خمسة أيام على حافة الانفجار: هدنة تؤجّل الكارثة أم تجهّز لها؟

تتجاوز مهلة الأيام الخمسة التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب إطارها الزمني الضيق، لتتحول إلى مفصل استراتيجي قد يعيد رسم قواعد الاشتباك في المنطقة بأسرها. فالمعادلة لم تعد محصورة بين واشنطن وتل أبيب من جهة وطهران من جهة ثانية، بل تمدّدت لتشمل دول الخليج أيضاً، في شبكة مترابطة ومعقدة من التهديدات المتبادلة، حيث يكفي خلل واحد في التوازن لإشعال سلسلة انفجارات متتالية.

التحول الأخطر في هذا المشهد يتمثل في انتقال التهديد الإيراني إلى مستوى جديد: «استهداف البنية التحتية لدول الخليج». هذا التهديد الذي يُعتبر، إضافة إلى كونه تصعيداً إعلامياً، جزءاً من عقيدة ردع قائمة على توسيع «ساحات الألم» لحلفاء أميركا. بمعنى آخر، إذا تعرضت إيران لضربات تمس عمقها الاقتصادي، وخصوصاً منشآت الطاقة، فإن الرد لن يكون محصوراً في مصدر الهجوم، بل سيمتد إلى كل من يُعتبر شريكاً أو غطاءً له.

هنا، يدخل الخليج في قلب المعادلة. دول مثل السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر والكويت والبحرين وغيرها، لم تعد مجرّد أطراف مراقبة، بل تحوّلت إلى أهداف محتملة في حال قرّرت طهران تنفيذ تهديداتها. والسيناريو هنا ليس افتراضياً بالكامل، إذ سبق أن ظهرت هجمات على منشآت الطاقة في دول الخليج خلال الصراع الدائر حالياً، وقد تبيّن ضعف الردع الأمني فيها أمام الضربات الدقيقة وغير التقليدية.

هذا السيناريو يجعل التداعيات المحتملة على الخليج متعددة، منها:

  • صدمة الطاقة العالمية: أي استهداف واسع لمنشآت النفط أو الغاز في الخليج سيؤدي فوراً إلى اضطراب الإمدادات وارتفاع حاد في الأسعار، ما ينعكس على الاقتصاد العالمي بأسره. الخليج ليس مجرد منتج للطاقة، بل هو «صمام استقرار» للأسواق، وضَربه يعني إدخال العالم في موجة تضخم جديدة قد تكون أعنف من سابقاتها.
  • تآكل الثقة الأمنية: بنت دول الخليج استراتيجياتها الدفاعية على شراكاتها مع الولايات المتحدة، لكن أي هجوم إيراني ناجح حتى ولو كان محدوداً، سيطرح تساؤلات جديّة حول فعاليّة هذه المظلة. فهل تستطيع واشنطن فعلاً حماية حلفائها؟ أم أن قواعد الردع التقليديّة لم تعد كافية أمام تكتيكات الحرب غير المتكافئة؟
  • إعادة تموضع سياسي: في حال تصاعد التهديد، فقد تتجه بعض دول الخليج إلى خفض التوتر مع إيران عبر قنوات خلفية، بينما قد تختار دول أخرى التصعيد والتموضع بشكل أوضح ضمن المحور الأميركي – الإسرائيلي. هذا التباين قد يخلق انقساماً داخل البيت الخليجي نفسه، ويضعف من تماسكه الاستراتيجي.
  • انزلاق نحو حرب متعددة الجبهات: إذا نُفذ تهديد استهداف الخليج، فإن الرد لن يكون خليجياً فقط، بل قد يتدحرج إلى مواجهة أوسع تشارك فيها الولايات المتحدة بشكل مباشر، مع احتمال انخراط إسرائيل في عمليات موازية، ما يفتح الباب أمام حرب إقليمية شاملة.

تبدو مهلة ترامب في ظاهرها محاولة لاحتواء هذا السيناريو الكارثي، عبر وقف استهداف البنية التحتيّة وخلق مساحة لالتقاط الأنفاس. لكنها في العمق تحمل وجهاً آخر: إنها رسالة مزدوجة إلى إيران والخليج معاً. لإيران بأن الفرصة لا تزال قائمة لتجنب التصعيد، أما للخليج فـ«استعدوا لكافة الاحتمالات».

إذا التزمت واشنطن فعلاً بوقف الضربات، فقد يؤدي ذلك إلى تخفيف الضغط عن إيران، وبالتالي عدم تنفيذها لتهديداتها ضد الخليج. لكن المشكلة أن هذا الالتزام حتى لو حصل، لا يضمن سلوك باقي الأطراف، خاصة إسرائيل، التي قد ترى في أي تهدئة فرصة لإعادة ترتيب أولوياتها العسكرية دون التخلي عن خيار الضربات الهجومية الموجعة.

ماذا بالنسبة إلى لبنان؟  إن أي تصعيد في الخليج سينعكس عليه فوراً وبشكل غير مباشر. فحزب الله، كجزء من محور إقليمي تقوده إيران، قد يجد نفسه أمام معادلة جديدة: هل يفتح الجبهة دعماً لطهران؟ أم يحافظ على مستوى اشتباك منخفض لتجنب تدمير شامل في الداخل اللبناني؟

إذا توسعت المواجهة لتشمل الخليج، فإن احتمال «توحيد الجبهات» لن يرتفع على الإطلاق، ما يعني أن لبنان قد يبقى ساحة مواجهة فعليّة. أما إذا بقي التصعيد مضبوطاً، فستستمر الجبهة الجنوبية في نمطها الحالي.

المنطقة اليوم لا تقف أمام خياري الحرب أو السلام، بل أمام طيف واسع من السيناريوهات الضبابيّة، حيث يمكن أن تتعايش التهدئة المؤقتة مع تهديدات وجوديّة في آن واحد. مهلة الأيام الخمسة قد تؤجل الانفجار، لكنها لا تلغيه. وتهديد إيران بضرب البنية التحتية الخليجية ليس مجرّد ورقة ضغط، بل إعلان واضح أن أي حرب مقبلة لن تبقى محصورة في جغرافيا واحدة. وعليه، يصبح الخليج الحلقة الأكثر حساسية، حيث أن ضربة واحدة فيه قد تغيّر قواعد اللعبة بالكامل، وتحوّل صراعاً إقليمياً مضبوطاً إلى أزمة عالمية مفتوحة.

أما السؤال الذي يفرض نفسه بقوة فهو: هل تُستخدم الأيام الخمسة لإطفاء فتيل الانفجار … أم لضبط توقيته فقط؟

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.