علاء الصايغ لـ«بيروت 2030»: لو كنت داخل المجلس لَعمِلتُ على منع حالة الغربة بين الناخب والنائب

المكوّنات جميعها مهدَّدة — من دروز وعلويين وأكراد وحتى السنّة وسواهم

ليس من السهل تصنيف علاء الصايغ في خانةٍ سياسية محدّدة. فهو أحد الوجوه البارزة التي خرجت من رحم انتفاضة 17 تشرين، لكنه تجاوز في مقاربته حدود الشعارات إلى رؤية فكرية تسائل بنية النظام نفسه وتطرح بدائل واقعية لبناء دولة عادلة. سياسي لبناني مستقل، وخبير في الابتكار الاقتصادي-الاجتماعي والإصلاح الديمقراطي، يدير مؤسسة تُعنى بتطوير هذه المجالات، ويقدّم خبرته مستشاراً في مركز الديمقراطية للشرق الأوسط في واشنطن، في مسار يتكامل مع دوره السياسي والقيادي في لبنان.

منذ عام 2011، تنقّل الصايغ بين الحراك المدني والعمل الميداني والانتخابات النيابية، من عاليه والشوف إلى ساحة الشهداء، واضعاً نصب عينيه هدفاً واحداً: تحويل الغضب الشعبي إلى فعل سياسي منظم.

في هذا الحوار، يتحدث بلغة تحليلية صريحة عن تجربة التغيير بعد 17 تشرين، وعن إخفاقات المعارضة، وأوهام الخطاب السيادي، وهيمنة أمراء الطوائف الذين “أوقفوا الزمن السياسي” منذ الطائف، كما يتناول الأزمة المالية والسياسية، وموقع حزب الله في المعادلة اللبنانية، وإشكالية الأقليات في النظام المشرقي، وصولاً إلى رؤيته لبناء بديل وطني متكامل يعيد للدولة معناها وشرعيتها ويحمي المجتمع ويضمن وحدته وحقوقه.

س: تنطلقون دائماً في مقاربتكم السياسية من فكرة الانتقال من “ردّة الفعل” إلى “الفعل”. ما الذي تعنونه بذلك؟

ج: المقصود أن نخرج من ردّ الفعل الانفعالي إلى المبادرة الواعية. في لبنان، قلّة هم الذين اختاروا البقاء والعمل، وهؤلاء أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاندماج في المنظومة القائمة بكل ما تمثله من تسويات ومحاصصات، وإما خوض مسارٍ مختلف هدفه إعادة بناء الدولة على أسس العدالة والمواطنة. بالنسبة إليّ، الفعل يبدأ حين ينسجم الإنسان مع قناعاته ويتصرّف بمسؤولية تجاهها، لا حين يكتفي بالغضب أو الانتظار.

س: متى بدأتم مسيرتكم الفعلية في المجالين السياسي والاجتماعي؟

ج: الانطلاقة الحقيقية كانت عام 2011، مع مظاهرات إسقاط النظام الطائفي. كنت حينها أتابع بقلقٍ وحماسة، خصوصاً مع تزامن الحراك اللبناني مع موجة الربيع العربي، وقد بدت لي تلك اللحظة فرصة لولادة وعي سياسي جديد. لكنني سرعان ما اكتشفت أن كثيراً من الأحزاب التي ترفع شعار “اللاطائفية” كانت في الواقع جزءاً من النظام نفسه أو متكاملة معه، ففكّكت الحراك من الداخل وأفرغته من طاقته.

منذ ذلك الوقت، تحوّل اهتمامي من المراقبة إلى المشاركة الفعلية في المبادرات المدنية التي كانت تنادي بالإصلاح وبناء دولة المواطنة. ومع أزمة النفايات عام 2015، كنت من المساهمين في الحراك الشعبي، لكننا عملنا هذه المرة على كسر مركزية بيروت ونقل التظاهرات إلى عين داره والشوف وبعقلين — وهو ما فتح الباب أمام مشاركة محلية أوسع لم تشهدها المناطق من قبل.

في عام 2017، خضنا تجربة سياسية مختلفة في الشوف وعاليه، واستطعنا في انتخابات 2018 أن نحصد عشرة آلاف صوت من أصل حاصل انتخابي بلغ ثلاثة عشر ألفاً. كانت التجربة مؤشّراً مهمّاً على استعداد الناس للتغيير، لكنها أظهرت أيضاً حدود هذا التغيير داخل نظام مغلق على ذاته.

ثم جاءت انتفاضة 17 تشرين 2019، حين شعر اللبنانيون أن كل المسارات السابقة — من الإصلاح إلى الانتخابات — اصطدمت بجدار المنظومة. يومها نزل الناس إلى الشارع لأنهم فقدوا الثقة بالمؤسسات وبالقضاء وبحماية الدولة لحقوقهم. كنا جزءاً من هذا الحراك، وكان لي دور مباشر في تنظيمه وتنسيق خطوط التواصل بين المجموعات، انطلاقاً من قناعة بأنّ التغيير لا يكون بانفجارٍ عابر، بل ببناء مسارٍ سياسي مستدام.

