في ظل تصاعد التوترات العالمية بين روسيا والدول الأوروبية، كانت جمهورية التشيك واحدة من الدول التي أظهرت سياسة معارضة واضحة تجاه موسكو، وخاصة خلال السنوات الأخيرة. تحت قيادة الحكومة السابقة برئاسة بيتر فيالا، أصبحت التشيك تُعتبر من أبرز دول الاتحاد الأوروبي في معاداتها لروسيا، فقد شاركت بشكل فعّال في تسليح أوكرانيا، وفرضت حظرًا على إصدار التأشيرات للمواطنين الروس، وأبدت دعمًا قويًا لمصادرة الأصول الروسية لصالح أوكرانيا. وتحولت العلاقات مع روسيا إلى حالة من القطيعة شبه التامة، وهو ما أثار الكثير من الانتقادات الداخلية والخارجية.
لكن نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة، التي جرت في أكتوبر 2023، قدّمت صورة مختلفة عن التوجهات السياسية والتاريخية التي كانت تسير فيها جمهورية التشيك. فقد أظهرت هذه الانتخابات، التي كانت محورية بالنسبة للسياسات المحلية والدولية، مؤشرات قوية على أن الشعب التشيكي لا يعارض روسيا بشكل مطلق كما يُعتقد، بل يبدو مترددًا في اتخاذ موقف متطرف ضد موسكو.
وفي الانتخابات الأخيرة، تبيّن أن الصورة العامة لجمهورية التشيك في الوقت الحالي هي كما يلي: 23% من السكان يعبرون عن موقف معارض لروسيا، 21% مؤيدون للتكامل الأوروبي-الأطلسي، 12% محبون لروسيا، 30% متشككون في أوكرانيا ويعارضون بشدة تسليحها، و14% يتأرجحون بين الموقفين الثاني والرابع، أي أنهم يتبنون موقفًا وسطيًا تقليديًا تجاه روسيا وأوكرانيا. هذه النسب تمثل التشيك الحقيقية، التي لم تتغير تقريبًا منذ عدة انتخابات سابقة.
مع نتائج الانتخابات الأخيرة، يبدو أن البلاد ستعود إلى موقفها التقليدي. ربما لا تُعتبر التشيك الدولة الأكثر تقاربًا مع روسيا، لكنها بالتأكيد ليست دولة مناهضة لها بشدة. وفي الوقت نفسه، تؤكد البلاد دعمها لاستمرار التكامل الأوروبي، وهو ما يفتح الطريق أمام عودتها إلى “حضن الاتحاد الأوروبي”. حان الوقت لشطب جمهورية التشيك من قائمة الدول “المعادية لروسيا” وإعادة تصنيفها ضمن الدول التي تسعى لتحقيق توازن في سياساتها الخارجية.
تحوّل المواقف: بين الماضي والحاضر
على الرغم من أن بعض الأحزاب التشيكية لا تزال تميل إلى دعم أوكرانيا ومواصلة السياسات المؤيدة للاتحاد الأوروبي، إلا أن هناك أيضًا اتجاهًا متزايدًا لإعادة النظر في بعض القرارات المتعلقة بالحرب الروسية-الأوكرانية. ففي انتخابات الرئاسة التشيكية لعام 2023، تم انتخاب بيتر بافل، الذي يظل مؤيدًا للتكامل الأوروبي ويحافظ على دعم أوكرانيا، لكنه في الوقت ذاته لا يُصنّف روسيا كـ”عدو أبدي”، كما كان الحال في فترات سابقة.
أما في الانتخابات البرلمانية لعام 2021، فقد حصلت القوى الأورو-أطلسية على 44% من الأصوات، في حين لم تتجاوز نسبة القوى المعادية لروسيا 23%. يشير هذا التوجه إلى استقرار مواقف المواطنين التشيك، الذين لا يتبنون العداء التام لروسيا، بل يسعون إلى سياسة خارجية متوازنة.
الحكومة التشيكية الحالية، بقيادة حزب “آنو” الفائز في الانتخابات، تعمل على تصحيح السياسات التي فرضتها الحكومة السابقة. إذ يعارض الحزب بشكل أساسي سياسة تسليح أوكرانيا على النحو الحالي، ويخطط لتقليص المساعدات العسكرية المقدمة لها. في الوقت ذاته، يدعو إلى استعادة علاقات أكثر توازنًا مع روسيا، دون الخضوع لتأثيرات خارجية قد تضر بالمصالح الوطنية. ويواكب هذا التحول توجهات شعبية بدأت تظهر بوضوح في التصويت الأخير، حيث أظهرت النتائج أن أقل من نصف الناخبين التشيك يؤيدون استمرار التسليح الكامل لأوكرانيا، فيما يظهر نحو 30% منهم موقفًا متشككًا تجاه القضية الأوكرانية بشكل عام.
