في هذا الزمن الذي يضجّ بالأصوات العالية والكلمات العابرة، يأتي رحيل أحمد قعبور ليعيدنا إلى الصمت الثقيل، الصمت الذي يتبع غياب “البوصلة”. ليس رحيله مجرد غياب لفنان أو ملحن، بل هو انسحابٌ لواحد من آخر حراس الذاكرة الجماعية، ذاك الذي رفض أن يساوم على نبرته، أو يلوث حنجرته بغير وجع الناس الصادق. كنا نلوذ بصوته كلما تاهت بنا الدروب، فنجد فيه ذاك الجار الذي يطرق أبواب قلوبنا بكلمات تشبهنا، ويذكرنا بأن الفن، في جوهره، ليس استعراضاً بل هو “فعل أمانة” تجاه الأرض والإنسان.
ببساطة عفوية، وبـ”بحّته” البيروتية التي تحمل ملوحة البحر وصبر الشوارع القديمة، كان أحمد يحمل همّ المدينة على كتفيه. لم يغنِّ لنا يوماً من فوق منصة عالية، بل غنّى وهو يمشي بيننا، كواحد منا، يتقاسم معنا الرغيف والقلق.
منذ تلك الصرخة الأولى “أناديكم”، تلك التي استعار جمرها من كلمات توفيق زياد، فهمنا أن الأغنية عنده ليست مجرد “لحن جميل”، بل هي نداء مفتوح للضمير. لم يكن يقصد الحدث السياسي بجفافه، بل كان يقصد “الإنسان” في قلب الحدث، ذاك الذي يبحث عن كرامته وسط الركام.
في صوته، لم يكن الجنوب مجرد أخبار في النشرات أو خطوطاً على الخريطة. كان الجنوب في حنجرة أحمد هو رائحة الزعتر البري، وتعب الفلاحين الصابرين، وحكايا الجدات التي لا تنتهي. غنّى للأرض كأنها أمّه التي تخاف عليه، وللناس كأنهم رفاق دربه الطويل. وحتى حين اهتزت الدنيا فرحاً بالتحرير، لم يغنِّ شعاراتٍ خشبية، بل غنّى بدمعة فرح حقيقية صاغها بطلب من الرئيس الشهيد رفيق الحريري، لتكون نشيداً وطنياً نابضاً يسكن البيوت قبل أن يسكن الإذاعات، مبرهناً أن الأغنية الصادقة هي المرآة التي نرى فيها وجوهنا في الحزن والانتصار معاً.
وحين التقى صوته بكلمات محمود درويش، تحولت “الأم” في أغنيته إلى رمزٍ كوني؛ لم تعد مجرد تفصيل عائلي، بل صارت هي الهوية، وهي الجذور التي ترفض الانكسار مهما اشتد الغياب. كان يؤمن أن الفن ضرورة كالهواء والخبز، فكان يهمس لنا بصدقٍ جارح في لحظات الفقد، ويستعيد معنا براءة طفولتنا المفقودة، مانحاً الصغار أغنيات تصنع الأمل من قلب العتمة، وتذكرنا بأن أبسط تفاصيل الحياة هي أجملها.
اليوم، حين يصمت هذا الصوت العذب، والجنوب الذي سكن قلبه لا يزال يئنّ تحت وطأة النار، نشعر بخسارة مضاعفة. برحيله، يفقد لبنان صوتاً كان يجمع الشتات حين كانت كل الأصوات تفرقنا، صوتاً كان يحبنا بصدق دون مباهاة، ويحمي أحلامنا من الضياع في زحام الانقسامات. لقد كان أحمد قعبور حالة إنسانية عابرة للطوائف والمناطق، انحاز فيها للإنسان، وفقط للإنسان.
لكن العزاء الحقيقي، والأكيد، هو أن الأصوات التي تُعجن بطين الأرض وعرق الناس “ما بتفل”. ستبقى تلك النغمة البيروتية الدافئة تتردد في زوايا بيوتنا، تهمس لنا في كل مرة يثقل فيها الحمل ونتعب من الطريق: “لا تيأسوا.. هالوطن بيبقى بيستحق نغني له، ونحبه، ونعطيه أغلى ما عنا.. مش نتعب منه”.
سيبقى أحمد قعبور نشيداً لا يموت، لأنه ببساطة، لم يغنِّ للّحظة، بل غنّى للأبدية الكامنة فينا.

د. محمد حلاوي
أستاذ جامعي في كلية العلوم الاقتصادية في الجامعة اللبنانية، متخصص في الشأن الاقتصادي والسياسي والتحليلي. عضو في الهيئة التأسيسية في “المرصد الشعبي” في لبنان، ومتحدّث في قضايا التعاضد الاجتماعي والعدالة.
