أدّى الموارنة، في تاريخ لبنان الحديث، أدوارًا رياديّة على كافة الصعد: السياسية، والثقافية، والاجتماعية، والاقتصادية. وبدأ دورهم هذا يتبلور أكثر فأكثر خلال الحقبة الشهابيّة، وخصوصًا مطلع القرن التاسع عشر. وقد كانت هذه النهضة نتيجة عوامل عدة، أبرزها:
- وضعت البطريركية المارونية نصب عينيها سياسة تقوم على زيادة الديمغرافيا، مستفيدةً من جملة إصلاحات وقرارات داخلية، أبرزها “شراكة الشلش”، التي تقضي بتشبيك وتشريك الفلاح بأوقاف الأديار أو الأبرشيات.
- وعليه، أصبح المزارع شريك النصف، فبات من الصعب زحزحته من أرضه، وبمفهومنا الشعبي “شلّش” كالسنديانة.
- ورأى المزارع الماروني في زيادة الإنجاب عاملًا من عوامل المساعدة له في الأرض.
- وشكّلت حينها الرهبانيات السلطة الاقتصادية للكنيسة المارونية، إذ امتلكت الهبات والوقفيات، وانتشرت على مساحة لبنان من شماله حتى جنوبه، في بقاعه وساحله وجبله، وكانت العمود الفقري للموارنة، لكونها كانت عصب الحياة بكل أبعادها.
- فهي أمّنت الأرض والتعليم والمعيشة للموارنة. ومنحتها البطريركية المارونية الدعم المعنوي، فتكاملت السلطة الرهبانية مع السلطة البطريركية الإيديولوجية، وأنتجت واقعًا مغايرًا للمعتاد.
- وأتت بنود المجمع اللبناني 1736، وخصوصًا تلك المتعلقة بإلزامية التعليم ومجانيته، أساسًا للنمو الديمغرافي والعلمي على السواء.
- وكان المجمع، مع سواه من عوامل النهضة الثقافية، نتيجة لما اصطلح عليه حينها “عالم كالماروني”، وانتشرت المدارس على كامل الوطن، فكان الموارنة روّاد النهضة الثقافية والحضارية.
هذه العوامل وغيرها مكّنت البطريرك الماروني آنذاك، يوسف حبيش (1823–1845)، الكسرواني، من تدعيم ركائز حكم ماروني، وفرض نفسه وطائفته لاعبًا أساسيًا في الإمارة. ونتيجة الواقع الديمغرافي المستجد على الساحة المارونية، تقرّب الأمير بشير من الموارنة الذين باتوا أكثرية عددية. وفي الوقت عينه، استفادت الطائفة بدايةً من هذا التقارب، فقوّت موقعها الداخلي.
تجلّت سياسة البطريرك حبيش السياسية بجملة نقاط، أبرزها:
- تحالفه مع الأمير بشير ضمنيًا (هذا الأخير سنيّ الولادة، درزيّ الحكم، مسيحيّ الوفاة) بغية تدعيم الحالة المارونية، فأمّن له الغطاء المعنوي والشعبي. وبرز في صرح الأمير دور المدبرين الموارنة، وهم بمثابة مستشارين، إضافة إلى تأثير البطريرك حبيش على الأمير بالحصول على مكتسبات عدة، منها إعادة السلطة القضائية للموارنة بعدما فقدوها مدة طويلة من الزمن، وتمكين الحالة المارونية في الجبل، وسواها من المكتسبات.
- رفع حبيش إلى السلطان العثماني عبد المجيد، في 29 تشرين الأول من العام 1840، مذكرة تضمنت 14 بندًا، طالب بإحداها جهرًا بمارونية الحاكم على جبل لبنان وأنطيليبان (البقاع)، وهي مطالبة علنية بلبنان الكبير منذ ذلك الوقت.
- متّن حبيش علاقاته بفرنسا، وحاولت النمسا مرارًا ثنيه عن الابتعاد عن فرنسا من دون جدوى، بالرغم من كل العروض المقدّمة.
- رفع البطريرك حبيش إلى الدولة الفرنسية، في صيف 1841، كتابًا تضمّن سلسلة نقاط، ومنها تجديده المطالبة بمارونية الحاكم وبحدود لبنان الطبيعية.
