الجمهورية اللبنانية منهارة، والسيادة منتهكة، والشعب مجزّأ. كلّ شيء منهار، لأنّ الفساد السياسي يُحكم قبضته على النظام السياسي اللبناني، وبات سلوكاً يومياً ينتهجه من هم في مواقع السلطة. عنصرية مقيتة تسود في ظل غياب العدالة والمواطنة المتساوية.
جمهورية منهارة، لأنّ المناضلين الشرفاء مُستبعدون عن مراكز القرار، وذلك بإشراف ساسة الأمر الواقع ورجال الدين، مسيحيين ومسلمين. جمهورية تُقصي الشرفاء وتُهمّش الكفاءات، وتفتح أبواب المراكز الرسمية أمام المنتفعين و”اللصوص” والفاسدين، وأصحاب الوساطات والولاءات، ليتصدّروا المشهد.
جمهورية منهارة بسبب مكافأة الخونة والعملاء والمأجورين والميليشيات المسلحة والمطبّلين والمتحوّلين أصحاب المصالح الخاصة. جمهورية تُحارب المخلصين للوطن، والذين ضحّوا لأجل سيادة الجمهورية. جمهورية منهارة في ظل عدالة تحوّلت إلى سلعة تُباع في أسواق المصالح والولاءات. جمهوريتنا لا يهزمها صاروخ من هنا وهناك، بل تهزمها عمالة مسؤول.
جمهورية منهارة، وشعب رازح في ظل تكفّف الناس في دور العبادة (مسيحية وإسلامية)، حيث ينحرف المؤمنون وتُسمّم أفكارهم بخطب ووعظات لم تعد تتكيّف مع واقعهم وأمورهم الحياتية، ولا يجدون فيها ما يعينهم على مواجهة تحدياتهم. فتنصرف بهم هذه الخطابات عن بناء حاضرهم والتخطيط لمستقبلهم، ليصبحوا مشرّدين في كل لبنان وفي عالم الانتشار.
جمهورية منهارة، وشعب رازح تحت وطأة التهديد، لأنّ قسماً من اللبنانيين لا يزال أسير أفكار متطرفة تحفر قبوره وتستنطق عظامه، وتدفعه إلى المضي في مسار الدمار والتشريد والقتل. جمهورية لبنانية منهارة في مراكز قوتها وأمنها ووحدتها وهويتها، يُحاصر فيها الشعب اللبناني ويُدمَّر الاقتصاد، وقد أضحت رهينة لا حول لها ولا قوة.
جمهورية منهارة، وشعب رازح تحت وطأة التهديد، لأنّ زعماء السياسة أوصلوا البلاد إلى ذروة الذل والإحباط واليأس والجوع والعوز. شعب يتقاتل ويُقتل تحت وقع صواريخ تضرب أرضه، ومن أرضه تُطلق صواريخ تُصيب الآمنين في بيوتهم ومراكز أعمالهم.
جمهورية يتقاذف مسؤولوها التهم بالتقصير والعمالة، وتسري أخبار عن اتفاقات جانبية، كان آخرها التمديد للمجلس النيابي، وهو فعل يُعدّ ضرباً لقواعد الديمقراطية ومؤامرة فاضحة لم تُحرّك ساكناً لدى المراجع الدينية، بل مرّت وتُغاضي عنها في خطب الجمعة وعظات الأحد. في المقابل، تكثُر النصائح والمواقف تحت شعار حماية هذه المرجعية أو تلك، تحت مسمّى “الواجب الديني”.
جمهورية منهارة تحوّل مواطنوها إلى مشاريع مهاجرين منكوبين، وتتحوّل مراكز القرار السياسية والروحية إلى محطات سفر، والقرى التي دمّرتها آلة الحرب والعمالة إلى حقائب، والبيوت إلى ذكريات، والذكريات إلى حكايات. جمهورية قائمة على عصبيات ضيّقة، طائفية ومذهبية وعشائرية وميليشياوية، لا يمكن أن تستمر مهما حاول أيّ كان.
الجمهورية اللبنانية في حالتها الراهنة تحصد ما زرعه ساسة الأمر الواقع، والمنطق العلمي القانوني–الدستوري يؤكد أنّ هذه الجمهورية المنكوبة لا يمكن أن تنهض مجدداً إلا بنظام حكم حديث، وبعقلية الدولة حصراً، لا بعقلية العمالة والتكيّف والاستسلام والمهادنة القائمة اليوم.
الحلّ لهذه الجمهورية المنكوبة لا يكمن في استئصال طرف والإبقاء على آخر، بل في تحقيق مشروع إنقاذي لبناني–إقليمي–دولي، بحيث يُحال كل من حكموا لبنان في السنوات الماضية إلى القضاء اللبناني النزيه غير الملتبس. وفي حال تحقق هذا الأمر، يكون ذلك بداية طريق الإنقاذ.
كي لا تبقى الجمهورية في حالة انهيار، والشعب رازحاً تحت وطأة العمالة، يجب أن يتوافر العزم والإرادة الصلبة لدى النخب الفكرية المستقلة. فالسكوت عن نظام قائم على العمالة والطائفية والمذهبية بات أمراً مرفوضاً، وكل من يحاول—من رجال دين أو ساسة—دعم هذه التركيبة السياسية، إنما يساهم في دفع البلاد نحو انزلاق خطير يهدد ما تبقّى من مؤسسات ودولة وشعب.
وكمركز أبحاث (المركز الدولي للأبحاث السياسية والاقتصاد – PEAC)، فإنّ واقع الجمهورية المنهارة يعود إلى الالتباس الحاصل نتيجة غياب الضبط المعرفي للعديد من المفاهيم الأساسية، التي غالباً ما تُستخدم وتُوظَّف بشكل عشوائي.
وعليه، فقد تم اتخاذ القرار بحكمة وجرأة للعمل على إعادة الاعتبار إلى الجمهورية وأصالتها وحضورها، رفضاً لاستمرار هذا الواقع المنهار، ورفضاً لبقاء الشعب اللبناني رازحاً تحت وطأة عمالة رجال السياسة وضعف رجال الدين.

بسام ضو
كاتب وباحث سياسي – أمين سر المركز الدولي للأبحاث السياسية والإقتصادية PEAC
