هل يتحول شرق دونباس إلى برلين الغربية؟

تُظهر الحرب المستمرة في شرق أوكرانيا الحاجة الملحّة إلى تبنّي المجتمع الدولي حلولًا غير تقليدية للتعامل مع الأزمة. فمنذ اندلاع النزاع، برزت عوائق عديدة تقف دون الوصول إلى تسوية سياسية كلاسيكية، نتيجة التعقيدات السياسية والعسكرية المتشابكة التي تُحيط بالمشهد.

وفي هذا السياق، قدّم الجنرال والسياسي الجمهوري جوزيف كيث كيلوج، المبعوث السابق للرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى روسيا وأوكرانيا، طرحًا غير تقليدي يقوم على تقاسم النفوذ على أجزاء من الأراضي الأوكرانية بين الأطراف المعنية. يستلهم هذا الطرح جزئيًا تجربة برلين الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، من خلال الدعوة إلى إنشاء مناطق نفوذ متعددة تُدار بشكل مشترك أو تحت إشراف دولي، مع التركيز على ضمان الاستقرار ومنع الانزلاق نحو مواجهات عسكرية أوسع.

فشل محاولات السلام التقليدية

قد يفتح هذا النموذج الجريء الباب أمام مقاربات مبتكرة في وقت تُمنى فيه محاولات السلام التقليدية بفشل متكرر، إذ لم تُفضِ المبادرات الدبلوماسية السابقة إلّا إلى مزيد من الجمود والتصلّب في المواقف. يشير الاقتراح إلى إمكانية إعادة رسم خريطة التوازنات في مناطق النزاع، بما يسمح لكل طرف بالحفاظ على جزء من مصالحه الاستراتيجية، دون الانزلاق إلى حرب شاملة.

غير أن هذا الطرح، رغم جرأته النظريّة، مرشّح لمواجهة رفض واسع من الأطراف ذات الصلة. فهو ينص على نشر قوات مشتركة من أوروبا والولايات المتحدة وروسيا في مناطق مختلفة من أوكرانيا، وهو ما تعتبره كييف مساسًا مباشرًا بسيادتها، فيما ترى فيه دول أوروبية تهديدًا لثوابت الأمن القاري.

واقعية التطبيق… مؤجلة؟

على المدى القريب، قد يبقى هذا الاقتراح أقرب إلى رؤية نظرية منه إلى خطة قابلة للتطبيق، بفعل التباين العميق في المصالح والتوازنات. ومع ذلك، يراه بعض المراقبين مقاربة مستقبلية محتملة في حال وصلت الأطراف إلى مرحلة الإنهاك الاستراتيجي التي تدفع الجميع نحو تسوية تُنهي ما يُوصف بـ “الحرب الباردة الثانية” بين روسيا والغرب.

ملامح الأزمة في دونباس

لا تقتصر أهمية الأزمة على أوكرانيا وحدها، بل تشمل عموم المنطقة الشرقية، حيث تبدو الحلول غير التقليدية أكثر قابلية للطرح في ظل التعقيدات القائمة. وفي حالة دونباس، قد لا تكون هذه المقاربة بعيدة عن الواقع كما يظن البعض. فعند استحضار تجربة برلين الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، نلحظ كيف جرى تقسيم المدينة إلى مناطق نفوذ خاضعة لسلطات مختلفة من القوى المنتصرة، مع خطوط فاصلة واضحة بين منظومتين اقتصاديتين وسياسيتين متعارضتين، ما أسفر لاحقًا عن تشييد جدار عازل بين الشرق والغرب.

وفي السياق ذاته، أعلن المبعوث الأميركي الخاص لدى أوكرانيا عن اجتماع مرتقب في لندن يضم ممثلين عن الولايات المتحدة وأوكرانيا ودول أوروبية، لبحث سبل تثبيت الهدنة التي أعلنتها روسيا من جانب واحد خلال فترة عيد الفصح، وذلك في أعقاب إخفاق القوات الروسية في تحقيق مكاسب ميدانية إضافية في المدن الأوكرانية القريبة من مناطق سيطرتها شرقًا، مثل خاركيف وسومي ودنيبروبتروفسك.

