يعدّ البحر المتوسط حوضاً مائياً ضيقاً، تحيط به ثلاث قارات، لكنه يشكل في الوقت نفسه مرآة مكبرة لاختلالات كوكب الأرض بأكمله، إذ تحول إلى نموذج مكثف للأزمات البيئية العالمية. فبين تغير المناخ، واستنزاف الموارد السمكية، وتدهور الموائل البحرية، وارتفاع الملوحة والحرارة، وتزايد الأنواع الغازية، يعيش المتوسط اليوم أعمق مرحلة من الضغط البيولوجي في تاريخه الحديث.
وبفضل مساحته المحدودة نسبياً، وانغلاقه الجغرافي وكثافة الساكنة على سواحله، إضافة إلى تراكم الأنشطة البشرية، بات هذا البحر حالة دراسة فريدة لفهم الاتجاه الذي يسلكه العالم. كل تفصيل في هذا البحر يروي قصة أوسع. قصة مناخ يخرج عن السيطرة، وتدهور بيئي يتسارع، وموارد تتناقص، وقرارات تتأخر رغم وفرة المعرفة العلمية.
وإذا كان العالم كله يقرع ناقوس الخطر بشأن مستقبل المحيطات، فإن الوضع المتوسطي يبدو أكثر إلحاحاً، بفعل هشاشة النظام البيئي، وضيق المساحة، وكثافة الاستغلال عبر قرون.
على مدى عقود، تتابع الهيئات العلمية المتخصصة تطور البيئة البحرية لهذا الحوض الذي كان يوصف يوماً بأنه مفترق طرق للحضارات، فأصبح اليوم مفترق طرق للأزمات.
وتشير أحدث التقييمات، التي بلغت مستوى غير مسبوق من الدقة، إلى أن البحر المتوسط يمر بمرحلة انتقالية حادة، تتسم بتغيرات سريعة في هيكله البيولوجي وموارده الأساسية. و مع الارتفاع المستمر في درجات حرارة المياه، تضيق نطاقات عيش العديد من الأنواع بينما تغزو أنظمة غريبة بيئته، مما يعطل توازنه الإيكولوجي بعمق.
ومع ذلك، فإن ما تنتجه المختبرات ومؤسسات البحث نادراً ما يتحول إلى قرارات. فما تزال الفجوة واسعة بين المعرفة العلمية ومراكز القرار السياسي، ويعمق هذا الانقسام الرأسي هشاشة وضع البحر المتوسط ويضخم أزماته. يتقدم العلم، لكن الالتزام السياسي يظل هشاً. و تتراكم التقارير، لكن السياسات تتأخر. والمفارقة صارخة. فالبحر الذي يعدّ من أكثر بحار العالم دراسة، يظل في الوقت نفسه من أكثرها تعرضاً لضغوط كان يمكن تفاديها لو أن الإرادة السياسية سارت بوتيرة إنذارات العلم.
في قلب هذه الصورة المعقدة، يشكل عمل اللجان العلمية حجر الزاوية في تقييم حالة الأرصدة السمكية ومراقبة تحولات البيئة البحرية. فقد طورت هذه اللجان في السنوات الأخيرة أدوات متقدمة تعتمد على قواعد بيانات ضخمة، ومعالجات إحصائية دقيقة، وأنظمة مراقبة حديثة، مما جعل تقاريرها مرجعاً لا غنى عنه لفهم الحالة البيولوجية للبحر المتوسط.
وتكشف أحدث التحليلات وضعاً بيولوجياً مقلقاً للأرصدة السمكية، على الرغم من ظهور بعض علامات التحسن المحدودة. إذ شملت التقييمات الحديثة أكثر من أربعة وتسعين رصيداً سمكياً، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ المنطقة. ومع ذلك، لا يزال نصف هذه الأرصدة يستغل فوق قدرته، خصوصاً الأنواع القاعية، التي يجعلها نموها البطيء ودورة حياتها الطويلة شديدة القابلية للانهيار. أما الأنواع السطحية الصغيرة، كـ”الأنشوبة” (Anchoa) أو السردين، فتظهر أوضاعاً متفاوتة بين الأحواض الفرعية. إذ تشهد بعض المناطق تحسناً ملحوضاً بينما يشهد غيرها تراجعاً لافتاً.
