مسألة شرعية السلطة هي من أقدم المسائل وأعمقها في الفلسفة السياسية، وتتعلق بالأساس الذي يمنح الحاكم أو النظام السياسي الحق في ممارسة الحكم، ويدفع الناس إلى طاعته طواعيةً.
وببساطة، تُعدّ الشرعية شرطاً أساسياً لاستقرار أي نظام حكم؛ فالسلطة من دونها تكون هشّة وعرضةً للانهيار.
مفهوم الشرعية ومصادرها
لفهم شرعية السلطة، لا بد من التمييز بين مفهومين أساسيين، واستكشاف المصادر التي تمنحها:
- الشرعية (لِجيتِماسي – Legitimacy): مفهوم سياسي واجتماعي يعبّر عن رضا الشعب وقبوله بالسلطة القائمة. إنها تعني أن للسلطة «حقاً» في ممارسة الحكم في نظر المحكومين، وتتحقق من خلال الإقناع والحوار المستمرَّين بين الحاكم والمحكومين.
- المشروعية (لِجاليتي – Legality): مفهوم قانوني صرف يعني خضوع السلطة للقانون، وممارستها صلاحياتها ضمن الحدود الدستورية والقانونية. فالسلطة المشروعة قانونياً قد لا تكون شرعيةً سياسياً إذا افتقدت قبول الشعب.
وتتنوّع مصادر الشرعية نفسها، ومن أشهر تصنيفاتها ما وضعه عالم الاجتماع ماكس فيبر:
- الشرعية التقليدية: تستند إلى الأعراف والتقاليد، مثل أنظمة الحكم الوراثي، حيث يخضع الناس للحاكم لأن هذا هو النمط المتّبع منذ زمن طويل.
- الشرعية الكاريزمية: تقوم على شخصية الحاكم نفسه، وجاذبيته الاستثنائية، وقدرته على حشد التأييد والإلهام، بصرف النظر عن القوانين أو التقاليد.
- الشرعية العقلانية–القانونية: هي المصدر الأكثر شيوعاً في الدول الحديثة، حيث تُستمد الشرعية من القوانين والإجراءات، وفي مقدمتها صناديق الاقتراع والانتخابات النزيهة التي تعبّر عن إرادة الشعب.
في الفكر اليهودي
يختلف مفهوم شرعية السلطة في الفكر اليهودي بصورة جذرية باختلاف العصور، لكنه يرتكز على ثنائية أساسية: السيادة الإلهية المطلقة في مقابل السلطة البشرية المؤقتة والمشروطة. وقد تطوّر هذا المفهوم عبر المراحل الآتية:
أولاً: المصدر الأسمى – السيادة الإلهية والعهد
المرجع النهائي للشرعية هو الرب الإله؛ فهو «الملك» الحقيقي لإسرائيل. والمقصود هنا ليس الكيان الإسرائيلي، بل شعب يعقوب، أي شعب الله المختار وفقاً للمعتقد اليهودي. وتنبع شرعية أي سلطة بشرية من كونها مفوّضة من الله، كما تستمد شرعيتها من الالتزام بـ«التوراة»، أي الشريعة. وهذا يعني أن الحاكم ليس صاحب سيادة مطلقة، بل هو خاضع لقانون أعلى منه.
ثانياً: شرعية الملك – بين الرفض والتقييد
كانت نشأة الملكية في إسرائيل القديمة مثيرةً للجدل، وكانت شرعيتها مشروطةً بعدد من القيود:
- الاختيار الإلهي: تأتي شرعية الملك من اختيار النبي له، كما في حالَي طالوت وداود.
- التقييد بالشريعة: يجب أن يلتزم الملك بتعاليم التوراة، ولا يملك سلطةً مطلقة.
- السلالة الداودية: ترسخت شرعية الحكم في سلالة النبي داود، وظل الانتساب إليها أو المطالبة بها معياراً للشرعية حتى العصر التلمودي.
ثالثاً: السلطة الحاخامية – ثورة في مفهوم الشرعية
بعد تدمير الهيكل في القدس وفقدان الملك، انتقلت الشرعية إلى الحاخامات، أي علماء الشريعة:
- سلطة تفسير النص: أصبحت شرعيتهم مستمدةً من قدرتهم على تفسير التوراة والتلمود وتطبيقهما.
- سلطة ديناميكية: لم تعد شرعيتهم جامدة، بل باتت تتجدد من خلال نشاطهم في تفسير النص، ما يخلق سلطةً «دائرية» تتغذى من التفسير، ويمنحها التفسير بدوره القدرة على الاستمرار.