من جهة أخرى، أشار المبعوث إلى تصريحات وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الذي ألمح إلى أن واشنطن قد تتراجع عن دور الوساطة إذا لم يتم إحراز تقدم ملموس قريبًا، ما يعكس تعقّد المشهد الدولي المرتبط بالملف الأوكراني، ويبرز حجم التحديات التي تعترض الجهود الدبلوماسية في ظل تضارب مصالح القوى الكبرى.

طريق مسدود في حلّ الصراع

يبدو أن الوضع في دونباس يُعيد إلى الأذهان ملامح التوتر الذي ساد برلين الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، حيث تتجسد درجة عالية من الاستقطاب بين الأطراف المتصارعة، ويستمر تعثر المساعي الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي مستدام. فالكراهية المتبادلة وتصلّب المواقف يحولان دون أي تقدم فعلي، رغم التوصل إلى هدن موضعية بين الحين والآخر.

ويصرّ كل طرف على امتلاك الحق الكامل في الأراضي المتنازع عليها، ما يجعل سكان تلك المناطق يعيشون في حالة اغتراب مزمن، أشبه بما يمكن تسميته بـ “مجتمعات الظل”، على غرار ما شهدته شمال قبرص أو الصحراء الغربية. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل سيظل الصراع أسير الجمود المفتوح، أم أن ثمة منفذًا واقعيًا للخروج من هذا المأزق؟

في مثل هذه النزاعات، يظل الأمل قائمًا في قدرة الإرادة السياسية والإنسانية على ابتكار مخارج حتى في أكثر السياقات تعقيدًا، وإن بدا ذلك بعيدًا في المدى المنظور.

دروس من برلين بعد الحرب العالمية الثانية

بعد الحرب العالمية الثانية، برز في السياسة الدولية مفهوم «الوضع الفريد» الذي حازته برلين الغربية، وهو ما قد يقدّم دروسًا قابلة للاستخدام في سياقات نزاعية أخرى، مثل الأزمة الروسية–الأوكرانية. ورغم اختلاف الظروف التاريخية والجيوسياسية بين الحالتين، فإن التجربة البرلينية تظل مثالًا على الحلول غير التقليدية في مواجهة الأزمات المعقدة.

في السياق الأوكراني، يطرح احتمال انسحاب الولايات المتحدة من مسار الوساطة الروسية–الأوكرانية نفسه بقوّة، بعد أن خاب أمل واشنطن في التزام الرئيس فلاديمير بوتين بالهدنة التي شكّلت جزءًا من خطة لوقف الحرب والتأسيس لمفاوضات سلام. ويعكس هذا التطور طبيعة المأزق الذي ينشأ حين تفشل القوى الكبرى في بلورة تسوية مقبولة لجميع الأطراف.

أما في حالة برلين الغربية بعد الحرب، فقد تم التوصل إلى حل غير تقليدي عبر مسار قانوني–دبلوماسي شارك فيه خبراء في القانون الدولي، حيث جرى تحديد الوضع القانوني للمدينة وفق صيغة تتلاءم مع موازين القوى السياسية والعسكرية آنذاك. لم تتحول برلين الغربية إلى دولة مستقلة أو مدينة حرة بمعناها القانوني الكامل، لكنها حازت على صفة «الوضع الفريد» التي اعترفت بها الجمعية العامة للأمم المتحدة، ما سمح لها بالعمل خارج الهيمنة المباشرة لكل من ألمانيا الشرقية (جمهورية ألمانيا الديمقراطية) وألمانيا الغربية، رغم ارتباطها الواقعي بهما.

