مروان البرغوثي واحد من القلائل الذين ظلّوا على العهد؛ رجلٌ خرج من رحم الانتفاضة الأولى، من الشوارع الترابية في رام الله، ليصنع أسطورته الخاصة لا كزعيم حزبٍ أو قائد ميليشيا، بل كإنسانٍ يؤمن بالحرية وبحقّ الفلسطيني في الحياة قبل النصر. هو رقمٌ صعب في أيّ معادلة سياسية، اسمٌ يُخيف المحتل ويُحرّك الشارع، حتى وهو خلف القضبان منذ أكثر من عقدين.
منذ أيام، أعلنت إسرائيل مجددًا أنّ مروان البرغوثي لن يُفرج عنه في أي صفقة قريبة لتبادل الأسرى، وأنّ اسمه “خارج النقاش”. لكن ما الذي يجعل هذا الرجل المختلف عن الآخرين يُثير كل هذا القلق في أروقة الأمن والسياسة في تل أبيب؟ ربما لأنّ البرغوثي لم يكن يومًا مشروع قنبلة أو انتحاريًا، بل مشروع دولةٍ فلسطينية علمانية ديمقراطية. ولأنّ صوته كان ولا يزال نداءً للعقل لا للبندقية وحدها، ولأنّ فكره لا يمكن أن يُسجن حتى لو أُغلقت عليه كل الزنازين.
مروان البرغوثي، ابن الانتفاضة الأولى، ووجه الانتفاضة الثانية، لم يكن مجرد مقاتلٍ في التنظيم أو مسؤولٍ ميداني. لقد كان الضمير الجمعي للفلسطينيين في لحظةٍ فقد فيها الجميع البوصلة. ولد في قرية كوبر قرب رام الله عام 1959، وانضم إلى حركة فتح في سنٍّ مبكرة. عرف السجن منذ شبابه، وكان من أبرز من صاغوا الخطاب الجديد للحركة الوطنية الفلسطينية؛ خطاب يؤمن بالمقاومة، لكنه لا يُقصي الحوار، ويعانق حلم الدولة لا حلم الفناء.
ليس سرًّا أنّ مروان البرغوثي لم يكن إسلاميًا، بل رجلًا علمانيًا بمعنى إنسانيٍّ عميق. في رؤيته، لم تكن فلسطين مشروعًا دينيًا أو جغرافيًا فحسب، بل كيانًا أخلاقيًا وروحيًا يحق لكلّ من يعيش على أرضها أن ينتمي إليه. كان يرى أنّ المعركة ليست بين ديانات، بل بين حريةٍ واحتلال، بين كرامةٍ وقهر. من هنا كان خطره على المنظومة الصهيونية أكبر من خطر المقاتل المسلح، لأنّ كلماته كانت قادرة على توحيد المختلفين، وعلى تخليص القضية من طابعها الفصائلي الضيق.
حين يتحدث البرغوثي، فإنّ لغته تخرج من مدرسة الوعي. لا يزرع الكراهية في القلوب، بل الإصرار. لا يدعو إلى الموت، بل إلى الحياة الكريمة. إنه من طينة أولئك الذين يرون أنّ المقاومة فعلُ حبٍّ للحياة، لا هوسًا بالفناء.
في العام 2002، خلال الاجتياح الإسرائيلي للضفة الغربية، اعتُقل مروان البرغوثي بعد أن تحوّل إلى رمز الانتفاضة الثانية. لم يكن يختبئ في الأنفاق، بل يعيش بين الناس. كانت إسرائيل تعرف أنّ القبض عليه سيكون ضربة رمزية تفوق في أثرها اعتقال أي قائدٍ عسكري. قدّمته للمحاكمة أمام محكمةٍ إسرائيلية بتهمة “المسؤولية عن مقتل مدنيين”، وحُكم عليه بخمسة مؤبدات. لكنّ الرجل الذي أرادوا إسكاته صار أعلى صوتًا وهو في السجن.
من زنزانته، كتب رسائل تعبق بالأمل، دعا فيها إلى وحدة الصف الفلسطيني، إلى إنهاء الانقسام بين “فتح” و”حماس”، وإلى تجديد المشروع الوطني على أسسٍ ديمقراطية. ولذلك بات صوته مصدر إزعاجٍ لكل الأطراف، لا للاحتلال وحده، بل حتى للبعض في الداخل الفلسطيني الذين يخشون عودته السياسية.
إنه رجل لا ينتمي إلى ماضٍ سياسي بقدر ما ينتمي إلى ضميرٍ شعبيٍّ متجدد.
في كل صفقة تبادل أسرى، يُطرح اسم البرغوثي ثم يُسحب. وفي كل هدنةٍ، يُعاد السؤال ذاته: لماذا الإصرار الإسرائيلي على إبقائه؟ الجواب بسيط في جوهره، معقّد في نتائجه: لأنّ مروان ليس أسيرًا عاديًا، بل قائدٌ محتمل لدولة. فخروجه من السجن قد يخلط أوراق الجميع، لأنه يحمل شرعية لا يمكن تزويرها: شرعية النضال والتضحيات. فهو لا يحتاج إلى ماكينة إعلامية أو تمويل سياسي، لأنّ وجهه في الشارع الفلسطيني هو وجه الأمل والبساطة والنقاء.
