من المعمول إلى الكعك والبيض… رموز عيد الفصح ودلالاتها

الفصح كلمة عبريّة الأصل “بيساح” (Pesach)، وتعني العبور. وهو عيد يهوديّ في الأصل، يُحيي ذكرى عبور النبيّ موسى وبني إسرائيل من مصر، حيث عاشوا تحت عبوديّة الفرعون، إلى صحراء سيناء حيث الحرّيّة، بحسب التقليد اليهوديّ. كما يدلّ على عبور شبح الموت عن بيوت العبرانيّين، فيما حلّ العقاب بأبكار المصريّين. ومن هذا المنطلق، يُعدّ الفصح عيد الانتصار على الظلم والاستبداد والعبوديّة.

أمّا في الديانة المسيحيّة، فيأخذ الفصح بُعدًا لاهوتيًّا أعمق، إذ يرمز إلى العبور من الموت إلى الحياة، أي إلى الحياة الأبديّة التي لا تنتهي. ومن هنا جاءت تسميته بـ”العيد الكبير”، كونه أعظم الأعياد في المسيحيّة، إذ يُجسّد قيامة المسيح من بين الأموات، وهو “بكر الراقدين”، أي أوّل من عبر بالموت إلى الحياة الأبديّة، فاتحًا الطريق أمام المؤمنين به ليعبروا، على مثاله، من الموت إلى الحياة الأبديّة بعد انتقالهم من هذه الحياة الزمنيّة.

رموز عيد الفصح

  • المعمول: يشير المعمول، في شكله الهرميّ أو المستدير، إلى الإسفنجة التي طُعن بها المسيح أثناء آلامه. وثمّة مدلول آخر يردّ رمزيّته إلى قبر المسيح، إذ إن الشكل الهرميّ للمعمول يشبه القبر. أمّا الحشوة، فترمز إلى أنّ ما وراء الآلام يكمن في حلاوة الفداء والخلاص، أي أنّ المعاناة تفضي في النهاية إلى الرجاء والحياة الجديدة.
  • كعك العيد: يرمز كعك العيد، في شكله الدائريّ، إلى إكليل الشوك الذي وُضع على رأس المسيح أثناء آلامه، وهو بذلك يحمل بُعدًا رمزيًّا يرتبط بالتضحية والفداء، اللذين يشكّلان جوهر قيامة المسيح ومعنى العيد.
  • أرنب العيد: يُعدّ أرنب العيد من الرموز ذات الأصل الوثنيّ، إذ كان يُمثّل في الثقافات القديمة رمزًا للخصوبة والولادة الجديدة. وقد تبنّى المسيحيّون هذا الرمز لاحقًا، وربطوه بمعنى الحياة المتجدّدة التي تجسّدها قيامة المسيح، فبات أرنب العيد رمزًا للفرح والرجاء والبدايات الجديدة.
  • البيض: ترجع جذور تقليد تلوين البيض أيضًا إلى عادات وثنيّة قديمة، حيث كان الوثنيّون يحتفلون بقدوم الربيع وعودة الخصوبة من خلال تزيين البيض. وترمز البيضة إلى الخلق وبداية الحياة، إذ اعتبر بعض الفلاسفة القدماء أنّ العالم انقسم إلى نصفين: علويّ يرمز إلى السماء، وسفليّ يرمز إلى الأرض. كما يرمز خروج الكتكوت من البيضة إلى كسر الموت والانبعاث إلى الحياة. ومن هذا المنطلق، ترمز البيضة في الديانة المسيحيّة إلى الحياة الجديدة، إذ انتصر المسيح على الموت بقيامته من بين الأموات. وعند كسر البيضة، يرمز اللون الأبيض في داخلها إلى النور المنبعث من قبر المسيح. أمّا تلوين البيض، فيدلّ على ألوان الربيع وتجدد الطبيعة بالألوان الزاهية المفعمة بالفرح. كما أنّ عادة تكسير البيض ترمز إلى انتصار المسيح على الموت وكسره لأغلال العبوديّة والشرّ والخطيئة.
  • الملابس الجديدة: ترمز الملابس الجديدة إلى التجدّد الذي يحمله العيد، إذ يأتي عيد الفصح بعد فترة الصوم وأسبوع الآلام، حيث يسود طابع الحزن والتقشّف. ومن هنا، تعكس الثياب الجديدة الانتقال من الحزن إلى الفرح، ومن الألم إلى القيامة. كما ترمز هذه الملابس إلى نزع “الثوب القديم”، أي ثوب الخطيئة والخوف من الموت، وارتداء “الثوب الجديد”، أي ثوب الحياة المتجدّدة والإيمان. وفي هذا المعنى، تعبّر الملابس الجديدة أيضًا عن الإيمان بالحياة الأبديّة التي تنتظر المؤمنين بعد هذه الحياة الفانية.

إضافةً إلى ما تقدّم، ثمّة رموز أخرى تأخذ طابعًا اجتماعيًّا وتجاريًّا أحيانًا، وهي من العادات المتعارف عليها لدى معظم الطوائف، إذ تضفي أجواء الفرح والبهجة بين الناس. ومن أبرز هذه العادات تقديم الضيافات، كالشوكولا والعصائر والحلويات، إلى جانب تبادل التهاني والزيارات العائليّة، وهي تقاليد اجتماعيّة جميلة تعبّر عن روح العيد القائمة على الفرح والتلاقي والتجدّد.

مقالات الكاتب

د. روني خليل

أستاذ تاريخ وعلاقات دولية في الجامعة اللبنانية.