حرب إيران: نقطة حرجة وخيارات ثلاثة

عن الصحافة الغربية

بعد مرور ثلاثة أشهر، بلغت الحرب في إيران نقطة حرجة. لقد أصبح الصراع نفسه، إلى حدّ ما، في حالة جمود. فما زال الحرس الثوري ممسكاً بزمام السيطرة، ولا يبدو أنه تعرّض لإضعاف كبير كقوة قتالية. أما إسرائيل، فيبدو أنها خفّضت عملياتها في إيران، وتصب تركيزها الآن على قتال “حزب الله” في لبنان. بدوره، لا يزال مضيق هرمز مغلقاً عملياً، مع السماح ببعض حركة السفن من جانب إيران والولايات المتحدة، إذ إن كلاً منهما في موقع يمكّنه من عرقلة المضيق، لا من فتحه وتأمينه. وقد فشلت مفاوضات السلام حتى الآن هي الأخرى. فالولايات المتحدة تريد من إيران أن تسلّم موادها النووية وأن تفتح المضيق؛ وهي لم تفعل أياً من الأمرين. باختصار، لم يُلحق أيّ من الطرفين بالآخر ضرراً كافياً لإجباره على الاستسلام.

من هذه النقطة، يمكن أن تسلك الحرب واحداً من ثلاثة مسارات: أن يشلّ أحد الطرفين قدرة الطرف الآخر؛ أو أن يتم التوصل إلى اتفاق سلام؛ أو أن تتحول إلى واحدة من تلك الحروب الدائمة، التي تستمر سنوات طويلة من دون أن يكون أي طرف راغباً أو قادراً على إنهائها.

السؤال، إذاً، هو ما إذا كانت الولايات المتحدة راغبة أو قادرة على شنّ هجوم يشلّ الحرس الثوري. والوجه الآخر لهذا السؤال هو ما إذا كانت إيران تعتقد أنها قادرة على الصمود أمام هجوم كهذا. وبما أن طهران لم تستسلم بعد، فهي على الأرجح تعتقد أنها قادرة على ذلك.

لذلك، وقبل أن تقرر الولايات المتحدة خطواتها التالية، عليها أن تحدد ما إذا كانت تملك القدرة العسكرية على شنّ هجوم كاسح يشلّ الطرف الآخر، وما إذا كانت تملك الرصيد السياسي اللازم لإنفاقه على هجوم كهذا. فالدعم للحرب في الولايات المتحدة محدود، ولا سيما بسبب موقف الرئيس دونالد ترامب السابق الذي كان يعارض الحروب في نصف الكرة الشرقي. كما يبقى سؤالاً مفتوحاً ما إذا كان مثل هذا الهجوم سيؤدي إلى تعبئة الجمهورية الإسلامية في مواجهة الولايات المتحدة. حتى الآن، يبدو أن الحرس الثوري يمسك بزمام السيطرة داخل إيران، ولا توجد مؤشرات واضحة داخل البلاد على نشوء حركة مناهضة للحرب. ولا ينبغي استبعاد ضغط طرف ثالث؛ فارتفاع أسعار النفط وما قد يترتب عليه من آثار متسلسلة على أسعار الغذاء والتضخم قد يدفع دولة أخرى إلى حثّ أحد طرفي الحرب على القيام بفعل ما، أو على الامتناع عن الفعل. لكن إذا كان مثل هذا الطرف الثالث موجوداً حالياً، فمن الواضح أنه لم يمارس ضغطاً كافياً لإحداث فرق.

لذلك، بالنسبة إليّ، يعني الأمر أن لا الولايات المتحدة ولا إيران مستعدتان لتغيير مطالبهما من أجل التوصل إلى اتفاق، وأن لا أحد آخر راغب أو قادر على إجبارهما على الجلوس إلى الطاولة. فإيران لا تستطيع تقديم تنازلات من دون أن تبدو ضعيفة، وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تملك هامشاً أوسع للمناورة، إلا أنها لا تملك بعد سبباً يدفعها إلى ذلك.