وتجسد هذه الصورة المركبة طبيعة البحر المتوسط ذاته، حيث تتفاعل العوامل البيئية مع الضغوط البشرية لتشكل مشهداً بالغ التعقيد. فاحترار المياه يعيد تنظيم السلاسل الغذائية ويغير سلوك الأنواع وإيقاعاتها التناسلية، فيما يواصل الصيد المكثف استنزاف الأرصدة السمكية غير القادرة على تحمل هذا الضغط المتزايد. وفي الوقت ذاته، يهدد توسع الأنشطة الساحلية والبحرية مواطن شديدة الحساسية مثل المروج البحرية والشعاب المرجانية العميقة. ومع تعاظم التحولات المناخية العالمية، يبدو البحر المتوسط غارقاً في تحد متعدد الأبعاد لا يمكن مواجهته إلا برؤية إقليمية مشتركة تتقاطع فيها المعرفة العلمية مع السياسات البيئية الفاعلة.
تشكل البيانات في هذا السياق العمود الفقري للجهد العلمي. فقد تلقت اللجان، خلال العام الماضي، أكثر من 138 تقريراً وطنياً، وهو ما أتاح تحديث قواعد البيانات وإنتاج تقييمات أكثر شمولاً. ومع ذلك، ما تزال بعض الثغراث قائمة. إذ تعاني بعض البلدان من محدودية قدرات المراقبة، مما يؤثر على دقة النماذج العلمية ومتانة التوصيات الموجهة إلى صانعي القرار.
ورغم هذا التفاوت، بدأت التحسينات الرقمية في أنظمة المتابعة تؤتي ثمارها. فقد جرى اعتماد منصات موحدة لإدارة البيانات، كما ساهمت أدوات التتبع الإلكترونية في تحسين جودة المعلومات وتسريع تحليلها. وقد مكّن هذا التطور من تشكيل صورة أدق لحالة الأرصدة السمكية، وإن ظل تنفيذ هذه التقنيات متفاوتاً بين البلدان على المستوى الوطني.
لكن الشرخ الحقيقي ليس علمياً ولا تقنياً. إنه شرخ في اتخاذ القرار. فما تزال التحديات السياسية والاقتصادية تقف حاجزاً أمام اعتماد خطط فعالة لإدارة المصايد. إذ تتضمن قرارات مثل تخفيض جهد الصيد أو إطالة فترات الراحة البيولوجية كلفة اجتماعية مباشرة، خصوصاً بالنسبة للمجتمعات الساحلية التي تعتمد على الصيد كمورد رئيسي. وتزيد الفوارق الواسعة بين القدرات الوطنية من تعقيد التنسيق الإقليمي، ما يجعل تطبيق رؤية مشتركة رهيناً بدعم مالي وتقني مستمر.
وتُظهر التجارب الدولية أن تأجيل القرارات غالباً ما يكون أكثر كلفة من اتخاذها في وقتها. فالنُّظم الإيكولوجية، حين تنهار، تحتاج عقوداً لتستعيد عافيتها، إن استطاعت ذلك أصلاً. وبحكم طبيعة البحر الأبيض المتوسط شبه المغلقة، يصبح أكثر هشاشة تجاه أي تأخير إضافي. ومن هنا تبرز ضرورة تبنّي مقاربة شاملة تجمع بين حماية الأنظمة الموضعية الحساسة، والتقييم المنتظم للآثار المناخية، وتوسيع نماذج تقييم استراتيجيات الإدارة التي تسمح بمحاكاة سيناريوهات متعددة قبل اتخاذ قرارات حاسمة.
