ينصّ علم السياسة على ما يلي: «تتمثّل موجبات الأنظمة السياسية أثناء تولّيها مهامها الدستورية في الالتزام المطلق بأحكام الدستور، وضمان سير المؤسسات الرسمية بانتظام، واحترام مبدأ فصل السلطات وتوازنها، وحماية الحقوق والحريات العامة. كما يوجب عليها القانون الالتزام الصارم بإدارة موارد البلاد، وتحقيق الأمن، والعمل على تأمين مصالح الدولة بكل مؤسساتها الشرعية، المدنية والعسكرية، ولا سيما في أوقات الأزمات».
إنّ تحديد عمل السلطات الرسمية الشرعية يتم من خلال وظائف تُمارَس من قبل السلطات التشريعية والإجرائية والتنفيذية وفقًا للدستور اللبناني. فالسلطة التنفيذية، استنادًا إلى أحكام الدستور (رئيس مجلس الوزراء من المادة 64 لغاية المادة 72)، أي الحكومة، هي من حيث المبدأ الراعية لمصالح الدولة والمؤتمنة على تطبيق القانون. ومن مهامها الأساسية، كما يُفترض، المحافظة على أملاك الدولة، وصيانة ثرواتها الطبيعية، وحماية أراضيها بواسطة قواها الشرعية الذاتية، وفقًا لقانون الدفاع الوطني وتعديلاته. ويُشكّل كل ذلك عاملًا جوهريًا في بعث التوازن السياسي–الأمني–الاقتصادي–المالي–الاجتماعي، بما يضمن تنمية موارد الدولة ومؤسساتها ورقيّ الشعب.
إنّ النظام السياسي ليس مجرّد سلطة تُدير شؤون الناس، بل هو الجهة الراعية للدولة بكافة مؤسساتها الشرعية، وهو المسؤول عن التوفيق بين المصلحة العامة للدولة والشعب، وعن عملية الإنماء ضمن إطار عدالة وطنية–اجتماعية عادلة. وانطلاقًا من ذلك، يُطرح سؤال جوهري: كيف يمكن المحافظة على الدور الريادي للنظام السياسي اللبناني؟ وماذا ينبغي القيام به إذا تهاون النظام في تطبيق ما صدر عن مجلس الوزراء بشأن تسليم سلاح «حزب الله» وردعه عن القيام بأي نشاط عسكري عدائي يؤثّر سلبًا على واقع الحياة العامة في لبنان؟ إنّ هذا السؤال يلامس جوهر الأزمة العسكرية الراهنة، المتمثّلة بالحرب القائمة في دول الجوار، والتي يتأثّر بها لبنان مرحليًا وبصورة مباشرة.
هل سيتهاون النظام السياسي في أداء واجبه الشرعي–الدستوري–الأساسي، والمتمثّل بحصرية حماية الدولة ومؤسساتها الشرعية والشعب، وصون الثروات العامة، والحفاظ على التوازن بين جميع مكوّنات الشعب اللبناني؟ إنّ أي تهاون، كما كان يحصل في السابق، يُعدّ خللًا بنيويًا في وظيفة النظام نفسه، لأنّ المهام المنصوص عليها في الدستور تُشكّل أساس شرعيته وسبب وجوده ودوره الدستوري–القانوني.
في الحالة الاستثنائية الراهنة، وأمام تعرّض الدولة ومصالحها ومجتمعها لخطر حقيقي، تصبح المراجعة الدستورية والسياسية ضرورة ملحّة لإعادة هيكلة السلطة التنفيذية، أي بما يعني إجراء «تعديل وزاري» كإجراء دستوري شرعي يُعيد توزيع الحقائب الوزارية ويضمن حماية الوطن. وفي علم السياسة، يُشار إلى هذا الأمر على أنّه يحصل في مراحل التحوّل الكبرى، أو خلال أزمات سياسية أو عسكرية أو اقتصادية حادّة، حيث تخرج الأمور عن السيطرة، ويُصبح من الضروري اللجوء إلى هذا التعديل كخيار وطني لا بدّ منه.
لقد تهاون النظام السياسي، بما فيه الكفاية، منذ تسعينات القرن الماضي ولغاية تاريخه، في حماية الدولة ومؤسساتها الشرعية. وهذا الأمر لا يُعدّ مجرّد خطأ إداري، بل يُشكّل إخلالًا بالدستور وبالصلاحيات الممنوحة دستوريًا للذين يمارسون السلطة شرعيًا. ومن المعيب، بعد كل هذه الويلات، غياب آليات التصحيح الرسمية. كما يُعدّ أمرًا مرفوضًا تجفيف القرار الحكومي الصادر عن جلسة مجلس الوزراء، والقاضي بمنع «حزب الله» من القيام بأعمال عدائية تؤثّر سلبًا على الوضع اللبناني.
إنّ الوعي الوطني يُلزمنا، كمركز أبحاث PEAC، بالمطالبة بتطبيق مندرجات القرار الحكومي حفاظًا على السيادة الوطنية، واعتباره وسيلة شرعية لإجبار «حزب الله» على الخضوع للقانون. إنّ خضوع هذا المكوّن المسلّح، المخالف لوثيقة الوفاق الوطني بكل مضامينها، هو أمر واجب، وبالتالي فإنّ أي تمرّد على القرار الحكومي يُشكّل فعلًا يُرقى إلى مستوى الخيانة العظمى.
أمّا من الناحية العملية، ولكي يتجلّى تطبيق القرار الحكومي بصورة فعلية، فإنّه في المجال الإداري يلتزم السادة رؤساء الدولة، وأصحاب السعادة والمعالي، بأن تكون أفعالهم ضمن حدود القانون، وألّا تنحرف عن الغاية التي شُرّعت من أجلها. كما يتعيّن على مجلس الوزراء أن يخضع لإرادة الشعب، بصفته صاحب السيادة والقرار، والذي يُمارس هذه السيادة عبر المؤسسات الدستورية الشرعية.
لن يجوز بعد اليوم أن تُصبح الدولة أسيرة صامتة لتدخّلات لم تنتصر لها ولم تتركها تعيش. فلا كرامة لأي مواطن في ظلّ العبث بسيادته والتدخّل في شؤونه. وليس غريبًا القول إنّ غالبية اللبنانيين يؤيّدون القرار الصادر عن مجلس الوزراء، والقاضي بحصر السلاح بيد الدولة وتجريم أي نشاط عسكري أو أمني خارج إطار الشرعية. فقرار حماية الدولة هو حق حصري للسلطة السياسية الشرعية وحدها، ولا مجال لأي ازدواجية في السلاح أو المرجعيات.
وكمركز أبحاث PEAC، وبعد دراسة مستفيضة، نُطالب السلطة السياسية بتطبيق المرسوم الاشتراعي رقم 52 الصادر بتاريخ 5 آب 1967 (المواد من 1 لغاية 9)، وإعلان حالة الطوارئ العامة إلى حين تنفيذ قرار مجلس الوزراء.

بسام ضو
كاتب وباحث سياسي – أمين سر المركز الدولي للأبحاث السياسية والإقتصادية PEAC