رابعاً: سلطة «الجسم الغريب» – زمن النفي والشتات
واجه الفكر اليهودي هنا مفارقةً أساسية: كيف يمكن إضفاء الشرعية على حكم غير اليهودي؟ وقد جرت معالجة ذلك من خلال نزع الطابع المطلق والمقدّس عن السلطة:
- أصبحت سلطة الحاكم غير اليهودي «واقعيةً وقانونيةً»، فتُطاع في الأمور المدنية، لكنها تظل «خاليةً من القداسة».
- جرى الاعتراف بشرعيتها العملية حفاظاً على النظام، مع بقاء الالتزام الديني منفصلاً عنها.
خامساً: إشكاليات العصر الحديث – الكيان الإسرائيلي
أحدث قيام الكيان الإسرائيلي أزمة شرعية عميقة لا تزال مستمرة:
- الشرعية العلمانية: ترى أن شرعية الدولة تأتي من القانون الدولي وإرادة الشعب، وفقاً لمفهوم العقد الاجتماعي.
- الشرعية الدينية، ولا سيما الصهيونية الدينية: ترى في قيام الدولة تحقيقاً للنبوءات، وتستخدم مفهوم «أرض الميعاد» بوصفه تبريراً دينياً وسياسياً.
- الرفض الحريدي: ترفض تيارات يهودية متشددة، مثل «ناطوري كارتا»، شرعية الدولة لأنها أُقيمت بجهد بشري قبل مجيء المسيح المنتظر.
في الفكر المسيحي
تختلف نظرة الفكر المسيحي إلى شرعية السلطة باختلاف التفسيرات اللاهوتية والتطورات التاريخية، لكنها تشترك جميعها في جذر كتابي واحد، وهو أن كل سلطة مصدرها النهائي الله، مع وجود شروط أخلاقية وقانونية لممارستها. ويمكن تفصيل هذه النظرة في مستويين أساسيين: المبدأ اللاهوتي والتطبيق التاريخي.
المستوى الأول: المبدأ اللاهوتي – الأساس الكتابي
ينطلق الفكر المسيحي من نصوص محورية في العهد الجديد، وفي مقدمتها رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية، الإصحاح الثالث عشر، التي تؤسس لمبدأ أساسي: «ليس سلطان إلا من الله، والسلاطين الكائنة هي مرتبة من الله».
- الطاعة بوصفها واجباً دينياً: تُعدّ مقاومة السلطة، وفقاً لهذا التصور، مقاومةً لأمر الله.
- حدود الطاعة وشرط استمرارها: الطاعة مشروطة بعدم تعارض أوامر الحاكم مع أوامر الله. فعندما يصدر الحاكم أوامر تخالف شريعة الله، تجب طاعة الله لا الناس، كما ورد في سفر أعمال الرسل (5: 29).
المستوى الثاني: التطبيق عبر التاريخ – تطوّر الفكر
ارتكز الفلاسفة والمفكرون المسيحيون على هذا المبدأ، وطوّروه لمواجهة تحديات عصورهم:
- القديس أوغسطينوس، القرن الرابع: تقبّل شرعية الدولة الوثنية ما دامت تحافظ على النظام وتمنح الكنيسة حرية التبشير. ورأى أن وظيفة الدولة تتمثل في حفظ السلام الأرضي.
- توما الأكويني، القرن الثالث عشر: أكد أن السلطة من الله، لكنه وضع شرطاً أخلاقياً، وهو أنها لا تكون شرعيةً إلا إذا سعت إلى تحقيق «الخير العام»، أي المصلحة العامة. كما دعا إلى تقييد السلطة بقوانين تمنع الاستبداد، وميّز بين مصدر السلطة، الذي يعود إلى الله، وشكل الحكم، الذي يحدده الشعب.
الانقسامات الكبرى – تنوّع الرؤى
أحدث الإصلاح البروتستانتي في القرن السادس عشر شرخاً في الرؤية التي كانت تهيمن عليها الكنيسة الكاثوليكية:
- الرؤية الكاثوليكية: تطورت في اتجاه التأكيد أن السلطة الشرعية يجب أن تخضع لـ«التوازن» بين السلطات، وأن القانون هو الأساس، لا الإرادة الفردية.
- الرؤية اللوثرية: أكدت طاعة السلطة بوصفها واجباً دينياً، ما جعل الكنائس اللوثرية أكثر دعماً للسلطة السياسية القائمة.
- الرؤية الكالفينية: تضمنت بذور فكرة «مقاومة الطغيان»، إذ ترى وجوب مقاومة الحاكم إذا انحرف عن شريعة الله.