س: وماذا عن ما بعد انفجار مرفأ بيروت في 4 آب؟

ج: بعد انفجار المرفأ، بدا واضحاً أنّ لبنان دخل مرحلة مختلفة، وأنّ ما جرى لم يكن حدثاً عرضياً بل لحظة كاشفة لسقوط الدولة بكلّ وظائفها. حاولنا حينها إطلاق مبادرة سياسية تفتح مساراً جدّياً لمساءلة المنظومة، بوصفها المنظومة التي سرقت الناس وبدّدت مقدّرات المجتمع وفجّرت بيروت. لكنّ غياب الانسجام في قراءة اللحظة بين المجموعات المختلفة جعل هذا المسار مستحيلاً.

في نهاية آب، وبدل أن تتبلور مواجهة سياسية تُعيد تعريف الشرعية بين السلطة والمجتمع، خرجت المبادرة في إطارٍ عام يلامس الحد الأدنى المشترك بين الأطراف، من دون أن يتحول إلى مشروع سياسي واضح المعالم. بالنسبة إليّ، كانت تلك اللحظة فرصة ضائعة لفتح صراع شرعية حقيقي، لأن شرعية السلطة تُستمد من أدائها، وحين تفشل الدولة في حماية الناس، تسقط شرعيتها بالفعل لا بالقول.

س: كيف قرأتم نتائج الانتخابات النيابية اللاحقة؟

ج: برأيي، وصلنا إلى الانتخابات منهكين. خسرنا 17 تشرين بمعناها الذي كان يفترض أن يقلب المشهد رأساً على عقب، لأن لحظة الانتفاضة الشعبية لم تُستكمل بمسارٍ سياسي منظم، فيما نجح أمراء الطوائف عبر أحزابهم وسلطتهم في تفتيت قواعدها وتطييفها — وهي اللعبة التي يتقنونها منذ عقود. من يدير الحكم في لبنان اليوم هم خمسة أو ستة أمراء طوائف يجلسون حول “طاولة الحوار”، يختلفون في الشكل ويتفقون في الجوهر على إبقاء النظام نفسه.

لكنّ 17 تشرين كانت أيضاً لحظة تناقضات حقيقية، جمعت فيها فئات متعددة ومتباينة، ما بين من أراد التغيير الجذري ومن اكتفى بالاعتراض. طبيعي أن تنعكس هذه التناقضات لاحقاً في نتائج الانتخابات، وأن يظهر نواب يمثلون تنوّع تلك اللحظة وتناقضاتها. المشكلة ليست في هذا التنوع، بل في أن جزءاً ممن دخلوا الحياة السياسية باسم التغيير تحوّل تدريجياً إلى جزء من النظام الذي خرجوا لمواجهته. وهذا ما جعل المسافة تتسع بين المعنى الذي خرج الناس من أجله، وبين الأداء الذي شاهدوه لاحقاً.

مع ذلك، خضنا الانتخابات انطلاقاً من شعور بالمسؤولية لا بالرهان على النصر، لأننا كنّا نؤمن أن التراجع عن الفعل يعني ترك الساحة للفراغ. فكانت المشاركة فعلاً سياسياً وأخلاقياً في آن، وخياراً واقعياً في بلدٍ لم يعد أمام مواطنيه إلا المراكمة البطيئة نحو التغيير.

ورغم كلّ الصعوبات، شكّلت تلك اللحظة مشهداً استثنائياً في تاريخ لبنان الحديث: صور المغتربين أمام صناديق الاقتراع في عواصم العالم أعادت شيئاً من روح 17 تشرين، وأظهرت أن اللبنانيين، أينما وجدوا، ما زالوا يؤمنون بقدرتهم على التأثير. كذلك، تمكّنت قوى التغيير من تقديم لوائح في مختلف الدوائر، ما جعل من 17 تشرين رافعةً سياسية حقيقية مكّنت اثني عشر نائباً من الوصول إلى البرلمان من خارج لوائح أمراء الطوائف.

صحيح أن هؤلاء النواب جاؤوا من خلفيات مختلفة وبعضهم لم يعرف الآخر من قبل، إلا أن مجرد دخول هذا العدد من الوجوه المستقلة إلى مجلسٍ صُمِّم لمنع دخولهم هو حدث بحد ذاته. المشكلة لم تكن في الأشخاص، بل في السياق العام: ضعف الموارد، احتكار الإعلام، وهيمنة السلطة التي تتحكم بكل مفاصل اللعبة. ومع ذلك، ما حدث كان بداية لا يجب التقليل من معناها — فالتغيير بدأ فعلياً بكسر احتكار السلطة والهيمنة على المجلس النيابي، ولو أن التجربة النيابية اللاحقة حملت ما لها وما عليها.

 س: هل ترون أن تلك الفرصة يمكن أن تتكرر؟

ج: لا، الأشياء لا تتكرر كما هي. قد تأتي ظروف تشبهها، لكنها لن تكون نفسها. السلطة في لبنان نجحت منذ اتفاق الطائف في ما يمكن وصفه بـ”إيقاف الوقت”. بعد الحرب الأهلية، خلع أمراء الطوائف بزّاتهم العسكرية وارتدوا ثياب رجال دولة. اتفاق الطائف جرّدهم من شرعية الحرب وصلاحياتها، لكنه منحهم شرعية الدولة، ولمنع تطبيقه أوقفوا الزمن عند لحظة توازنٍ وهميّ لا زالت تتحكم بمفاصل البلاد حتى اليوم.

