«النافعة» تحت سطوة القوى الأمنية… والجهات الرقابية في سبات عميق

بعد أكثر من ثلاث سنوات على حلّ مجلس إدارة ومدير عام هيئة إدارة السير والآليات والمركبات على خلفية ملفات فساد، بادرت وزارة التنمية الإدارية منذ خمسة أشهر إلى فتح باب الترشّح لشغل هذين المنصبين، إضافة إلى عضوية مجلس الإدارة. ورغم تقدّم عشرات المرشحين الذين يستوفون الشروط القانونية ومعايير الكفاءة المطلوبة، لم يصدر حتى تاريخه أي مرسوم عن مجلس الوزراء لتعيين أيٍّ منهم.

هذا الجمود المستمر يطرح علامات استفهام مشروعة حول خلفياته: هل يعود إلى نزاعات سياسية تقليدية على تقاسم الحصص في التعيينات، أم أنه خيار مقصود للإبقاء على الفراغ الإداري، بما يسمح عملياً بإدارة الهيئة عبر تكليف عمداء وضباط وعناصر من قوى الأمن الداخلي، في مخالفة صريحة للأصول القانونية؟ ولا يقل خطورة عن ذلك الصمت المطبق لوزارة الداخلية، ولمجلس الوزراء، وللأجهزة الرقابية المعنية، من التفتيش المركزي إلى الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد وديوان المحاسبة، رغم وضوح المخالفة وحجمها.

تُعدّ هيئة إدارة السير والآليات والمركبات («النافعة») مؤسسة عامة أُنشئت بموجب قانون، وتخضع في تنظيمها وإدارتها للقوانين والمراسيم والأنظمة النافذة. ويُعيَّن مجلس إدارتها ومديرها العام بمرسوم صادر عن مجلس الوزراء، فيما يتم توظيف العاملين فيها بعد نجاحهم في مباريات يُجريها مجلس الخدمة المدنية. كما تخضع الهيئة، بصفتها مرفقاً عاماً مدنياً، لرقابة أجهزة الدولة المختصة، وفي طليعتها التفتيش المركزي، وديوان المحاسبة، والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، وسائر أجهزة الرقابة الأخرى.

وبحسب الإطار القانوني الناظم لعملها، لا تُصنَّف الهيئة جهازاً أمنياً ولا مرفقاً عسكرياً، ولا تُعدّ حالة استثنائية تُدار خارج الأصول، بل هي مؤسسة مدنية خاضعة لمنظومة قانونية واضحة لا تحتمل التأويل.

عقب حلّ مجلس إدارة الهيئة على خلفية شبهات وملفات فساد، كان المسار القانوني المفترض واضحاً: تعيين مجلس إدارة جديد ومدير عام وفق الأصول المعتمدة، وهو ما لم يحصل حتى اليوم.

في هذا السياق، يبرز واقع إدارة «النافعة» حالياً بواسطة عمداء وضباط وعناصر من قوى الأمن الداخلي، وهو ما يُعدّ، وفق مقاربة قانونية، خرقاً صريحاً للقانون. فقوى الأمن الداخلي، من حيث المبدأ، ليست الجهة المخوّلة إدارة مرفق مدني. وحتى في حال كانت وزارة الداخلية هي سلطة الوصاية على هيئة إدارة السير، فإن هذه الوصاية لا تمنحها حق تكليف القوى الأمنية بإدارة المؤسسة. وسواء صدر هذا التكليف بقرار منفرد عن وزارة الداخلية أو بموافقة مجلس الوزراء، فإن المخالفة قائمة في الحالتين، وتتحمّل الجهة التي اتخذت القرار المسؤولية القانونية والسياسية الكاملة.

فالوصاية الإدارية، وفق الأصول، لا تعني تفويض جهة غير مختصة، ولا تحويل مرفق مدني إلى إدارة أمنية. كما أن قوى الأمن الداخلي غير خاضعة لقانون الموظفين، ولا لرقابة التفتيش المركزي، ولم تُنشأ أساساً لإدارة ملفات مالية أو إدارية أو تعاقدية أو توظيفية. ويؤدي وجودها على رأس مؤسسة مدنية إلى تعطيل آليات الرقابة، وإخراج الهيئة من منظومة المحاسبة، وتحويل المخالفة إلى أمر واقع مغطّى سياسياً.

