انهيار الدولة يبدأ من ازدواجية السلاح

يعتبر علم السياسة والعسكر أن الفوضى الميليشياوية وانتشارها غير النظامي من أخطر الظواهر التي تهدّد استقرار أي دولة تحتضنها، إذ إن خطرها يؤدي إلى تقويض السلطات المحلية ويهدّد السلم الأهلي والإقليمي والدولي. نحن اليوم أمام صراع قاتل للهوية اللبنانية وللجغرافيا اللبنانية، وتتفاقم حدّة الأزمة على أرضنا بعدما بلغ الصراع مستوى غير مسبوق، حيث بات الجيش الإسرائيلي في عمق الأراضي الجنوبية، وذلك بعد فشل النظام السياسي طوال سنة في كبح جماح حزب الله وتعدّيه على السيادة الوطنية وعلى الحدود بين الدولتين اللبنانية والإسرائيلية.

على ما يبدو، تتجه الأمور نحو مزيد من التعقيد في ظل استمرار الاصطفافات والتجاذبات المحلية من قبل حزب الله وراعيه الإيراني، والإقليمية من قبل دولة إسرائيل، والدولية من قبل الولايات المتحدة الأميركية. وما يؤجّج هذا الصراع خطب مسؤولي الحزب ضد رئاستي الجمهورية والحكومة، معتقدين أنهم قادرون على الانتصار على الدولة ومنع المسؤولين من إجراء أي حوار من شأنه إيقاف هذه الحرب.

جاءت هذه الحرب في ظل عدم قدرة الدولة اللبنانية، ممثّلةً بالعهد الحالي، على منع حزب الله من الارتهان لإيران، كما أن النظام السياسي الحالي لم يستطع تجاوز مرحلة ما بعد القرارات التي اتُّخذت في مجلس الوزراء، والتي اعتبرت حزب الله منظمة عسكرية غير شرعية. كذلك، فشل النظام السياسي طوال الفترة السابقة في نشر الجيش اللبناني في الجنوب والتفتيش عن الأسلحة ومصادرتها وفقاً للأصول، فضلاً عن تراجع الدولة أمام هيمنة الحزب على مراكز القرار فيها.

إن تمادي حزب الله في خرق الدستور وقانون الدفاع الوطني والتطاول على المسؤولين اللبنانيين بات أمراً غير مقبول، فقد بلغت الوقاحة حدّ نعت رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وكل من لا يجاريه بـ”الخيانة والعمالة”. إن هذه الأفعال (التطاول على المسؤولين) تُعد جريمة جزائية في معظم النظم القانونية، وبالتأكيد ينظر إليها القانون على أنها اعتداء على هيبة الدولة وكرامة الوظيفة العامة أثناء تأدية الواجبات الدستورية. ومن هذا المنطلق القانوني، فإن القضاء قادر على الادعاء على كل من يوجّه الشتائم وفق ما ينص عليه القانون اللبناني، كما أن الفقه القانوني يجرّم أي إساءة أو تعرّض لرئيس الدولة، وكذلك التعرض للمسؤولين الرسميين، باعتبارها جرائم جزائية تجعل الفاعل عرضة للملاحقة، إما بدعوى من المسؤولين أنفسهم أو تلقائياً من النيابة العامة.

إن النظام السياسي اللبناني، في ظل التصعيد العسكري والمساعي العربية والدولية، يواجه اختباراً حاسماً ومصيرياً لسيادة الدولة اللبنانية وسلطتها الحالية المتمثلة بالرئاسات الشرعية، وقدرتها على ضبط الوضع خلال الأيام العشرة المحددة من قبل الوسطاء العرب والدوليين. ويأتي هذا التحدي الكبير بعد قيام حزب الله بتحريك جبهة الجنوب، مما وضع مؤسسات الدولة، في فترة زمنية قصيرة، أمام مسؤولية تاريخية لمنع انزلاق البلاد نحو فوضى أمنية عسكرية قد تطيح بكل مكوّنات الدولة.

الخطر اليوم يكمن في التصرفات غير المحسوبة للحزب، في وقت باتت فيه إسرائيل تحتل أكثر من 500 كلم²، فيما يدّعي الحزب، الفاقدة لأي حس وطني أو شرعي، تحقيق “انتصار” وهمي، رغم حجم القرى المدمّرة والضحايا والمهجّرين. أي منطق يمكن أن يبرّر مثل هذا الادعاء في ظل هذه الخسائر الفادحة في الأرواح والممتلكات واحتلال الأرض؟

وعلى من يتبجّح اليوم ويستند إلى نص وثيقة الوفاق الوطني، التي نصّت بوضوح على حل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم أسلحتها للدولة، أن يتذكّر أن السلاح غير الشرعي يشكّل ازدواجية في القرار الأمني والعسكري، ويتناقض مع مضمون قانون الدفاع الوطني. كما أن هذا السلاح أضعف قدرة الدولة على بسط سيادتها الكاملة، وجعل لبنان عرضة للاهتزازات الأمنية، خصوصاً في ظل الأزمة الحالية. ويرجع ذلك إلى تراخي المسؤولين الذين تعاقبوا على السلطة منذ التسعينيات، مروراً بعام 2005، وحتى اليوم.

إن مواجهة خطر بقاء حزب الله بعد انقضاء فترة الأيام العشرة ليست مجرد مسألة سياسية أو أمنية عابرة، بل هي معركة وجودية يجب أن يقودها النظام السياسي اللبناني، برعاية محلية وعربية ودولية، لاستعادة السيادة التامة والناجزة، وتطبيق خطاب القسم والبيان الوزاري، واسترجاع هيبة الدولة.

هذا التحدي خلال الأيام العشرة يتطلب تكاتفاً على المستويات الداخلية والإقليمية والدولية، مستفيداً من الدعم القائم في مواجهة حزب الله، ومحاولاته، بدعم من بعض القوى السياسية اللبنانية المعروفة، تحويل لبنان إلى صندوق بريد لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.

وللبحث صلة.

مقالات الكاتب

بسام ضو

كاتب وباحث سياسي – أمين سر المركز الدولي للأبحاث السياسية والإقتصادية PEAC