لدينا شكل دولة، لكن السلطة الفعلية ما زالت في يد خمسة أو ستة أشخاص يتحكمون بالتعيينات القضائية والأمنية، وبالمحاصصة، وبصوغ القوانين الانتخابية التي تعيد إنتاجهم أنفسهم. ومع ذلك، فإن عدم تكرار الفرصة لا يعني استحالتها. فكل زمن يحمل احتمالاته الخاصة، والظروف التي نعيشها اليوم — رغم قسوتها — قد تكون لحظة مختلفة تولد منها فرصة جديدة لقلب هذا الواقع، شرط أن نقرأها بوعي، ونعمل على تحويلها إلى فعلٍ منظم لا إلى انتظارٍ عاطفيّ لانتفاضةٍ أخرى.

س: في ظل هذا الواقع، هل نزع سلاح حزب الله كفيل بحل الأزمة اللبنانية؟

ج: الأزمة اللبنانية أعمق من السلاح وحده، لكنها لا تُحلّ من دونه أيضاً. فلا دولة قادرة على النهوض بوجود سلاحٍ خارج مؤسساتها الشرعية. سلاح حزب الله مخالف للدستور ولمنطق قيام الدولة، لكنه اكتسب في مرحلةٍ سابقة شرعية واحدة هي “مشروعية الدور” في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي. غير أنّ هذه الشرعية انتهت بعد عام 2000، وتكرّس سقوطها عندما فقد السلاح وظيفته الدفاعية وتحول إلى أداة نفوذ داخلي تُكرّس منطق هيمنة الطائفة على حساب منطق الدولة — وآخر فصول ذلك كانت مغامرة “حرب الإسناد” غير المحسوبة وما ترتب عنها من تبعات خطيرة على لبنان، دولةً ومجتمعاً، وعلى المجتمع الجنوبي خصوصاً.

اليوم، يجب أن لا يكون السلاح عامل تعطيل أو انقسام، يفرض منطقاً موازياً لمؤسسات الدولة ويقوّض قدرتها على اتخاذ القرار المستقل. المسألة ليست مواجهةً مع الطائفة الشيعية، بل استعادة الدولة لوظيفتها واحتكارها الشرعي للقوة. والواجب الوطني وضرورات المرحلة يفرضان وضع جدولٍ زمني واضح لتسليم السلاح إلى الجيش اللبناني، ضمن ضمانات وطنية تُرسخ شرعية الدولة. فلا مستقبل للبنان بدولتين داخل دولة واحدة.

إنّ إخراج السلاح من المعادلة الطائفية لا يعني استهداف طائفة، بل استعادة الدولة للجميع، لأن أي سلاحٍ خارجها — مهما كانت نياته، وإن لم يكن بإدارتها — يبقى في النهاية سلاحاً ضدها.

س: وما تعليقكم على الخطاب السيادي السائد اليوم؟

ج: الخطاب السيادي في لبنان كثيراً ما يُختزل إلى شعارات، بينما جوهر المسألة أعمق من ذلك بكثير. فلبنان لا يعيش في جزيرة معزولة، بل في شبكةٍ من توازناتٍ إقليمية ودولية معقدة. كثيرون يرفعون شعارات السيادة وكأن لبنان دولة مستقلة في نظام دولي مستقر، بينما الواقع مختلف تماماً. فبعد انهيار الثنائية القطبية وصعود نظام متعدد الأقطاب، لم يعد لأي دولة صغيرة رفاهية تقرير دورها بمعزل عن محيطها، ولبنان ليس استثناءً.

حتى في فترات ازدهاره السابقة، لم يكن دوره نتيجة إرادة داخلية خالصة، بل نتاج وظيفةٍ إقليمية أو تسويةٍ دولية عُرضت عليه فقبل بها. واليوم، في ظلّ صراع الأقطاب بين تركيا وإيران وإسرائيل، يعيش لبنان كدولة معلّقة بين أمراء طوائف، كلٌّ منهم مرتبط بطرف خارجي نقيض للآخر. هذا التشابك يجعل الدولة بلا وظيفة وبلا قدرة على التقاطع مع التحوّلات الإقليمية، فنصبح عالقين في زمنٍ سياسيٍ متجمّد.

لكن السيادة الحقيقية لا تُبنى بالشعارات ولا بالتبعية، بل بقدرة الدولة على امتلاك قرارها الداخلي، من اقتصادٍ منتج إلى سياسة خارجية متوازنة وموّحدة تعكس مصالحها لا مصالح امراء الطوائف. السيادة ليست موقفاً ضد الخارج بقدر ما هي قدرة الداخل على بناء دولةٍ تمتلك مؤسساتها وتستمد شرعيتها من مواطنيها.

س: تحدثتم عن تجميد الزمن السياسي بعد الطائف، فكيف يمكن معالجة هذا الواقع؟

ج: كسر هذا الجمود يبدأ أولاً باستعادة الدولة لوظائفها التي صادرها أمراء الطوائف وسلطات الظلّ التي تتحكم بمفاصل القرار. الدولة فقدت دورها الطبيعي في التخطيط والتوجيه، وتحولت مؤسساتها إلى أدوات بيد قوى متنازعة تتقاسمها وفق ميزان المحاصصة لا وفق منطق المصلحة العامة.