مثّل هذا الوضع الفريد تسوية سياسية–قانونية وسطى خلال حقبة الحرب الباردة، إذ أتاح لبرلين الغربية أن تكون كيانًا جغرافيًا وسياسيًا مستقلًا نسبيًا، معترفًا به دوليًا، ومندمجًا في شبكة العلاقات الدولية الكبرى دون أن يكون جزءًا صريحًا من أحد المعسكرين المتنافسين.

إمكان تطبيق النموذج ذاته في شرق أوكرانيا؟

يمكن النظر إلى وضع المناطق المتنازع عليها في شرق أوكرانيا بوصفه حالة قد تُطرح فيها إمكانية استلهام النموذج الذي طُبِّق على برلين الغربية بعد الحرب العالمية الثانية. فقد يُمنح الإقليم وضعًا قانونيًا خاصًا، يُقارب ما يمكن وصفه بـ «كيان ذي وضع فريد»، في سياق ما بات يشبه حربًا عالمية ثالثة غير مكتملة. غير أنّ هذا الطرح، رغم جرأته، يبقى محاطًا بإشكالات سياسية وقانونية شديدة التعقيد.

إنّ القبول بنموذج غير مثالي — أو ما يمكن وصفه بـ «العالم الناقص» — قد يبدو، في بعض الأحيان، أقلّ كلفة من الانزلاق نحو مواجهة شاملة أو حرب دولية واسعة. فهناك من يرى أنّ سياسة التوازن على حافة الهاوية، رغم مخاطرها، تظل خيارًا واقعيًا لتفادي انهيار شامل أو تصعيد لا يمكن السيطرة عليه.

وفي هذا السياق، قد تبدو الحلول غير التقليدية أكثر قابلية للتطبيق على المدى الطويل، حتى إن لم تقدّم حلًّا نهائيًا أو كاملاً. فهي على الأقل تقدّم هامش استقرار نسبي، وتخفّض احتمالات الانفجار العسكري الواسع.

بالرغم من تعقيدات المشهد في شرق أوكرانيا وتشابك المصالح الإقليمية والدولية، فإن النظر في نموذج «الوضع الفريد» المستوحى من تجربة برلين الغربية قد يفتح أفقًا دبلوماسيًا جديدًا، ولو بحدوده الدنيا. إلا أنّ تطبيقه يتطلب تعديلًا عميقًا يأخذ في الاعتبار خصوصية الهوية، والسكّان، وموازين القوة، وطبيعة الصراع في دونباس.

إن فكرة تقسيم السيطرة أو إقرار وضع قانوني خاص لن تمرّ دون اعتراضات واسعة، لكنها — في لحظة جيوسياسية حرجة — قد تمثل خيارًا أقلّ سوءًا من استمرار دوامة العنف. فاستدامة الحرب ستعني مزيدًا من التدمير والتهجير والعبء الإنساني والسياسي على جميع الأطراف.

من هنا، قد يصبح الحلّ الوسط غير المثالي هو المسار الواقعي الوحيد لتجنّب الأسوأ، حتى وإن كان مؤقتًا أو هشًّا. فالتسويات في النزاعات الكبرى لا تُبنى على الشعارات أو المبادئ المجردة وحدها، بل على القدرة على إدارة الواقع كما هو، لا كما ينبغي أن يكون.

وفي عالم يزداد تعقيدًا وتشابكًا، قد يكون الحلّ الناقص، ولكن الممكن، هو الطريق الوحيد للحفاظ على الأرواح ومنع انزلاق المنطقة نحو سيناريوهات أكثر كارثية.

مقالات الكاتب

د. خالد العزي

كاتب ومحلل سياسي لبناني مختص في العلاقات الدولية والشؤون الإقليمية. يُعرف بآرائه النقدية والتحليلية. يظهر الدكتور العزي اهتمامه بالقضايا السياسية اللبنانية والإقليمية، وتحليله للأحداث من منظور العلاقات الدولية.