تشكّل الحياة، منذ نشأتها، مسرحًا للثنائيّات المختلفة، وأبرزها الثنائيّات التناقضيّة التعارضيّة. وفي خضمّ هذه المتعارضات، يقف الإنسان، الكائن الأكثر إشكالية مقارنة بغيره من الملائكة والكائنات الأخرى، ليحدّد هويّته، ويبلور ماهيّته عبر خياراته وتبنّيه ما يجعله متفرّدًا بانتمائه ونزعاته الفكريّة وما تشمله من ثقافة ولغة وعقلية وسياسة.
هذه المتناقضات الّتي يجد الإنسان نفسه في تيارها الجارف ليستمرّ مشوار الحياة، تولّد صراعاتٍ ذاتَ صورٍ مختلفة، استطاع “هيغل” أن يختصرها بالصراعات بين الأطروحات الفكريّة المختلفة، ليأتي تلميذه “ماركس” ويحصرها في خانة الصراعات الطبقية حيث الحركة المادية والسعي لتذويب الفروق، ثمّ يأتي الصراع التوافقي الوسطيّ، بين الواقع الماديّ من جهة، والوعي والفكر من جهة ثانية.
ولم يتوقّف قطار الثنائيات عند حدود صراع الإنسان داخليًّا بين الشرّ والخير حسب وجهة نظر كلّ جماعة، والحبّ والكره، والكفر والإيمان، والخيانة والأمانة انطلاقًا من الآية: “نفس وما سوّاها فألهمها فجورها وتقواها”… بالإضافة إلى ما شهدته الفرق الكلاميّة والظواهر الفكرية والفنيّة والثقافية من سجالات، بل غالبًا ما كانت الصراعات ذات الصبغة الدموية تسيطر على المشهد، ما حوّل الحياة منذ الأزل إلى اليوم وما سيلي من دهر، إلى عربة يجرّها حصانان من سيف ومدفع، ما يجعلها تسير فوق حجارة من جماجم، وأنهار من دماء، وترابات من بقايا أجساد ممثّل فيها.
كلّ هذا يؤكّد أنّ الصراع، وعلى الرغم من مشاهده الدمويّة في أغلب الأحيان، يشكّل العنصر المبدّل للوضع الأولي لسيرورة الحكاية الحياتية، إذ لا يمكن للأحداث أن تبقى على تمددها الأفقي من دون عنصر عمودي طارئ يقلب موازين الهدوء والاستقرار إلى جلبة وحراك وفوضى لا بدّ منها لتستكمل الحياة تطوّرها، وليعي الإنسان معنى وجوده، عبر دفعه إلى الحبكة والعقدة وما يراه حلولًا مؤقّتة.
فلم يشهد حيّز من هذا العالم استقرارًا أبديًّا، وإلّا استحال مستنقعًا، كلّ ما فيه يجترّ نفسه وينتهي بمشهد موحل ذي صلصال نتن من حمأ مسنون، ما يوجب تحريك ركوده عبر رافد دخيل مبدّلٍ وضعه الذي يوهم بنهائية شكل الحياة، فيعكّره بداية لكنّه يزيده غزارة وطول مسير، وصولًا إلى الصفاء القابل للتعكر ثمّ الصفاء والتناوب بينهما لتتحقق سنّة الحياة والوجود. وبهذا لم ولن يشهد الإنسان حياة من دون صراعات إلا في الفردوس المرسوم غيبيًّا. وهنا نطرح السؤال الأخطر: هل ظهر الأنبياء للقضاء على الصراعات أم أنّ وجودهم سنّة إلهية أو حتميّة وجوديّة لتكريس الصراع من أجل استمرار الحياة؟
لم يخرج نبيّ، حسب ما قدّمت الكتب الدينية، إلّا وشكّل عنصرًا طارئًا على واقع أصبح مألوفًا مقبولًا بكلّ ما فيه من تناقضات وشوائب، فيعكّر صفاء الوجود بطرحه اللامقبول بداية، فيستحيل مثار جدل وسجالات وخلافات تدفع بعجلة الحياة أمامًا بعد أن تكون قد توقّفت لمدّة من الزمن، وبهذا لم يعد الأنبياء، وبأمر من الله، ولضرورة تطوير الحياة، محطّة لاستقرار الأقوام التي شهدت ظهورهم، بقدر ما كانوا حاجة لا بدّ منها لتغذية الخلافات حولهم، وانقسام الجمهور في حياتهم وما بعد غيابهم كضرب من ضروب احتياج الإنسان إلى ما يحرّضه على النزاع والصراع من أجل أن يطوّر نفسه ومحيطه.