حين تستعيد الدولة دورها ووظائفها، تصبح هي صاحبة الشرعية الوحيدة التي تتقدّم على أي شرعية موازية يستند إليها أي طرف.

يكفي أن نتأمل أن الدولة، منذ حرب تموز عام 2006 وحتى اليوم، لم تبنِ ملجأً واحداً لمواطنيها في القرى الحدودية، رغم أنها الأكثر عرضةً للأخطار. هذا وحده يختصر معنى غياب الدولة وعجزها عن أداء أبسط وظائفها في الحماية والرعاية.

استعادة الزمن السياسي لا تكون بشعارٍ أو وعدٍ جديد، بل بعودة الدولة إلى موقع الفعل لا ردّ الفعل، واسترجاعها مهامها في الأمن والاقتصاد والعدالة. عندها فقط يمكن أن نعيد تحريك الزمن المتوقف ونفتح أفقاً لدولةٍ حقيقية تُحقق مصالح مواطنيها لا حكّامها.

س: وماذا عن الموقف الرسمي من الانهيار المالي؟

ج: الدولة لم تتّخذ بعد موقفاً واضحاً من أكبر انهيار مالي في تاريخها، ضاع فيه نحو 180 مليار دولار من أموال المودعين. لا موقف حقيقي لأن موازين القوى ما زالت محكومة بمنظومة تقضم الحقوق تدريجياً، حتى تتحوّل الجريمة إلى جريمةٍ بلا مجرم.

من سرق الـ180 مليار؟ لا أحد يجيب. المسألة تتجاوز الأفراد إلى نظامٍ كامل يقوم على حماية مصالح بعضه بعضاً، ويمنع قيام أي مساءلة فعلية.

الحكومة الأخيرة قدّمت عناوين إصلاحية نوافق على الكثير منها، لكنّها وجدت نفسها محاصَرة بتوازنات داخلية تُعطّل القرار وتُفرغ الإصلاح من مضمونه. فلا يمكن تحقيق أي إصلاح في ظلّ بنيةٍ سياسية ومالية متشابكة تحمي نفسها من الداخل.

لو اتُخذ القرار منذ عام 2011 لكانت الكلفة أقل، وفي 2015 كانت أصعب لكنها ما تزال محتملة. أما في 2018 فكانت الكارثة قد بدأت، ومع ذلك كان يمكن الحدّ من آثارها. اليوم، وبعد سنوات من التأجيل، ذابت الودائع وذابت معها الثقة بالدولة وبالمنظومة المصرفية معاً.

المفارقة أن من رفعوا شعار “قدسية الودائع” هم أنفسهم من قبلوا لاحقاً بـ«قصّها» بنسبة تفوق 85%. وهم أنفسهم من أصدروا التعاميم، وأداروا السوق السوداء، ومارسوا الاحتيال المالي بتواطؤٍ كامل. ما جرى ليس أزمة تقنية، بل نتيجة جمود موازين القوى وغياب قرارٍ سياسيّ شجاعٍ يواجه المنظومة بأركانها السياسية والمالية معاً.

س: كيف تفسّرون بنية السلطة المالية – السياسية التي كرّست هذا الواقع؟

ج: منذ التسعينات، بُني في لبنان نظامٌ مركّب يقوم على ثلاث دوائر مترابطة تشكّل ما يمكن تسميته بـ”الترويكا الحقيقية” التي حكمت البلد فعلياً.

الدائرة الأولى هي أمراء الطوائف والمتعهدون الكبار الذين أمسكوا بالسلطة السياسية والإدارية، واحتكروا القرار من خلال شبكات الزبائنية والمحاصصة.

الثانية، المصارف التي تحوّلت تدريجياً إلى الشريك المالي للمنظومة، فموّلت الدولة بشروطها، وشاركت في صناعة القرار الاقتصادي بما يتجاوز صلاحياتها الطبيعية.

أما الثالثة، فهي الصناديق والمجالس الخاصة — كمجلس الإنماء والإعمار وصندوق المهجرين وغيرهما — التي شكّلت الغطاء التنفيذي والتمويلي للنظام، ووفّرت له القنوات اللازمة لتقاسم المشاريع والموارد خارج أي رقابة مؤسسية.

ولكي تكتمل المعادلة، احتاجت هذه المنظومة إلى غطاءٍ سياسي خارجي، أولًا عبر الوصاية السورية، ولاحقاً عبر شبكة من التحالفات الإقليمية والدولية التي ضمنت بقاءها واستقرارها. كما عزّزت سيطرتها عبر التحكم بالقضاء والأجهزة الأمنية، فجمعت في يدها السياسة والمال والأمن، وحوّلت الدولة إلى واجهة شكلية تُدار من خلف الستار.

نحن نتحدث عن ما يزيد على 250 مليار دولار صُرفت منذ التسعينات حتى اليوم — أموال تكفي للنهوض بثلاث دول بحجم لبنان، لكنها تبخّرت في منظومةٍ صُمّمت لتعيد إنتاج ذاتها جيلاً بعد جيل. هذه ليست مصادفة، بل بنية سلطة محكمة تقوم على تواطؤ المصالح وتبادل الحماية بين المال والسياسة والطائفية.