العصر الحديث: من «الشرعية الدينية» إلى «الشرعية المدنية»
تطوّر الفكر المسيحي مع مرور الزمن ليواكب الدولة الحديثة:
- الديمقراطية المسيحية: تيار سياسي ظهر في أوروبا، ويتبنى العلمانية السياسية، أي فصل الكنيسة عن الدولة، لكنه يسعى إلى تطبيق المبادئ الأخلاقية المسيحية في السياسة من خلال المشاركة الديمقراطية.
- المفهوم المعاصر: انتقلت شرعية السلطة من «التفويض الإلهي» المباشر إلى «الخير العام» و«سيادة القانون». فالسلطة تكون شرعيةً بقدر ما تخدم العدالة وتحترم كرامة الإنسان، أما الحكم الظالم أو المستبد فيفقد شرعيته الأخلاقية.
في الفكر الإسلامي
يختلف مفهوم الشرعية في الفكر الإسلامي باختلاف المدارس الفكرية، لكنه يقوم عموماً على أن الشرعية مستمدة من الالتزام بأحكام الشريعة وتحقيق العدالة، مع وجود آليات بشرية لاختيار الحاكم ومراقبته. ويتضمن هذا المفهوم محورين رئيسيين:
المحور الأول: طبيعة السلطة وضرورتها
- ضرورة دينية واجتماعية: اتفق فقهاء الإسلام قديماً على أن إقامة سلطة، أو ما عُرف بـ«نصب الإمام»، واجب ديني لإقامة الشريعة، وضرورة اجتماعية لحماية الجماعة وردع الظلم.
- سلطة مدنية بوظيفة عدلية: يتمثل جوهرها في إقامة العدل بين الناس، وهذا يمنحها طابعاً «مدنياً»؛ فشرعيتها تتحدد بمدى تحقيقها العدل، لا بادعائها امتلاك قداسة دينية.
المحور الثاني: مصادر الشرعية وآلياتها
- المصدر الأعلى، أي الشريعة: السيادة العليا للشريعة؛ فهي المصدر النهائي الذي يحدد مشروعية الأفعال.
- الآليات البشرية، أي البيعة والشورى:
- البيعة: عقد بين الحاكم والأمة، يقوم أساسه على الاختيار والرضا.
- أهل الحل والعقد: نخبة تمثل الأمة، وتتمثل مهمتها في اختيار الحاكم، أي الإمام، ومبايعته.
- الشورى: مبدأ أساسي في إدارة الحكم يضمن المشاركة في الرأي وصنع القرار.
شروط الممارسة وضوابطها
- الالتزام بالقيم الإسلامية: العمل وفق المقاصد العامة للشريعة.
- تحقيق المصلحة العامة: أن تكون سياسات السلطة محققةً لمصالح الناس.
- قابلية المساءلة: حق الأمة في مراقبة الحاكم ومحاسبته وعزله إذا جار أو ظلم.
أبرز الانقسامات المذهبية
- عند أهل السنّة: قامت الشرعية على مفاهيم متعددة، مثل الطاعة والمصلحة والاختيار والشورى وأهل الحل والعقد.
- عند الشيعة: تقوم على مفاهيم مترابطة، مثل «النص»، أي التعيين الإلهي، و«العصمة» و«الوصية». ويؤثر هذا الاختلاف الجوهري في طبيعة الشرعية ومصدرها.
تطورات العصر الحديث
- نقد شرط «القرشية»: رفضت فرق وتيارات، مثل المعتزلة والخوارج، شرط أن يكون الحاكم من قريش، وأكدت أن المعيار هو الفضل والكفاءة، وأن الشرعية تُستمد من الشورى والإجماع.
- مقاربة عصرية: ربط مفكرون، مثل رشيد رضا، الشرعية بـ«رضا الأمة وقبولها». كما قارن رشيد رضا بين «البيعة» والانتخاب، وبين «أهل الحل والعقد» والسلطة التشريعية.
في العصر الحديث
انتقل مفهوم شرعية السلطة نقلةً نوعيةً من «التفويض الإلهي» و«التوارث العرفي» إلى «العقد الاجتماعي» و«القبول الشعبي». وأصبحت شرعية السلطة تُختبر يومياً بقدرتها على تحقيق العدالة والرفاهية، لا بمجرد امتلاكها مقاليد الحكم. ويمكن تقسيمها إلى ثلاثة مستويات أساسية:
المستوى الأول: المصادر الأساسية – أركان الشرعية الحديثة
لم تعد الشرعية تستند إلى مصدر واحد، بل إلى منظومة متكاملة:
- الشرعية الإجرائية أو الشكلية: تُستمد من الدستور والقوانين، وفي مقدمتها صناديق الاقتراع والانتخابات النزيهة والدورية؛ فهي تمثل «الترخيص» الرسمي لممارسة السلطة.