وفي هذا الإطار، يتواصل العمل لتطوير شبكة من الخبراء المتخصصين في تقييم الآثار المناخية على المصايد، بما يعكس إدراكاً متزايداً بأن المستقبل لن يكون امتداداً بسيطاً للماضي، وأن أساليب الإدارة التقليدية لم تعد كافية. وبالتوازي، يتعزّز إشراك الصيادين في جمع البيانات والمراقبة الميدانية، في محاولة لدمج المعرفة المحلية بالمعرفة العلمية، وهو نهج أثبت نجاعته في العديد من المناطق حول العالم.
ورغم هذه المبادرات الواعدة، يبقى سؤال قائم: كيف ننتقل من المعرفة إلى القرار؟ وكيف تتحول التوصيات العلمية إلى إجراءات ملموسة؟ تكمن الإجابة في تعزيز الشفافية، وتطوير القدرات الوطنية، وابتكار آليات تمويل مستدامة تساعد البلدان على تنفيذ الإدارة الرشيدة للمصايد. فالعلم يرسم الطريق، لكن الإرادة السياسية وحدها قادرة على تحويله إلى واقع ملموس.
في هذا السياق، تحدثنا مع الدكتور محمد ملولي الإدريسي، رئيس اللجنة العلمية للجنة العامة لمصايد البحر المتوسط (GFCM/FAO)، ليقدّم قراءة علمية معمّقة لأحدث التقييمات، ويوضح ما تكشفه الأرقام، وما لا يزال يتعيّن إنجازه لضمان مستقبل الأرصدة السمكية.
وتبيّن خلال الحديث حقيقة واضحة لكنها حاسمة، هي أنّ البحر الأبيض المتوسط يقف اليوم عند نقطة تحوّل. فبين نظام إيكولوجي مُنهك ومعرفة علمية تتزايد صرامتها ودقتها، لم يعد السؤال: ماذا نعرف؟ بل أصبح: ماذا نفعل بما نعرفه؟ وإلى أي حدّ تستطيع الدول تحويل المعرفة إلى إرادة، ثم تحويل الإرادة إلى فعل مستدام يضمن ألّا يفقد هذا البحر ما تبقّى من توازنه البيولوجي؟
من العلم إلى القرار… صوت الخبرة في مواجهة تحديات المتوسط
وقال الدكتور محمد إدريسي ملولي، رئيس اللجنة العلمية للهيئة العامة لمصايد الأسماك في البحر المتوسط (GFCM/FAO)، إنّ التقدم العلمي المحقَّق هذا العام يُعدّ غير مسبوق، حيث جرى تقييم 94 مخزوناً سمكياً، وهو ما يمثّل «منعطفاً تاريخياً» في مراقبة الموارد البحرية في المنطقة. وأوضح أنّ نسبة الاستغلال المفرط انخفضت من 78 في المائة عام 2013 إلى 52 في المائة عام 2023، وهو إنجاز يعكس إرادة دول المتوسط في إصلاح الوضع عبر خطط وإجراءات متعددة.
وأشار إلى أنّ هذا التحسن، رغم أهميته، لا ينبغي أن يحجب الواقع، إذ ما تزال أكثر من نصف المخزونات في وضع هش أو مفرط الاستغلال. وبيّن أنّ الاستدامة الحقيقية لم تتحقق بعد، وأن المطلوب هو الوصول إلى مستوى استغلال متوازن يضمن بقاء الموارد للأجيال القادمة.
وأوضح أنّ الأنواع القاعية (الديمرسالية) تبقى في صدارة الانشغالات، لأنها تعيش قرب القاع، وتتميّز بدورات حياة طويلة وتجدد بطيء للكتلة الحيوية. وقال إنّ حالة المرلان الأوروبي تمثّل مثالاً واضحاً على هذه الهشاشة، إذ إنّ الضغط على الصيد ما يزال يتجاوز الحدود البيولوجية الآمنة رغم الجهود المبذولة.
وأضاف أنّ الأنواع السطحية البلاغية (Pelagic fish) تُظهر تفاوتاً في المؤشرات، إذ تسجّل سمك «الأنشوبة» إشارات إيجابية، ولا سيما في شرق المتوسط، بينما يعيش السردين وضعاً مقلقاً للغاية، خصوصاً في البحر الأدرياتيكي، حيث تضعه المؤشرات البيولوجية على حافة الانهيار.