س: في ضوء هذا التشخيص، أين ترون مدخل الخلاص؟

ج: مدخل الخلاص لا يكون عبر مسارٍ واحد، بل من خلال استعادة السلطة بمساراتٍ متوازية ومتكاملة: سياسية، تشريعية، ومجتمعية. فالانتخابات النيابية عام 2022 كانت محاولة لكسر حلقة الهيمنة، لكنها لم تتحوّل إلى مشروع متكامل لأن التجربة حينها كانت إلى حدٍّ كبير ارتجالية نتيجة الهزيمة السياسية السابقة وتشتت القوى التغييرية.

الهيمنة الحقيقية تبدأ من المجلس النيابي، لأنه مركز إنتاج الشرعية السياسية في أي نظام. ومن هنا، المطلوب دائرة متكاملة:

  • قانون انتخابي عادل يُعيد توزيع التمثيل على أسسٍ وطنية لا طائفية،
  • حياة سياسية سليمة تتيح المنافسة بين مشاريع لا بين زعامات،
  • أحزاب غير طائفية تمتلك برامج واضحة تدخل المجلس لتنفيذها لا لاستهلاك الخطاب.

صحيح أن بعض النواب التغييريين قدّم أداءً جيداً وحافظ على مصداقيته، فيما انشغل آخرون بردّات الفعل “وبقي اجر بالبور واجر بالفلاحة” بدل الدفع نحو مشروعٍ بديلٍ ومنظَّم. لكن ما جرى يظلّ خطوة ضرورية في مسارٍ أطول: تجربة أولى كشفت الثغرات، لكنها أيضاً أثبتت أن التغيير ممكن متى تحوّل من ردّ فعل إلى مشروع سياسي واضح وفعلٍ سياسيٍّ منظّم يستند إلى قاعدةٍ شعبية ومؤسساتية حقيقية.

س: هناك من يقول إن من يدخل المنظومة يغرق بطباعها. هل توافقون؟

ج: ليس بالضرورة. المسألة لا تتعلّق بالموقع بل بالموقف والنية التي يدخل بها المرء إلى هذا الموقع. كثيرون يعتقدون أن الحلّ هو في استبدال الوجوه، لكن التجربة أثبتت أن المشكلة أعمق من ذلك. الخطأ الشائع أن الناس يصنّفون السياسيين بين “صالحين” و”فاسدين” أو بين “مجتهدين” و”مقصّرين”، وكأن الأمر مسألة كفاءة فردية. بينما الحقيقة أن المعيار ليس الكفاءة بل المشروع الذي تُسخَّر له الكفاءة.

خذ مثلاً نبيه بري — لا أحد يشكّ في ذكائه أو قدرته على إدارة اللعبة السياسية، لكنه كفوء في خدمة مشروعه ضمن نظام أمراء الطوائف. هذه هي المفارقة: فالكفاءة حين تُسخَّر ضمن منظومةٍ مغلقة تصبح وسيلةً لإعادة إنتاجها لا لكسرها.

الدخول إلى السلطة لا يعني بالضرورة الانغماس فيها والخضوع للنهج القائم، لكنّ البقاء نزيهاً داخلها يحتاج إلى مشروع واضح المعالم، قاعدةٍ شعبية داعمة، وشجاعة ورسوخ بالمواقف. دون هذه العناصر، يتحوّل النائب أو المسؤول إلى جزءٍ من المشهد الذي جاء ليغيّره.

س: إذاً، ما المطلوب لبناء بديل فعلي؟

ج: البديل لا يُبنى على الغضب وحده، بل على مشروع وطني متكامل يستند إلى قاعدةٍ اجتماعية واسعة وشخصيات تمتلك وضوح الرؤية وصلابة الفكر. ما نحتاج إليه اليوم هو الانتقال من معارضة النظام إلى بناء البديل للنظام، أي إلى طرحٍ سياسيٍّ واقعيٍّ يجيب عن أسئلة الناس لا عن شعاراتهم فقط.

المشكلة أن معظم القوى المعارضة ما زالت متفقة على “ضدّ من”، لكنها عاجزة عن الاتفاق على “مع من” و”من أجل ماذا”. هذا الانقسام، إلى جانب تضخّم “الأنا” داخل الصف التغييري، وخلافات بعض المجموعات حول الحدّ الأدنى من الحلول، يمنع تشكّل جبهةٍ سياسية جدّية قادرة على خوض المواجهة بشروطها الخاصة.

إضافةً إلى ذلك، ما زالت السلطة قادرة، بفضل مواردها وإعلامها ونفوذها، على اختيار خصومها وتفصيل معاركها كما تشاء. لذلك، المطلوب اليوم بناء حالة سياسية منظّمة تتجاوز ردّ الفعل إلى الفعل، تستثمر التجربة السابقة لتصويب المسار، وتقدّم خطاباً وبرنامجاً مقنعين للناس.