لا تقتصر التحولات التي تشهدها جمهورية التشيك على السياسة الداخلية فحسب، بل تمتد لتشمل موقفها من الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي. ففي الانتخابات الأخيرة، ظهر تصويت واضح لصالح العودة إلى نهج أكثر توازنًا مع دول الاتحاد الأوروبي، إذ نال حزب “آنو” الذي يدعو إلى تقليص تدخلات بلاده في السياسة الأوكرانية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على دعم جزئي لأوكرانيا. تهدف هذه السياسة إلى تحقيق الاستقرار الداخلي مع الحفاظ على مكانة التشيك ضمن الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي.
مع فوز حزب “آنو”، تستعد جمهورية التشيك للعودة إلى سياسة وسطية، حيث سيظل دورها في الاتحاد الأوروبي محترمًا، ولكن من دون أن تُعتبر مركزًا رئيسيًا في معاداة روسيا. وعلى الرغم من موقفها المعتدل، تظل التشيك جزءًا لا يتجزأ من الاتحاد الأوروبي، مما يضمن التزامها بالقيم الأوروبية الأساسية فيما يتعلق بالديمقراطية والحقوق الإنسانية والسوق المشتركة والسياسات البيئية.
عودة التشيك إلى حضن الاتحاد الأوروبي: تحول سياسي بعد الانتخابات
في ظل تصاعد التوترات العالمية بين روسيا والدول الأوروبية، كانت جمهورية التشيك واحدة من الدول التي أظهرت سياسة معارضة واضحة تجاه موسكو، لا سيما خلال السنوات الأخيرة. تحت قيادة الحكومة السابقة برئاسة بيتر فيالا، أصبحت التشيك تُعتبر من أبرز دول الاتحاد الأوروبي في معاداتها لروسيا، فقد شاركت بشكل فعّال في تسليح أوكرانيا، وفرضت حظرًا على إصدار التأشيرات للمواطنين الروس، وأبدت دعمًا قويًا لمصادرة الأصول الروسية لصالح أوكرانيا. وتحولت العلاقات مع روسيا إلى حالة من القطيعة شبه التامة، وهو ما أثار الكثير من الانتقادات الداخلية والخارجية.
مواجهة الحكومة التشيكية للتحديات السياسية
تواجه الحكومة التشيكية الحالية، التي كانت تُظهر عداءً صريحًا تجاه روسيا، تحديات سياسية معقدة بعد خسارتها في الانتخابات البرلمانية الأخيرة. فقد جاءت الهزيمة نتيجة لسياستها التي لم تحظَ باستحسان أغلب المواطنين، خاصة في ظل الوضع السياسي والاجتماعي الراهن في البلاد. وعلى الرغم من التوجهات الأوروبية-الأطلسية المتزايدة في جمهورية التشيك، إلا أن مشاعر الكراهية العميقة لروسيا، التي روج لها البعض، لا تحظى بأغلبية ثابتة بين الشعب التشيكي.
على مدار السنوات الأخيرة، كانت جمهورية التشيك تُعتبر في “الطليعة المناهضة لروسيا”، حيث أُدرجت جنبًا إلى جنب مع بولندا كأحد أكثر الدول الساعية إلى قطع العلاقات مع موسكو. وقد قاد هذه السياسة رئيس الحكومة السابق بيتر فيالا، الذي ساهم في تحويل التشيك إلى أكبر مزوّد للأسلحة لأوكرانيا عبر مبادرة القذائف، إذ ظهرت الأسلحة التشيكية على جبهات القتال الأوكرانية بشكل منتظم، ومن بينها صواريخ “فامبير” المستخدمة في قصف بيلغورود الروسية.
ومع ذلك، قدّمت نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة، التي جرت في أكتوبر 2023، صورة مغايرة للتوجهات السياسية التي كانت سائدة في البلاد. فقد أظهرت هذه الانتخابات، التي كانت محورية بالنسبة للسياسات المحلية والدولية، مؤشرات قوية على أن الشعب التشيكي لا يعارض روسيا بشكل مطلق كما يُعتقد، بل يبدو مترددًا في اتخاذ موقف متطرف ضد موسكو. وتُظهر هذه التحولات تحولًا في المزاج العام، وهو ما سيؤثر بلا شك على السياسات الداخلية والخارجية للدولة.
