في 26 حزيران 2026، وفي مقر وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن، تم التوقيع على «اتفاق إطاري ثلاثي» بين الجمهورية اللبنانية، ممثَّلة بسفيرتها ندى حمادة، والعدو الإسرائيلي، ممثَّلاً بسفيره يحيثيل ليتر، والولايات المتحدة الأميركية، ممثَّلة بوزير خارجيتها ماركو روبيو.
رحّبت الولايات المتحدة بهذا الاتفاق، واعتبرته إنجازاً رئيسياً لجهود إدارة ترامب، وقد وصفه روبيو بأنه «بداية البداية». كما أُقرت حزمة مساعدات إنسانية بقيمة 100 مليون دولار، تُصرف على الفور بالتنسيق مع الأمم المتحدة، وتهدف إلى دعم المتضررين في مناطق النزاع. كذلك تم تخصيص نحو 30 مليون دولار، بموجب الصلاحيات والاعتمادات الحالية، لتعزيز قدرات الجيش اللبناني على فرض السيادة بصورة أكثر فعالية.
وقد رحّب به الرئيس جوزاف عون، معتبراً إياه فرصة للعودة إلى الأراضي المحررة وإعادة الإعمار. في المقابل، أكد رئيس وزراء العدو الإسرائيلي إمكانية استمرار الاحتلال إذا لم يتم نزع سلاح حزب الله.
ما يثير الشكوك والريبة يتمثل في نقطتين أساسيتين:
- تهميش دور الوفد العسكري اللبناني في هذا الاتفاق. فالأمر ليس مجرد إغفال، بل يبدو نتيجة خلافات حادة بين الوفد العسكري والوفد السياسي خلال المفاوضات، إضافة إلى التدخلات الأميركية. فقد تعرض الوفد العسكري لضغوط، واتُّهم بتعطيل المفاوضات بسبب تمسكه بثوابت وطنية. كما أن رفضه التقاط صورة تذكارية مع وفد العدو الإسرائيلي العسكري يُعدّ رفضاً علنياً للتطبيع. وقد تفرد الوفد السياسي اللبناني، مختزلاً بسفيرة لبنان في واشنطن، بالتوقيع على الاتفاق، مما يشير بوضوح إلى تجاوز دور الوفد العسكري.
- لم يُشر الاتفاق مطلقاً إلى اتفاقية الهدنة أو إلى القرار 1701، لأن العدو الإسرائيلي لم يلتزم به كحل نهائي، بل تعامل معه كأرضية تفاوضية تم تعديلها بما يخدم أجندات مختلفة. وقد يكون هذا التغييب متعمداً للأسباب الآتية:
- عكس التسلسل، عبر طرح نزع السلاح قبل الانسحاب، في حين كان الأصل ينص على الانسحاب الفوري للعدو الإسرائيلي بالتوازي مع انتشار الجيش اللبناني.
- اعتماد انسحاب تدريجي ومشروط بدلاً من الانسحاب الكامل والفوري، وتحديد منطقتين تجريبيتين فقط، مع التهديد بالبقاء في حزام أمني طالما بقي أي تهديد.
- تغييب الفاعل الأساسي، أي حزب الله، مما سيجعل الاتفاق غير قابل للتنفيذ على الأرض.
- إضافة بنود جديدة، كالاعتراف المتبادل وإنهاء حالة الحرب، مما يحوّله من اتفاق عسكري إلى مسار تطبيع سياسي.
- تكريس وصاية أميركية بدلاً من مرجعية الأمم المتحدة، إذ استبدل الاتفاق «اليونيفيل» بـ«لجنة عسكرية ثلاثية» برئاسة الولايات المتحدة، مما يضعف شرعية القرار 1701.
هذا الاتفاق ضار بشكل كبير بمصالح لبنان، وذلك للأسباب التالية:
- يمسّ بشكل فاضح بالسيادة اللبنانية، فهو استسلام للسيادة، بل تنازل عنها لمصلحة العدو الإسرائيلي.
- يشترط نزع سلاح حزب الله كشرط لانسحاب العدو الإسرائيلي، وهو بند شديد الخطورة وتجاوز لجميع الخطوط الحمراء، إذ إن محاولة فرضه قد تشعل حرباً بين الجيش والحزب، وقد تتدحرج لتصبح حرباً أهلية.
- يشرعن الاتفاق استمرارية احتلال العدو الإسرائيلي للأراضي الواقعة ضمن «المنطقة الأمنية» بعمق 10 كيلومترات، مما يعني بقاء الاحتلال طويلاً، وربما ضمّ هذه الأراضي اللبنانية لاحقاً.
- يضعف الدولة اللبنانية عبر إلزام لبنان ببنود الاتفاق من دون إلزام العدو الإسرائيلي بتقديم التزامات واضحة، كما أنه يُخضع الجيش اللبناني لوصاية عملية من جيش العدو الإسرائيلي، وهذا ما يكرّس دور الولايات المتحدة كضامن للتنفيذ.
باختصار:
- لم يتم تغييب الوفد العسكري اللبناني بشكل سلبي فحسب، بل تم إبعاده فعلياً بضغوط أميركية وداخلية، لأنه كان عقبة أمام تمرير الاتفاق كما هو، بسبب تمسكه بمواقف وطنية يرفضها العدو الإسرائيلي والولايات المتحدة الأميركية.
- لم يتطرق الاتفاق إلى القرار 1701 لأنه أعاد صياغة شروطه لمصلحة العدو الإسرائيلي، من خلال نزع السلاح أولاً، والإشراف الأميركي المباشر بدلاً من الإشراف الأممي، متجاهلاً جوهره القاضي بالانسحاب الفوري وغير المشروط.
- يعتبر الراعي الأميركي وبعض أفرقاء السلطة في لبنان أن هذا الاتفاق خطوة أولى نحو حل سياسي طويل الأمد. لكن، من وجهة نظري، لا يخلو الاتفاق من تحديات خطيرة في ظل تمسك العدو الإسرائيلي بشرط نزع سلاح حزب الله كلياً. فهو يديم الاحتلال الإسرائيلي بشكل مختلف بدلاً من إنهائه، وقد يشعل صراعاً داخلياً، وينهي ما تبقى من سيادة لبنان وقدرته على اتخاذ قرارات مصيرية بمعزل عن الإرادات الخارجية.

راجي معرّاوي
متخصص في الاتصالات والإلكترونيات؛ إستشاري في دراسة وتنفيذ شبكات الألياف الضوئية، مراكز البيانات، وأنظمة حماية الحدود البرية والبحرية والجوية.