البديل لا يولد من الفراغ، بل من تنظيم الإرادة الشعبية حول مشروعٍ واضح ومؤسساتٍ قادرة على تحصينه. وعندما تتوافر هذه العناصر، يصبح التغيير مسألة وقت لا أمنية.

س: كيف تصفون حال الحركة الاعتراضية اليوم؟

ج: الحركة الاعتراضية تمرّ بمرحلة إعادة تموضع ونضج أكثر منها أزمة. فيها الكثير من الطاقات الصادقة، لكن أيضاً قدر من التشتّت والازدواجية. هذه الحالة الرمادية هي التي تمنع التغيير من أن يتحوّل إلى فعلٍ سياسي فعلي.

ما تحتاجه الحركة اليوم ليس مزيداً من الشعارات، بل وضوحاً في الاتجاه والخيارات: من يريد المواجهة عليه أن يبني أدواتها السياسية والتنظيمية، ومن يختار التسوية عليه أن يعلن موقعه بوضوح. هذه الصراحة لا تفرّق الصفوف، بل تنظّمها وتحصّنها.

ورغم كلّ الصعوبات، يبقى ما يميّز هذه اللحظة هو تراكم الوعي والخبرة داخل صفوف التغيير. التجارب الماضية، بكل ما فيها من نجاحات وإخفاقات، أوجدت جيلاً جديداً أكثر واقعية وأشدّ إدراكاً لتعقيدات المواجهة. هذا الجيل هو القادر على تحويل الاعتراض إلى مشروعٍ سياسيٍّ مستدام، وعلى بناء المسار الذي يُعيد للناس ثقتهم بإمكانية التغيير من داخل اللعبة، لا من خارجها.

س: هل تعتقدون أن هناك إمكانية حقيقية لتغيير المنظومة الحالية أم أنها متجذرة وتعرف ما تريد؟

ج: المنظومة الحاكمة في لبنان تبدو متماسكة ظاهرياً، لكنها في الواقع تعيش مرحلة تفكّكٍ بطيء. فلو كانت قادرة على أداء وظائفها لما ظهرت قوى معارضة داخل البرلمان، ولا نشأت مساحات سياسية واجتماعية مستقلة خارجها. ما نعيشه اليوم ليس صراع بدائل متكافئة، بل صراع بين منظومة فقدت قدرتها على الحكم ومجتمعٍ لم يكتمل بعد مشروعه للبديل.

ستتفكك هذه المنظومة بفعل عجزها عن إدارة النظام الذي أنشأته، لكن التحدي والسباق مع الوقت أن البديل لم يفرض نفسه بعد. هذا البديل لا نريده شكلياً أو تجميلياً، بل مشروع دولةٍ حقيقي يعيد الاعتبار إلى فكرة المواطنة، ويعبّر عن مصالح الناس ونظام حكم جديد يقوم على الكفاءة والمساءلة.

وإلا فالمآل سيكون تفككاً وتشظّياً وانهياراً تاماً، ومنطقُ ظهور “زعاماتٍ” أكثر — ما يعني تحويل ستة أمراء كبار إلى ستين أميراً صغيراً يعيدون إنتاج المنظومة ذاتها بمنطق المحاصصة والفساد.

لكن رغم هذا الواقع، تتكوّن اليوم ملامح وعيٍ جديد داخل المجتمع اللبناني. الوعي الذي راكمته التجارب السابقة، من الشارع إلى صناديق الاقتراع، هو الذي يمكن أن يُنضج البديل المنشود — لا عبر المعجزة، بل عبر بناءٍ تدريجيّ منظم لمشروع دولةٍ واحدة لكل مواطنيها.

س: هل تخشون تدخلاً خارجياً يبقي هذا الوضع لغايات إقليمية؟

ج: نعم، هذا هاجس حقيقي. لبنان يُستخدم اليوم كـ”مختبر سياسي” في لعبة الأقطاب الإقليمية والدولية. والسؤال الجوهري: هل نملك قرارنا أم يُرسم دورنا من الخارج؟ حين ترتبط الدولة بمحاور متناقضة وتفتقد قراراً موحّداً، تفقد قدرتها على صياغة سياسة خارجية أو رؤية استراتيجية. لا يمكن لدولةٍ منقسمة على نفسها أن تحدّد موقعها في العالم.

س: هل للخطر الداخلي دور في دفع اللبنانيين إلى الهجرة كحل لهذا الخوف؟

 ج: للأسف، الهجرة تحوّلت إلى إجابة شائعة لكنها خطيرة. السفينة تغرق، والمواطنون يقفزون منها بينما الطبقة السياسية ما زالت منشغلة بترتيب المقاعد على “التايتنك”. هذه اللامبالاة تولّد فراغاً مرعباً: إن لم نبدأ ببناء قوارب نجاة داخل البلد، فسنستفيق يوماً على واقعٍ لا يبقى فيه ما يستحقّ البقاء أو حتى التقاسم.

س: كناشط سياسي، هل ترون أثراً قريباً لقوارب النجاة هذه؟

ج: أنا “مجبور” و”مجبول” بالأمل. لكن الأمل وحده لا يكفي؛ فهو يحتاج إلى شجاعةٍ وإجاباتٍ صريحة على أسئلةٍ صعبة. مأساة عام 2022 أنّ الجهات المعترضة لم تُظهر شجاعةً كافية في التعامل مع اللحظة، فارتدت “قفّازات” الهواجس الطائفية والمخاوف من التحوّلات الإقليمية والسياسة الخارجية، ففشلت في تقديم إجاباتٍ جوهرية للناس.