- تمثيل سياسي في القائمقامية المسيحية.
وسواها من التدابير والإجراءات التي قام بها هذا البطريرك الحبيشي في سبيل تدعيم الكيان اللبناني. وتوالت من بعده سلسلة الركائز المارونية، مع بطاركة وضع كل منهم بصمته. فالبطريرك يوسف راجي الخازن (1845–1854) حافظ على ما بدأه سلفه، ليأتي من بعده البطريرك بولس مسعد (1854–1890) ودعمه الضمني لثورة الفلاحين، وإطلاق مفهوم الجمهورية اللبنانية سنة 1858 لأول مرة في الشرق. ثم تمثيل الموارنة بنظام المتصرفية وتمرّسهم بالإدارة.
وتوالت الركائز، فمع البطريرك يوحنا الحاج (1890–1898)، القائل للسلطان العثماني: “قل لسلطان آل عثمان إننا جئنا إلى هذه البلاد قبلهم، وإنني أفضّل أن أترك قصري هذا (المقصود صرح بكركي) وأعود إلى سكن المغاور والكهوف على أن أتنازل عن حرية سلطتي الروحية المشتراة بدم أجدادنا”.
ونتيجة هذا النضال الوطني الماروني، استحق بطريرك الطائفة منذ القرن التاسع عشر وحتى يومنا هذا لقب “مجد لبنان أُعطي له”.
ومع البطريرك الياس الحويك (1899–1931)، ودوره في تثبيت تلك الدعائم التي بدأت مع البطريرك حبيش، جاء لبنان الكبير سنة 1920 كمحصّلة لهذا المسار والمسيرة. وبعد سنوات، وُضع الدستور سنة 1926، وكان للمفكرين الموارنة الدور البارز في إعداده.
وعلى الصعيد الاجتماعي، وجّه نداءه، بعيد اندلاع الحرب العالمية الأولى، إلى كافة مؤسسات الطائفة قائلًا: “افتحوا قلوبكم للفقراء”. فلبّى المطارنة والرهبان النداء، وفتحوا أبواب الأديار، ورهنوا من أملاك الكرسي البطريركي والرهبانيات.
ليأتي بعد الحويك البطريرك أنطون عريضة (1932–1955)، ومواقفه الجريئة بوجه الانتداب الفرنسي، وما مؤتمر بكركي الوطني في 25 كانون الأول 1941 إلا خير دليل على مسعاه لدحر الانتداب، فكانت البداية لتتجلى بوضوح في نيل الاستقلال سنة 1943، تزامنًا مع تكريسٍ لتوافق مسيحي–إسلامي.
وجاء بعده البطريرك بولس المعوشي (1955–1975)، بخضم الصراع بين الأحلاف الدولية والإقليمية وتصاعد الحركات القومية في المنطقة، فتمسّك بتحييد لبنان عن الاصطفافات الخارجية، وحرص على مبدأ التوازن والحفاظ على علاقات لبنان الخارجية. وتزامن عهده مع نهضة اقتصادية وثقافية واجتماعية شهدها لبنان، فكانت بيروت “سويسرا الشرق”، ونظرًا لدور الموارنة الريادي حينها، اصطلح على إطلاق عبارة “المارونية السياسية” على تلك الحقبة.
وحاول البطريرك أنطونيوس خريش (1975–1985) إيجاد حلول للأزمة اللبنانية في خضم الحرب الأهلية، داعيًا إلى الابتعاد عن العصبيات الطائفية، وبداية تقهقر “المارونية السياسية” الآنفة الذكر.
ومع البطريرك نصرالله صفير (1986–2011)، ومواقفه الوطنية في لبنان وخارجه، ودفاعه عن القضية اللبنانية في الداخل، وكذلك خلال زيارته الولايات المتحدة الأميركية، ونداء المطارنة الشهير في أيلول 2000 بوجه الاحتلال السوري، إلا خير دليل أيضًا على هذا التراكم السيادي. ومع البطريرك بشارة الراعي (2011–…) استكملت بكركي مسارها الوطني عبر نداءات البطريرك المتكررة بحياد لبنان وغيرها من المطالبات الوطنية.