وفي حال وجود نقص في عدد الموظفين، يوفّر القانون بدائل واضحة ومشروعة لا تستدعي إدخال القوى الأمنية لإدارة المرفق. إذ يمكن الاستعانة بموظفين مدنيين من إدارات ومؤسسات عامة أخرى، مؤهّلين وكفوئين، ووضعهم خارج الملاك لتولّي هذه المهام مؤقتاً، إلى حين تعيين إدارة وموظفين أصيلين عبر مجلس الخدمة المدنية ومجلس الوزراء وفق الأصول. وهو خيار إداري معمول به، ويضمن استمرار الرقابة والمساءلة.

أمام هذا الواقع، تبرز تساؤلات أساسية حول دور الجهات الرقابية: أين التفتيش المركزي؟ وأين مجلس الوزراء؟ ولماذا هذا الصمت إزاء مخالفة بهذه الخطورة؟ فالتفتيش المركزي يدرك أن الهيئة مدنية، وأن القوى الأمنية غير خاضعة لرقابته، وأن وجود جهة خارجة عن صلاحياته داخل مؤسسة عامة يُفرغ دوره من مضمونه. ومع ذلك، لم يُسجَّل أي تحرّك: لا طلب بإنهاء المخالفة، ولا توجيه تنبيه، ولا إعلان عجز عن ممارسة الرقابة.

وتتوزّع المسؤوليات هنا بوضوح: وزارة الداخلية بصفتها سلطة الوصاية التي اتخذت قراراً مخالفاً، مجلس الوزراء لسكوته عن المخالفة، التفتيش المركزي لصمته عن تعطيل الرقابة، فضلاً عن غياب دور الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد. فالمعادلة، وفق القاعدة القانونية، واضحة: من يعلم ويسكت، شريك.

ولا تكتمل الصورة من دون التوقّف عند ملف «منصّة النافعة» والجهات المستفيدة من إبقائها معطّلة أو تشغيلها وفق الطلب ولمصلحة بعض السماسرة. ففي معرض الدفاع عن المخالفات، نقلت إحدى الوسائل الإعلامية مؤخراً استفساراً موجّهاً إلى هشام عيتاني حول منصّة تسجيل وحجز المواعيد في هيئة إدارة السير، فجاء الرد بأنها لا تتبع له ولا لإدارته، بل تعود إلى منصّة Impact.

غير أن منصّة Impact نفسها مثار جدل قانوني معروف، إذ جرى توقيع عقدها مع السفارة البريطانية خلافاً للقانون، ولا يزال الملف عالقاً في أدراج ديوان المحاسبة، رغم صدور تقرير خاص عام 2023 تضمّن إدانة واضحة، وطالب بإحالة رئيس التفتيش المركزي جورج عطية إلى المساءلة والمحاسبة. ورغم مرور أكثر من عامين، لم يصدر عن ديوان المحاسبة أي قرار مؤقّت أو نهائي في هذا الملف، في مقابل حماسة استثنائية أبداها الديوان في ملفات أخرى، ولا سيما محاسبة وزراء الاتصالات على هدر بملايين الدولارات استناداً إلى تقارير صادرة في العام نفسه.

ويبرز هنا سؤال لا يمكن تجاهله: هل يُعقل أن جهة رقابية لا تسعى إلى إصلاح المنصّة لأنها مستفيدة منها؟ وهل يُعقل أن العطب المزمن في «النافعة» ليس فشلاً تقنياً، بل مصلحة قائمة بحد ذاتها؟ فعندما تتحوّل المنصّة إلى مصدر نفوذ، ويغدو الخلل أداة تحكّم، وتُدار الأعطال بدل إصلاحها، يصبح الشك مشروعاً.

وخلاصة المشهد أن مكافحة الفساد لا تتم عبر «عسكرة» المؤسسات، ولا تُدار الدولة بتعليق القوانين. كما أن حماية القوى الأمنية تقتضي إبعادها عن مخالفات لا تخصّها ولا تدخل ضمن مهامها. فالدولة تُدار بالقانون، وأي خروج عليه، ولو تحت عنوان «مرحلة انتقالية»، يُعدّ اعتداءً مباشراً على ما تبقّى من مفهوم الدولة ومؤسساتها.

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.