جزءٌ كبير من الشباب الذين صنعوا 17 تشرين هاجروا، والفئات الشابّة التي بقيت تقلّصت عدداً وقدرةً. إقليمياً، تغيّرت معادلات القوة: من سقوط النظام الأسدي في سوريا، إلى تمدّد نفوذ حزب الله، وسقوط توازناتٍ إقليميةٍ كانت قائمة بعد تبعات السابع من أكتوبر. وداخلياً، تغيّر حكم الناس على التجربة — الناخبون اليوم يسألون: ماذا فعل نواب التغيير؟، وشعور الخيبة يرافق كثيرين، فيما إعلام السلطة يستثمر في تعميق هذه الأحكام. لكن في الوقت نفسه، يذكّرنا ذلك بأنّ التغيير الحقيقي لا يُنجز دفعةً واحدة، بل عبر تراكم التجارب وتصحيح الأخطاء.

س: هل ستكون تحالفاتكم اليوم كما في الانتخابات الماضية؟

ج: الواقع تغيّر، وكذلك قراءاتي له. هناك تجربة للحكومة الحالية، وقانونٌ انتخابيّ غير عادلٍ يشوّه المنافسة ويعيد إنتاج المنظومة. هذا القانون بحدّ ذاته مؤشّر خطير: هل سنقبل بتذويب أكثر من مليون مغترب بستة مقاعد على أساسٍ طائفي؟ هذا كابوس سياسي وأخلاقي.

تضمين المغتربين في العملية الانتخابية يجب أن يكون على أساس آليات واضحة وعادلة، لا أن يُترك لموازين القوى والأحزاب التي تمتلك المال والقدرة على حشدهم ونقلهم بالطائرات. المطلوب ليس فقط تغيير القانون، بل إعادة الاعتبار لمبدأ المساواة في التمثيل، داخل لبنان وخارجه، لأن أيّ إصلاحٍ سياسيّ يفقد معناه إن لم يبدأ من عدالة النظام الانتخابي نفسه.

س: ما أبرز الأمور التي كنتم ستعملون عليها لو حالفكم الحظ ودخلتم المجلس النيابي؟

ج: كنت سأعمل أولًا على منع حالة الغربة بين الناخب والنائب، لأن هذه الغربة قاتلة سياسياً وأخلاقياً. النائب مكلَّف بتمثيل الناس لا نفسه، وعندما يتغرّب عن مصالحهم يبدأ حتماً بخدمة مصالحه الخاصة. هذه القطيعة هي التي عمّقت الإحباط العام، وأفقدت المجلس القدرة على بلورة رؤيةٍ تعبّر فعلاً عن اللبنانيين.

ثانياً، كنت سأحرص على تقديم بدائل حقيقية عند كل مفترق تشريعي، وربطها دائماً بجوهر المسألة: دولة للجميع لا لسلطة أمراء الطوائف، ربما ما ندر في التجربة الأخيرة هو هذا الربط بين التشريع والمعنى السياسي، أي بين النصّ والمشروع.

وعلى المدى الأوسع، كنت سأعمل على بناء حالة سياسية مرافقة للعمل النيابي — أي تأسيس قاعدة شعبية وامتداد تنظيمي متين، بالتشبيك مع الفئات المنتجة والقوى الحيّة في المجتمع. من دون هذا الالتصاق بالناس، لا وزن لأي نائب مهما علا صوته أو اتّسعت شعاراته.

س: من الأقرب إليكم اليوم سياسياً؟

ج: ما زلت مقتنعاً بأن وجود كتلة إصلاحية داخل المجلس هو ضرورة لا ترف، كتلة يكون همّها ترسيخ شرعية الدولة لا ترميم سلطة المحاصصة. فالمسار النيابي بالنسبة إليّ أداة من أدوات التغيير، لا غايته النهائية، وأي شخص أو جهة تتقاطع معي على هذا الهدف أرى من المفيد التعاون معها.

أعمل اليوم مع شخصيات سياسية من مناطق مختلفة على صياغة برنامج مشترك بالحدّ الأدنى، يحدّد الأولويات الوطنية ويفتح الطريق أمام مقاربة جدّية للمرحلة المقبلة. أما نواب التغيير الحاليون، فالتجربة هي التي تتحدث عنهم: بعضهم نجح في اختبار الأداء، وبعضهم خذل ناخبيه، وهذا طبيعي في أي تجربة ناشئة ما زالت تتعلّم وتراجع أدواتها.

 س: المسألة الدرزية كيف تنظرون إليها اليوم؟

ج: المسألة الدرزية لا تُختزل ببعدها الطائفي أو الفئوي، بل هي جزء من أزمةٍ أوسع تطال إدارة التعددية في أنظمتنا السياسية. هي مرآة لأزمة المشرق بأسره في كيفية التعامل مع تنوّعه التاريخي والثقافي، بين من يرى في التعددية مصدر غنى، ومن يراها تهديداً يجب ضبطه.