- شرعية المخرجات أو الشرعية الأدائية: تقوم على الأداء والنتائج، أي قدرة السلطة على حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية وتوفير الخدمات. فالمواطن يمنح السلطة شرعيته في مقابل «الرفاهية والأمن»، وعندما يتراجع الأداء تهتز هذه الشرعية.
- الشرعية المعيارية أو الأخلاقية: تتعلق بمدى احترام السلطة حقوق الإنسان وسيادة القانون والعدالة، وتمثل الأساس المعنوي الذي يجعل الفرد يشعر بأنه مواطن مكرّم، وليس مجرد محكوم.
المستوى الثاني: الإطار العالمي والرقمي
في زمن العولمة، خرجت الشرعية من حدودها الجغرافية:
- الضغط الدولي: أصبحت المنظمات الدولية ووسائل الإعلام العالمية جزءاً من معادلة الشرعية؛ فانتهاك حقوق الإنسان أو قوانين الحرب يفقد السلطة جانباً من شرعيتها في المحافل الدولية.
- الحوكمة الرقمية: مع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت الشرعية ذات طابع لحظي؛ فالسياسي يخضع لـ«استفتاء يومي» على منصات التواصل، وتتغير شعبيته بناءً على المنشورات والتفاعلات.
المستوى الثالث: أزمات الشرعية المعاصرة
تواجه السلطة الحديثة تحديات غير مسبوقة:
- تراجع الثقة: تتزايد الفجوة بين النخب الحاكمة والمواطنين، بالتزامن مع ظهور ما يُسمّى «الديمقراطيات المتعبة»، حيث تنخفض نسب المشاركة الانتخابية.
- تعدد المرجعيات: في المجتمعات المتعددة دينياً وعرقياً، تتعارض أحياناً شرعية الدولة المدنية مع شرائع الطوائف أو أعرافها، ما يخلق صراعاً بين المرجعيات والولاءات.
- تأثير التكنولوجيا: أدت هيمنة المنصات العالمية، مثل «فيسبوك» و«تيك توك»، على تشكيل الوعي العام إلى إخضاع شرعية السلطة لخوارزميات غير مرئية، تتيح ترويجاً هائلاً لها أو إسقاطاً سريعاً للأنظمة.
الخلاصة: الشرعية «مشروع مفتوح»
شرعية السلطة مفهوم ديناميكي ومتجدد، لا يُمنح مرةً واحدة، بل هو حصيلة تفاعل مستمر بين الحكام والمحكومين، وبين النصوص القانونية والواقعين الاجتماعي والأخلاقي.
أما شرعية السلطة في الفكر اليهودي، فهي قضية معقدة ومتطورة، تنتقل من الملك المختار إلهياً إلى الحاخام المفسّر للشريعة، ثم إلى إشكالية الدولة الحديثة التي تتصارع فيها الرؤى الدينية والعلمانية.
وبينما يظل المصدر النهائي للسلطة هو الله في اللاهوت المسيحي، فإن معايير شرعيتها العملية تطورت عبر التاريخ من الطاعة، إلى اشتراط العدالة والخير العام، وصولاً إلى تبنّي آليات ديمقراطية وقانونية حديثة في العصر المعاصر.
أما شرعية السلطة في الفكر الإسلامي، فليست مفهوماً جامداً، بل هي حصيلة تفاعل معقّد بين النص الديني واجتهاد الفقهاء والواقع السياسي، ويظل باب الاجتهاد فيها مفتوحاً لمواكبة مستجدات العصر.
وفي العصر الحديث، لم تعد الشرعية «هبةً تُمنح» مرةً واحدة، بل أصبحت «عملية تفاوض يومية» بين الحاكم والمحكوم. لقد تحولت المعادلة الكلاسيكية من «أَطِعْ لأن الحاكم ظلّ الله» إلى «أطيع ما دام الحاكم يحترم إرادة الشعب ويحقق مصالحه». فالشرعية اليوم رقيقة وهشّة؛ تُبنى بالشفافية، وتُفقد بالفساد، وتتجدد من خلال الحوار المستمر مع الشعب.
الكلمات المشار إليها بخط تحتها:
- لِجيتِماسي: Legitimacy
- لِجاليتي: Legality

راجي معرّاوي
متخصص في الاتصالات والإلكترونيات؛ إستشاري في دراسة وتنفيذ شبكات الألياف الضوئية، مراكز البيانات، وأنظمة حماية الحدود البرية والبحرية والجوية.
- راجي معرّاوي#molongui-disabled-link
- راجي معرّاوي#molongui-disabled-link
- راجي معرّاوي#molongui-disabled-link
- راجي معرّاوي#molongui-disabled-link