فإن عدنا إلى القرآن مثلًا، فإنّه من سنن الله أن يبقى الناس في حالة صراع وعدم تآلف لتستمر الحياة ويتكرّس فعل التعارف بين الشعوب والقبائل، فلطالما عوتب النبيّ ومن سبقه بحجّة أنّهم ليس المطلوب منهم جمع الناس كراهية بل: لو شاء ربّك لجمعهم على الهدى. وأكثر من ذلك، حين يقول القرآن، بأنّ الناس كانوا أمّة واحدة فبعث النبيين. معظم تفاسير هذه الآية وتأويلاتها، يشير إلى أنّ هناك كلمة محذوفة وهي (فاختلفتم).
فمن أين أتى الفقهاء والمفسّرون بكلمة لا وجود لها وكأنّ الله عاجز عن قولها ليتبنى طرحَها العبادُ، وإن كان هناك ما يؤكد الخلاف بعد هذا الكلام. فالكلام واضح بأنّكم كنتم أمّة واحدة قابلة للانهيار بسبب اللاحركة، فأرسلنا النبيين لتحريك ماء الحياة الجامد حول وعي فعليّ بكلّ ما يحويه من تآلفات وتناقضات، لتختلفوا حولهم وإلا سيكون في عدم خلافاتهم وصراعاتهم حياة من الأسن والركود، فلا بدّ من سبب للصراع، فكان ظهور الأنبياء، وهذا ليس انتقاصًا بل هذا تعظيم لهم إذ بوجودهم وحولهم اختلف القوم ليخلقوا حياة جديدة بعد أن كاد الفناء يهلكهم من دون ذلك، وهذا ما يؤكّده كلام القرآن نفسه في سورة “هود” حين يؤكّد سنّة الله بأن يكونوا أو يبقوا مختلفين: “ولو شاء ربّك لجعل النّاس أمّة واحدة ولا يزالون مختلفين”، ثمّ يكمل في الآية التي تلي، أنّ هذا هو الهدف من الخلق وإن استثنى من رحم الله: “ولذلك خلقهم وتمّت كلمة ربّك…”.
وهذا ينسف الفكرة المعششة في الأذهان حول المخلّص لدى معظم الملل، إذ يرى أصحاب هذا الإيمان بأنّ المخلّص يخرج نتيجة صراعات لم يعد لأهل الأرض قدرة على السيطرة عليها فيوكل الأمر إلى مخلّص من قبل الخالق، ولكنّ فكرة المخلّص بحدّ ذاتها، بغيابه ووجوده إن ظهر، هي فكرة لتأجيج الصراع المحرّك الأساسي للحياة والفكر وليس مهمته إعادة الاستقرار لأنّ في استقرار الوجود مقتله وتأخره وتخلفه.

د. علي نسر
أستاذ جامعي، ناقد وباحث في الأدب والفكر، محاضر في الجامعة اللبنانية وجامعات أخرى. يكتب في صحف لبنانية وعربية وله مؤلفات من رواية وديوان وكتب في النقد والفكر، كما عشرات الأبحاث في مجلات علمية لبنانية وعربية. شارك في العديد من المؤتمرات في لبنان وخارجه.