لا يوجد في الأصل ما يُسمّى “أقليات” بالمعنى الدارج، فهذه الجماعات لم تأتِ من الخارج، بل هي من صلب هذه الأرض، صنعت تاريخها وأسهمت في بناء أوطانها. ومن هنا تأتي أهمية صون كل مكوّن — من الدروز إلى المسيحيين والأكراد وسواهم — عبر نظام سياسي عادل، واقتصاد منتج يمنح الجميع شعور الانتماء الكامل والمشاركة الفعلية في القرار الوطني.

السلطة الانتقالية في سوريا مثال واضح على الأنظمة الطاردة التي تحتضن التطرّف وتقمع المختلف. أهالي السويداء لم يطالبوا بالانفصال، بل بدولةٍ عادلةٍ تعترف بحقوقهم وكرامتهم، بعد سنواتٍ من التهميش والقمع والتجويع. المجازر التي ارتُكبت بحقهم لا تُبرَّر بشعارٍ ولا بعلمٍ رُفع في لحظة غضب، ولا تسقط عن النظام مسؤوليته عن حماية مواطنيه. ما يطالب به الناس هناك هو أبسط حقوق المواطنة: الأمن، الشراكة، والمحاسبة.

نحن أمام سؤال جوهري: هل نريد دولة حديثة تحتضن جميع أبنائها وتبني شرعيتها على المواطنة، أم إماراتٍ عشائرية متناحرة تستنسخ منطق القوة والانقسام؟ الخيار واضح. الدولة الحديثة التي تحتضن التعددية في ظل نظام لامركزي — دولة القانون، والعدالة، والاقتصاد المنتج — هي وحدها القادرة على حماية هذا التنوّع وصون كرامة الجميع.

أما في ما يخصّ سوريا، فنحن نأمل أن تجد طريقها إلى السلام والاستقرار، لأن استقرارها شرطٌ لاستقرار لبنان والمنطقة. فكما قيل: إذا عطست سوريا، أُصيب لبنان بالزكام —وهذه ليست مبالغة بل واقع جغرافي وتاريخي وسياسي متشابك.

س: لماذا لجأتم إلى السعودية بعد أحداث السويداء؟

ج: لا يمكن فصل ما جرى عن المشهد الإقليمي. فالمنطقة اليوم تشهد إعادة تموضعٍ بين قوى أساسية — إسرائيل وتركيا وإيران والسعودية — لكلٍّ منها نفوذه واستراتجيته. وإذ استباحت إيران ما استباحت وانحصر دورها، ولم تكن إسرائيل يوماً وسيطاً يمكن الركون إليه، برزت السعودية كقوةٍ عربيةٍ وازنة تسعى إلى إعادة التوازن في المشرق.

ولأن نظام الشرع طرفٌ في المشكلة لا في الحلّ، كان من الطبيعي أن نتوجّه إلى الجهة العربية الوحيدة القادرة على التأثير في التوازن الإقليمي. التوجه إلى السعودية لم يكن اصطفافاً، بل محاولة لفتح نافذةٍ عربيةٍ تعيد الاعتبار للمبادرة السياسية في سوريا وتحمي الأبرياء وتحدّ من مشاريع الهيمنة والتفكك التي تضرب المشرق من أطرافه.

س: قلقون على مستقبل المنطقة؟

ج: نعم، أنا قلق، لكن القلق ليس ضعفاً بل دافعاً للمسؤولية. ما نواجهه اليوم هو مشروع تفكيك واستبداد وهيمنة يضرب ركائز المشرق، ويحوّل المجتمعات إلى جماعاتٍ خائفة تبحث عن حمايةٍ بدل أن تبني دولتها. الردّ على ذلك لا يكون بالشعارات، بل بدولٍ عادلةٍ تحترم التعددية وتبني شرعيتها على المواطنة لا العصبية. حين يشعر المواطن أن دولته تحميه وتمنحه حقه بغضّ النظر عن طائفته أو منطقته، يبدأ الاستقرار الحقيقي.

المكونات جميعها مهدَّدة — من دروز وعلويين وأكراد وحتى السنة وسواهم — لأن ضعف الدولة يجعلها وقوداً في صراعات الآخرين. والتجربة العراقية خير دليل على أن غياب الدولة الجامعة يفتح الباب للفوضى والانقسام.

لكن رغم كل ذلك، يبقى رهاني على المسار الاجتماعي والثقافي الذي صان هذا التنوع لقرون، وعلى إمكانية الدخول في مرحلةٍ جديدة من الحداثة السياسية عبر دولةٍ لامركزيةٍ ديمقراطيةٍ تحترم التعددية وتمنح المناطق الحق في التعبير والمشاركة ضمن وحدة الدولة.

قد تكون الطريق طويلة، لكنها الوحيدة القادرة على أن تعيد للمشرق معناه، وللبنان دوره، وللإنسان العربي كرامته في وطنٍ يليق به.

 

مقالات الكاتب

كارين عبد النور

صحافية وكاتبة لبنانية، حاصلة على شهادة في الرياضيات الأكتوارية. تعمل في مجال الإدارة المالية والمؤسسات التربوية في لبنان. تتمتع بخبرة صحافية حيث تميزت بكتابة التحقيقات خاصة الاستقصائية منها.