إسرائيل تدرك أنّ إطلاق سراحه يعني إطلاق طاقةٍ وطنية جديدة، وربما إعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني من الداخل. وهي تعلم أنّه لو خاض الانتخابات اليوم من زنزانته، لفاز بأغلبيةٍ واسعة. لهذا السبب، تُصر على إبقائه في الظل، خلف القضبان، لأنّ حضوره يهدد سردية الاحتلال التي تحاول تصوير الفلسطينيين إمّا كإرهابيين أو كعملاء.
بعيدًا عن السياسة، يبقى مروان البرغوثي إنسانًا يحمل ملامح كل فلسطيني. زوجٌ وأبٌ وأستاذ جامعي سابق، يحلم مثل أي إنسانٍ بحياةٍ بسيطة، لكنه لم يُساوم على كرامته. في السجن، يزرع الأمل بين الأسرى، يعلّمهم القراءة والكتابة، ويؤسس مكتبات صغيرة بين الجدران الباردة. حين يكتب، يشعر القارئ أنّه يكتب من أجلهم جميعًا: من أجل الأمهات اللواتي ينتظرن أبناءهن، ومن أجل أطفال المخيمات الذين لم يروا البحر بعد.
البرغوثي لا يعيش خلف الأسوار فقط، بل يعيش في ذاكرة الفلسطينيين ووجدانهم. كلّ حجرٍ في الضفة يعرف اسمه، وكلّ زنزانةٍ في سجون الاحتلال تحمل صدى صوته. حتى خصومه السياسيون لا يستطيعون إنكار أنه رمزٌ حقيقي، لا صُنع الإعلام ولا الممولين، بل صُنع الألم والإصرار.
اليوم، يعود اسمه من جديد إلى السطح، كأنّ التاريخ لا يملّ من استدعائه في اللحظات المفصلية. منذ اندلاع الحرب الأخيرة وما تبعها من حرب إبادةٍ ضد الشعب الفلسطيني، تحاول إسرائيل أن تُغلق كل الأبواب السياسية. لكنّ وجود البرغوثي في السجن يذكّر الجميع بأنّ المعادلة لم تكتمل بعد، وأنّ أيّ هدنةٍ أو تسويةٍ لن تكون مستقرة ما دام رمزٌ بهذا الحجم خلف القضبان.
لقد أدرك الفلسطينيون أن المعركة ليست فقط على الأرض، بل أيضًا على المعنى. ومروان، بمعناه العميق، هو تجسيدٌ لفكرة أن الحرية ليست هديةً من أحد، بل ثمرة وعيٍ وتضحية. وحين تتحدث إسرائيل عن “هدنةٍ طويلة الأمد” أو “صفقاتٍ إنسانية”، فإنّها تدرك أن الإنسان الحقيقي الذي يمكن أن يمنح تلك الهدنة شرعيتها الأخلاقية، ما زال في الزنزانة رقم (28).
في كلّ مرةٍ يشتعل فيها النقاش حول القيادة الفلسطينية الجديدة، يُذكر اسمه كبديلٍ محتمل يوحّد “فتح” و”حماس”، ويعيد القضية إلى مسارها الطبيعي: نحو الدولة، لا نحو الفصائل. لهذا السبب تحديدًا، لا تريد إسرائيل أن تراه حرًّا، ولا يريد بعض القادة في الداخل أن يسمعوا صوته من جديد. إنه الخطر الذي يجمع الأضداد: العدوّ يخشاه لأنه صادق، والصديق يخافه لأنه نقيّ.
ربما يكون الزمن قد طال، وربما تغيّرت الخريطة السياسية، لكنّ فكرة مروان ما زالت حية. إنه تذكير دائم بأنّ الحرية ليست موقعًا في السلطة، بل حالة وعيٍ وموقف. وكلّ من يؤمن بالعدل، في فلسطين أو في أي مكان، يرى في صورته خلف القضبان صورةً للإنسان الذي لم يستسلم. فالأوطان تُبنى على أمثال هؤلاء الذين يزرعون في القلوب شجرة الأمل، لا على الذين يبيعونها في أسواق السياسة.
في النهاية، قد تبقى القضبان شاهدةً على صموده، لكنّها لن تمنع صوته من الوصول.
إنّ التاريخ، كما كتب ذات يوم، لا يُصنع في القصور بل في الزنازين، حيث يتقاطع الألم بالكرامة، وتُولد الحرية من رحم المعاناة.

محمد سعد عبد اللطيف
كاتب مصري وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية. يتناول الشأن السياسي والثقافي كما القضايا العربية والتاريخ. يتميز بأنه يجمع بين الشعرية والنقد.