وذكر أنّ البيانات العلمية تمثّل «العمود الفقري لأي إدارة فعّالة»، مشيراً إلى أنّ الهيئة تلقت 138 تقريراً وطنياً، وأطلقت لوحات متابعة جديدة لتقييم جودة البيانات، فيما بدأت عدة دول في اعتماد الرقمنة عبر برامج مثل «Calipseo»، وهي منصة ويب مفتوحة المصدر تابعة لمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو)، ومصمّمة لمساعدة سلطات الصيد الوطنية على إدارة بيانات الصيد، وجمع المعلومات، وحساب المؤشرات الإحصائية، وإنتاج تقارير تُستخدم في الإدارة المستدامة للموارد البحرية.
وشدّد الدكتور ملولي على أنّ التفاوتات ما تزال قائمة، مؤكّداً أنّه «من دون بيانات دقيقة وموثوقة، لا يمكن اتخاذ قرارات صائبة». وبيّن أنّ بعض خطط الإدارة أظهرت نتائج مشجّعة، خاصة في وسط المتوسط، غير أنّ غياب مؤشرات اجتماعية واقتصادية قوية يبقى نقطة ضعف أساسية. وأكّد أنّ الاستدامة لا يمكن أن تكون بيولوجية فقط، بل يجب أن تراعي أيضاً واقع المجتمعات الساحلية وظروفها الاقتصادية.
وكشف المتحدث نفسه، في ما يخصّ المناطق البحرية الهشّة (VMEs)، أنّ التقدم المحقَّق «مهم لكنه غير كافٍ»، ولا سيما في جنوب وشرق المتوسط حيث البيانات ناقصة. وأضاف أنّ اللجنة العلمية أوصت بتوسيع حظر الصيد إلى ما بعد عمق 800 متر، وهي خطوة ذات فائدة بيئية كبيرة وتأثير اقتصادي محدود، وفق دراسات تجريبية أُجريت في أربعة مواقع.
وأوضح أنّ تقييم الأنواع المهددة، مثل المرجان الأحمر، يتطلّب منهجية خاصة قيد الإعداد، مع إطلاق برنامج بحثي مخصّص لهذه الفصيلة الحساسة. وأضاف أنّ تقييمات الكوريفين اكتملت، وأن الجهود تتركّز حالياً على توحيد إدارة الأساطيل التي تستخدم أجهزة تجميع الأسماك (FADs).
وأشار، في عرضه الجغرافي، إلى أنّ الوضع يختلف باختلاف المناطق: ففي الغرب توجد أنواع شديدة الاستغلال وتحتاج إلى خطط صارمة، وفي الوسط الوضع أكثر استقراراً، وفي الشرق هناك تفاوتات كبيرة بين الدول، أمّا في البحر الأدرياتيكي، فإن السردين يتراجع بسرعة مقلقة.
وقال إنّ التغير المناخي أصبح اليوم «عاملاً مباشراً» يؤثر في الإنتاجية والتوزيع، وحتى في سلوكيات بعض الأنواع، معلناً عن إطلاق شبكة خبراء متخصصة في العلاقة بين المناخ والمصايد، مع أول تجربة تطبيقية على مصايد الرنكة الصغيرة (Sprat).
وصرّح في ختام حديثه بأنّ «العلم واضح: الوضع حرج. ومن دون قرارات شجاعة وسريعة، سنفقد واحدة من أغنى البحار بيولوجيًا في العالم. البحر الأبيض المتوسط لم يعد يملك رفاهية الانتظار… العمل يجب أن يبدأ الآن قبل فوات الأوان».

محمد التفراوتي
كاتب وإعلامي بيئي مغربي، ناشط في مجال البيئة والتنمية المستدامة. يشغل منصب رئيس مركز آفاق بيئية للإعلام والتنمية المستدامة ويدير مدوّنة "آفاق بيئية"