لكن السؤال يبقى اليوم: هل يكفي أن نعيش على التاريخ الماروني المجيد بحاضر يُحتضر؟
أين نحن من الديمغرافيا المتدنية التي نعيشها؟
أين نحن اليوم من مجانية التعليم الماروني؟
أين نحن اليوم من تمسّك الماروني تاريخيًا بالعائلة وبالأرض؟
هل يكفي أن تطلق الجمعيات والروابط والأحزاب المارونية نداءات الاستنكار، عوض وضع رؤى واستراتيجيات مستقبلية على غرار ما قدّمه أجدادنا؟
أين نحن اليوم من رهن صليب البطريرك الحويك وأملاك البطريركية والرهبانيات؟
أين نحن اليوم من أفكار العلّامة المونسنيور يوسف السمعاني، والبطريرك اسطفان الدويهي، ويوسف السودا، وإميل إده، وفؤاد افرام البستاني، وفؤاد شهاب، وميشال حايك، وسواهم من كبار المفكرين اللبنانيين؟
أين صوت الفكر والرؤية والخطط المستقبلية؟
أين نحن اليوم من واقع يستنزف شبابنا بالهجرة، وأهلنا بترك قراهم؟
أين نحن اليوم من مؤسسات اجتماعية وتعليمية شكّلت في الماضي ركيزة للصمود اللبناني والماروني على السواء؟
أين نحن اليوم من قراءة نقدية لأخطائنا وانقساماتنا؟
أين نحن اليوم مع كل استحقاق إقليمي، بدءًا من اتفاق الطائف إلى اتفاق الدوحة، وكأننا نرجو من الخارج إيجاد الحلول الداخلية لنا، ومع كل اتفاق يخسر لبنان من مقوماته الوطنية على حساب تبعية مقنّعة؟
أين نحن اليوم من تجارب الدول والقوميات الأوروبية؟ فألمانيا وفرنسا خاضتا الحربين العالميتين ونتج عنها ملايين القتلى، وبعدها بسنوات معدودة تعاونتا باتحاد أوروبي وبعلاقات تجارية واجتماعية وسياسية.
أين نحن اليوم من مجانية التعليم في المجمع اللبناني، ومن غيظ المطران يوسف الدبس حين جلب له أمين الصندوق في مدرسة الحكمة، المنشأة في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، بعض الليرات كربحٍ صافٍ، فانتفض الدبس بوجهه قائلًا: “ردّ الأموال إلى أصحابها، نحن مدرسة لا تبغي الربح…”
أين نحن من عبارةٍ تباهى بها آباء كنيستنا بعد تواقيعهم: “الحقير”، وكانت حقارة مشرّفة لأنها دلّت على تركهم الملذات والحياة المادية واحتقارهم لها مقابل تكريم الفضائل والروحانيات؟
أين نحن اليوم من تغيّر المشهد السياسي إقليميًا ودوليًا، الذي يُنذر بسايكس–بيكو جديد، ونحن نتفرّج ونكتفي بتبادل التهم؟
أين نحن من وفد البطريرك الحويك إلى فرنسا بعيد انتهاء مؤتمر الصلح، ومواقفه الوطنية متسلّحًا بخريطة تعود لسنة 1861، تشبه بنسبة كبيرة خريطة لبنان اليوم (وشملت حدودًا أكبر من اليوم)؟
أين نحن اليوم من هذا التراكم التاريخي العريق؛ هوية لطالما ارتكزت على مقوّمات: الإيمان، الأرض والهوية، الأسرة، والريادة في العلم؟
أين نحن اليوم على طاولة مفاوضات بعد انتهاء الحرب، والحديث عن تغيّرات جذرية في الأنظمة المتبعة وتعديلات دستورية ربما تطرأ؟
أسئلة كثيرة، لكن الجواب واحد:
متفرّجون!
وللأسف، هذا ما نعيشه اليوم؛ نتغنّى بالماضي، ونعيش على الأطلال، وننتظر المتغيّرات، عوض مشاركتنا في صنع القرار أو، على الأقل، التأثير في صنعه.

د. روني خليل
أستاذ تاريخ وعلاقات دولية في الجامعة اللبنانية.
- د. روني خليل#molongui-disabled-link
- د. روني خليل#molongui-disabled-link
