أيها المسؤول العزيز

أيها المسؤول،

يسرّني أن أتوجّه إليك بمحبة وغيرة وطنية. ندرك نحن، كشعب ومثقفين، أنّك في الوقت الحاضر منهمك في شؤون كثيرة. غير أنّ ما يعانيه اللبنانيون من ضائقة وأزمات سياسية وأمنية واقتصادية ومالية واجتماعية، دفعنا بكل جرأة ومسؤولية، نحن وفريق العمل، إلى القيام بمبادرة إنقاذية سياسية – اجتماعية من شأنها أن تساهم في حلحلة بعض القضايا العالقة، بما قد يخفّف من الأعباء في المدى المنظور.

أيها المسؤول،

إنّنا نعيش حالة متمادية من النقض الممنهج للمنظومة السياسية في لبنان. فمبادئ العمل السياسي السليم تقوم على النظم الديمقراطية، وعلى حسن تطبيق القوانين وتطويرها ورعايتها. غير أنّ ما نراه ونسمعه عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، ليس إلا شعارات وأصوات خاوية، مجرّدة من أي مضمون، ومنقوضة في الصميم.

أيها المسؤول،
إنّ الدولة التي تحكمونها لا تلتزم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، بل على العكس، تُنتهك هذه المبادئ في معظم المجالات، من خلال التصرفات والممارسات والإجراءات الصادرة عن مؤسساتكم. اسمحوا لي، باسم فريق العمل، أن أطرح سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن تبرير مقتل شاب على أرض لبنانية على يد مجموعات مجهولة بالنسبة إلى الأجهزة الأمنية الرسمية؟

وأستطرد، باسم كل لبناني، متسائلًا: ما هي خطيئة هذا الشاب الذي ضلّ طريقه؟ وهل عقابه إطلاق النار عليه؟! والأدهى أنّ بعض وسائل الإعلام تتناقل خبرًا مشينًا مفاده أنّ الأجهزة الرسمية تنسّق مع الأمن الفلسطيني لمعرفة الأسباب تمهيدًا لتسليم المشتبه بهم! أيّ مشتبه بهم؟! إنّه العيب بعينه، واللامسؤولية بأوضح صورها.

أيها المسؤول،

لبنان الذي تتولّون حكمه لم يعد جمهورية ديمقراطية برلمانية تقوم على احترام الحريات العامة والعدالة الاجتماعية والمساواة بين المواطنين. بل بات دولة مهددة بالتفكك، تحكمها المحاصصة، وتُنهب مواردها، وتُنتهك سيادتها، حتى بلغ الأمر ببعض الناس إلى تشبيهها بـ «الكرخانة السياسية».

أيها المسؤول،

نحن الشعب لسنا مصدر السلطات كما ينص الدستور، لأننا لا نمارس هذه السلطة فعلًا، بل تُمارس بالنيابة عنّا عبر قوانين انتخابية فُصّلت على قياس المتحكمين بالسلطة. وقد أدّى ذلك إلى تعطيل إرادتنا، وجعلها رهينة الزبائنية السياسية التي تمارسونها، وإلى الارتهان للاحتلالات القائمة، ولـ«الاغتصاب الداخلي» الواقع من قبل غالبية من يتولون الحكم.

أيّها المسؤول،

إنّ «الانتخابات النيابية» المقبلة، وفق ما تتحدّث عنه المصادر المواكبة لهذا الاستحقاق، تشهد تحكّمًا في المشهد الانتخابي، إذ إنّ التأثيرات المادية تظهر أو ستظهر في ساحة المعركة، خصوصًا بالاستناد إلى التجارب السابقة من شراء الذمم وتضليل الرأي العام، وما ينتج عن ذلك من آثار سلبية على الساحة الانتخابية. وفي هذا المجال، لاحظنا نحن كناشطين سياسيين غيابًا فعّالًا للرقابة الصارمة على المصاريف والبرامج الانتخابية، ما قد يدفع باتجاه عملية انتخابية دكتاتورية كما جرت العادة سابقًا.

أيّها المسؤول،

من المؤسف القول إنّ مفهوم العمل السياسي قد ضاع، وإنّ المقياس المعتمد في ممارسة العمل السياسي أطاح بالتوازن السياسي، كما تجاهل مبدأ وحدة الفريق، بالإضافة إلى عدم مراعاة الكفاءة والأهلية والاختصاص، سواء في تشكيل الحكومات أو في وضع القوانين أو عند استحقاق انتخاب رئيس جديد للجمهورية.

أيّها المسؤول،

إنّ ممارسة العمل السياسي تحصل اليوم بالتراضي وبالطرق الاستنسابية، وبروح المحاصصة والغبن والولاءات، بينما يقرّ علم السياسة بأنّ كل من يتعاطى الشأن العام يجب أن يتمتع بصفات النزاهة والمحبة والإخلاص. لكنّ غالبية من يمارسون السلطة اليوم في منتهى الهرطقة والإسفاف. أعذروني على هذا التوصيف، لكنه الواقع، والحق يجب أن يُقال.

أيّها المسؤول،

حرصًا على ما تبقّى من أخلاق سياسية وديمقراطية، لا يمكن أن يتحقق التمثيل النيابي الصحيح والسليم إلا باعتماد الدائرة الفردية، حيث يعرف الناخب نائبه ويعرف النائب ناخبيه، فتكون المحاسبة ممكنة وفعّالة. وهذا ما تعتمده الدول الأعرق في الديمقراطية.

أيّها المسؤول،

كيف ستقنعون الرأي العام بأنكم سلطة مادية ومعنوية عازمة على إجراء انتخابات حرّة ونزيهة، ما دمتم حتى الآن لم تضعوا قانون انتخابات عادلًا ومتوازنًا، بل طعنتم أيضًا بحق المغتربين في ممارسة حقوقهم؟! وهذا غيض من فيض المخالفات.

أيّها المسؤول،

إنّكم سلطة جائرة تتعامل مع أحد أهم المواضيع التشريعية، وهو قانون الانتخابات النيابية، بهذا القدر من الخفّة والمماطلة والجهل ومجافاة المنطق وروح الدستور، بل وبروح الهزل. فكيف تريدون منّا أن نُصدّق أنّكم تسعون للديمقراطية؟

أيّها المسؤول،

بالله عليكم، كفى.

مقالات الكاتب

بول الحامض

ناشط سياسي، رئيس جمعية الإرشاد والتثقيف الوطني، خبير في المجالات الاقتصادية والقانونية، مع خبرة في الاستثمارات، إدارة الشركات، والتبادلات المالية، ويعمل كمستشار في القضايا الجمركية.