيرة.

غير أن العقدة الأساسية تبقى في التوازن الطائفي، الذي يُرجح أن يبقى ثابتاً إلى حد كبير، حتى في حال حصول مواجهة أو تسوية بين واشنطن وطهران. فقيادات الثنائي الشيعي تسعى إلى مكاسب سياسية مقابل ملف السلاح، إضافة إلى ضمانات دولية تتعلق بإعادة الأسرى وإطلاق مشاريع إعادة الإعمار، قبل الدخول في مراحل لاحقة تتصل بنزع السلاح، خصوصاً بعد التغييرات التي حصلت جنوب الليطاني.

خلاصة القول، بين الاستحقاق الدستوري والتوازنات الإقليمية، تبدو الانتخابات النيابية اللبنانية رهينة معادلة مزدوجة: جهوزية داخلية قانونية وسياسية، وموافقة خارجية مرتبطة بمسار التفاوض الأميركي الإيراني وترتيبات المنطقة. وفي ظل هذه المعادلة، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت الانتخابات ستُجرى، بل في أي سياق إقليمي ستتم، وأي مجلس نيابي سيولد من رحمها ليواكب موازين المرحلة المقبلة.

مقالات الكاتب

د. محمد حلاوي

أستاذ جامعي في كلية العلوم الاقتصادية في الجامعة اللبنانية، متخصص في الشأن الاقتصادي والسياسي والتحليلي. عضو في الهيئة التأسيسية في “المرصد الشعبي” في لبنان، ومتحدّث في قضايا التعاضد الاجتماعي والعدالة.