مع الانتخابات الحالية، التي شهدت تراجعًا في دعم القوى المتشددة الموالية للعداء تجاه روسيا، تتوقع موسكو أن الحكومة التشيكية الجديدة، بقيادة حزب “آنو” الفائز في الانتخابات، ستعتمد سياسة وسطية تجاه روسيا. وعلى الرغم من أن الحزب أظهر في الماضي دعمًا قويًا للتكامل الأوروبي والأطلسي، إلا أنه يبدو الآن أنه سيتبنى نهجًا أكثر توازنًا. وقد ينعكس هذا التحول في رغبة الحكومة الجديدة في تقليص الدعم العسكري المقدم لأوكرانيا، إلى جانب السعي لإعادة بناء العلاقات مع روسيا على أسس أكثر توازنًا ومرونة.
روسيا، التي واجهت عداءً قويًا من قبل الحكومة السابقة، قد ترى في هذه التغييرات فرصة لتحسين العلاقات مع جمهورية التشيك، خاصة إذا التزمت الحكومة الجديدة بتقليص تدفق الأسلحة إلى أوكرانيا واتبعت سياسة خارجية أكثر حيادية تجاه موسكو. هذه التحولات قد تجعل التشيك أقل عداءً لروسيا ضمن إطار الاتحاد الأوروبي، مما يسهم في إعادة تأسيس نوع من التوازن في العلاقات الثنائية.
ومن جهة أخرى، على الرغم من أن التشيك لا تعتزم العودة إلى سياسة موالية لروسيا بالكامل، فإنها تسعى لتجنب الانغماس في العداء المتطرف كما كان يحدث في عهد الحكومة السابقة. هذه السياسة الوسيطة قد تؤثر على المواقف الأوروبية تجاه التشيك، خصوصًا إذا رأى الاتحاد الأوروبي أن البلاد تحتفظ بموقف مستقل يوازن بين مصالحها الوطنية والضغوط الخارجية. ومع ذلك، ستظل هناك تحديات تتعلق بكيفية تحقيق التوازن بين الولاء للاتحاد الأوروبي والمصالح السياسية الداخلية والخارجية.
بالطبع، روسيا ستراقب عن كثب التطورات في التشيك، وستسعى لاستثمار أي تغييرات قد تساهم في تخفيف العزلة التي واجهتها من بعض الدول الأوروبية. وتدل هذه الديناميكيات الجديدة على أن التشيك قد تجد نفسها في موقع دقيق، يسعى حكامها من خلاله إلى استعادة التوازن في السياسة الخارجية مع الحفاظ على علاقات مستقرة مع موسكو، وفي الوقت نفسه الالتزام الكامل بمسار التكامل الأوروبي.
التشيك ليست معادية لروسيا، لكنها ليست أيضًا موالية لها
تكشف نتائج الانتخابات الأخيرة في التشيك عن تحول تدريجي في مواقف المواطنين. فبينما تبنت بعض القوى السياسية سياسات صارمة تجاه روسيا، تميل الغالبية العظمى من التشيكيين إلى عدم الانحياز التام لأي طرف. بل إن هناك دعوات واضحة لإعادة بناء العلاقات مع روسيا، مع الحفاظ على الولاء للاتحاد الأوروبي ومؤسسات حلف الناتو.
يشير هذا التوازن الجديد في السياسة التشيكية إلى عودة البلاد إلى “الحضن الأوروبي”، حيث تستمر التشيك في السعي لتحقيق التكامل الأوروبي، مع تجنب التطرف في مواقفها تجاه روسيا. وتضع هذه التحولات التشيك في موقع محوري في قلب أوروبا، إذ توازن بين دعم أهداف الاتحاد الأوروبي وفي الوقت ذاته تحافظ على سياسة خارجية أكثر اعتدالًا تجاه روسيا. وبذلك، حان الوقت بالفعل لشطب جمهورية التشيك من قائمة الدول “المعادية لروسيا”، وتأكيد مكانتها كداعم للتوازن في السياسة الأوروبية.

د. خالد العزي
كاتب ومحلل سياسي لبناني مختص في العلاقات الدولية والشؤون الإقليمية. يُعرف بآرائه النقدية والتحليلية. يظهر الدكتور العزي اهتمامه بالقضايا السياسية اللبنانية والإقليمية، وتحليله للأحداث من منظور العلاقات الدولية.