وعليه، فإن الحل الأكثر وضوحاً يتمثل في حشد أميركي ضخم للقوات من أجل ترهيب إيران. وإذا لم تنجح عملية الترهيب، فعندها تطلق واشنطن غزواً، وتدمّر الحرس الثوري، وتفرض السلام.

بصرف النظر عن الاعتبارات السياسية الداخلية، هناك مشكلتان تعترضان هذا النهج. أولاً، لدى واشنطن سجلّ ضعيف في غزو الدول لفرض أهدافها. وثانياً، فإن الحرس الثوري ليس خصماً سهلاً. فهو سيدافع عن وطنه وعن أيديولوجيته، ولذلك لا توجد أي ضمانة بأن الولايات المتحدة قادرة على هزيمة إيران عسكرياً.

بالنظر إلى ما جرى في أوكرانيا، بات واضحاً أن طبيعة الحرب تغيّرت بحيث أصبحت الطائرات المسيّرة والصواريخ قادرة بسهولة على شلّ الهجمات البرية التقليدية. ولا تمتلك إيران القدرات المطلوبة من الاستخبارات الفضائية لتحديد الأهداف، رغم أنها قد تحصل على قدر مماثل من هذه المعلومات من دول أخرى. ثم في الوقت نفسه، فإن انتشار القوات البرية التابعة للحرس الثوري وتوزّعها يجعل من الصعب على القوات الأميركية استهداف الأخير أيضاً.

البديل، إذاً، سيكون شنّ هجمات جوية مكثفة لتدمير قدرة إيران على تصنيع الطائرات المسيّرة، والسيطرة على محيط البلاد لمنع دول أخرى، ولا سيما روسيا، من إرسال طائرات مسيّرة خاصة بها دعماً لإيران. وهذا يتطلب عزل إيران قبل إطلاق الهجوم الرئيسي. عملية العزل وحدها ستكون صعبة، وستتطلب قوة عسكرية هائلة حتى قبل أن يبدأ الغزو. وفي الأثناء، سيؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى إضعاف الاقتصادات حول العالم، بما فيها الاقتصاد الأميركي، ما سيقلل من شعبية ترامب ويضعف قبضته على الأمور.

أما الخيار الآخر، فيتمثل في نشر أميركي هائل للغاية للطائرات المسيّرة، بالتزامن مع هجمات جوية وبرية واسعة النطاق لشلّ الجيش الإيراني. لقد أضعفت القاذفات المأهولة في الحرب العالمية الثانية وفي فيتنام العدو، لكنها لم تكسره. أما الآن، فإن القنابل تنقل نفسها إلى أهدافها، غير أن مناطق الفتك التي تحدثها الأسلحة التقليدية تبقى محدودة، كما أن عدد الطائرات المسيّرة والصواريخ المطلوبة لكسر إيران سيكون هائلاً.

لا يتمحور سؤال الحرب حول ما إذا كان ينبغي خوضها، بل ما إذا كان يمكن خوضها بالكلفة التي تستطيع الأمة تحمّلها وتكون مستعدة لدفعها. هنا، لا يبدو أن الحرب في إيران تستوفي هذه المعايير. ومع ذلك، فإننا بإزاء لحظة حرجة. فسواء كان تحليلي صائباً أم لا، يبدو أن إيران ستترك للولايات المتحدة قرار تصعيد الحرب. وإذا فعلت واشنطن ذلك، فسيصبّ الأمر في مصلحة طهران. إذ ستدوم الحرب طويلاً، والحرب الطويلة لن تضرّ بترامب داخلياً فحسب، بل ستضرّ أيضاً بالعالم اقتصادياً، على الأقل ما دام مضيق هرمز مغلقاً.

ليس واضحاً بالنسبة إليّ ما الذي سيقرره ترامب؛ لكن كل قرار يحمل في طياته خطراً ومخاطر سياسية واقتصادية. فالتحليل الجيوسياسي لا يتنبأ بكيفية انتهاء الحرب، لكنه يتنبأ بأن الولايات المتحدة تحتاج إلى إنهاء هذه الحرب. أما مسألة القدرات النووية الإيرانية، فيمكن معالجتها لاحقاً.

ترجمة بتصرف عن موقع “Geopolitical Futures”

بقلم / جورج فريدمان

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.