عقد المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في بيروت والمعهد العالي للصحة العامة في جامعة القديس يوسف (USJ) في بيروت، ندوة افتراضية بعنوان “الحرب والقطاع الصحي في لبنان: التحديات البنيوية وأولويات الاستجابة للطوارئ”، تناول المشاركون فيها تداعيات الحرب على النزوح والقطاع الصحي في لبنان، حيث تحمّل الأفراد عبء “التدبير الذاتي” وسط غياب التنظيم والدعم. وقد شارك فيها كل من الدكتور ناصر ياسين، د. زينة مهنا، د. نادين هلال، والدكتور إبراهيم بو عرم، ونخبة من المهتمين في هذا الشأن.
“دبّر حالك”: خصخصة النزوح والضغط المعيشي
استهلّ الندوة الدكتور ناصر ياسين، مدير المركز العربي للأبحاث في بيروت، مشيرًا إلى أن “الحرب المستمرة أفرزت نمطًا جديدًا من النزوح، حيث يقيم نحو 85 في المئة من النازحين خارج مراكز الإيواء الرسمية، معتمدين على “التدبير الذاتي” عبر استئجار مساكن أو اللجوء إلى شبكاتهم الاجتماعية، من أقارب وأصدقاء”. ولفت ياسين إلى أن “غياب تنظيم سوق الإيجارات والدعم الكافي، نقل عبء الاستجابة من الدولة والمنظمات إلى الأفراد، ما أدى إلى استنزاف مقدراتهم المالية ومدّخراتهم، ودفع العديد من العائلات إلى اعتماد استراتيجيات تكيّف قاسية، من بينها تقليص الغذاء وتأجيل الإنفاق الصحي”. واعتبر ياسين أن “تركيز الاستجابة الرسمية في مراحلها الأولى على مراكز الإيواء همّش الغالبية الساحقة من النازحين، وأضعف الثقة نتيجة ضعف التواصل والشفافية، واعتبر أن الصمود الراهن هو صمود الأفراد لا السياسات، ودعا إلى التخلي عن منطق الإغاثة المؤقتة والانتقال إلى سياسات اجتماعية “مزمنة” تحمي التماسك المجتمعي”.
الاستجابة الرسمية: إدارة الإصابات والرقابة الوبائية
من جهتها، أشارت الدكتورة نادين هلال، مستشارة وزير الصحة العامة، إلى أن “الوزارة فعّلت فور اندلاع الحرب “مركز طوارئ الصحة العامة” استنادًا إلى خطط جهوزية مسبقة، لتأمين استجابة صحية شاملة وسريعة”. وأوضحت أن “الوزارة ضمنت التغطية الكاملة لجرحى الحرب من خلال تنسيق مباشر مع المستشفيات والفرق الطبية من دون تحميل المصابين أي أعباء مالية”. وأشارت إلى أن “الرعاية الصحية الأولية شكّلت ركيزة أساسية للاستجابة، عبر ربط مراكز الإيواء بمراكز الرعاية، إضافة إلى نشر نحو 220 وحدة طبية متنقلة للوصول إلى النازحين خارج مراكز الإيواء الرسمية”. كما لفتت إلى “استمرارية علاج الأمراض المزمنة والسرطان وغسيل الكلى، وتعزيز خدمات الصحة النفسية والترصد الوبائي والتلقيح”، مؤكدة “اعتماد أنظمة رقمية لإدارة الأدوية والمساعدات بشفافية، ومشددة على أهمية الشراكة مع المجتمع المدني والبلديات”.
المجتمع المدني: صمود “يُدرّس” رغم شح التمويل
بدورها، شددت د. زينة مهنا، عضو مجلس إدارة مؤسسة عامل الدولية، على أن “منظمات المجتمع المدني أدّت دورًا محوريًا في الاستجابة الصحية، مستفيدة من قربها من الناس وقدرتها على التحرك الميداني السريع، ما سمح بسد فجوات كبيرة في الوصول إلى النازحين، ولا سيما المقيمين خارج مراكز الإيواء.”
وأكدت أن “القطاع الصحي اللبناني أظهر مستوى استثنائيًا من الصمود، الذي تحقق بفضل تضحيات الطواقم الطبية والمنظمات الأهلية، لا بفعل سياسات عامة مستدامة”. وحذّرت من “الانتهاكات التي طاولت المدنيين والمرافق الصحية، ومن استخدام أسلحة محرّمة ذات آثار خطِرة على الصحة العامة، فضلًا عن التراجع الحاد في التمويل الإنساني الذي يهدد استمرارية الخدمات، داعية إلى دعم المنظمات المحلية الأكثر فاعلية”.
من الاستجابة الطارئة إلى بناء صمود النظام الصحي
أما الدكتور إبراهيم بو عرم، مُيسّر الندوة الحوارية والأستاذ المشارك في المعهد العالي للصحة العامة في جامعة القديس يوسف USJ في بيروت، فرأى أن “نجاح الاستجابة الصحية لا يقاس فقط بحجم التدخلات الطارئة أو كثافتها، بل بقدرتها على التحوّل إلى دعم استراتيجي يعزّز جهوزية النظام الصحي ومرونته على المدى المتوسط والطويل”. وأشار إلى أن فعالية أي استجابة ترتبط بشكل وثيق بـالتنسيق المؤسسي بين وزارة الصحة العامة، والمرافق الصحية، ومنظمات المجتمع المدني، والجهات الدولية، محذّرًا من أن الاعتماد المستمر على مقاربات طارئة، رغم ضرورتها الآنية، يبقى محدود الأثر في ظل أزمات ممتدة وحالة أزمة دائمة، ما لم يُدمج ضمن رؤية شاملة لبناء القدرات وتعزيز الحوكمة الصحية”. كما شدّد على “خطورة استهداف المرافق والطواقم الطبية، باعتبار ذلك انتهاكًا للحق في الصحة وللقانون الدولي الإنساني”.
توصيات ختامية
خلصت الندوة إلى توصيات أبرزها إقرار التغطية الصحية الشاملة لمواجهة تراجع القدرة الشرائية، وتعزيز التنسيق الرقمي بين الوزارات والقطاع الأهلي عبر خطة طوارئ موحّدة، وتوثيق الانتهاكات ضد القطاع الصحي لمتابعتها قانونيًا، إضافة إلى إعادة بناء نظام رعاية مستدام يتحوّل إلى نظام حماية يتلاءم مع طول أمد الأزمة.

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات
مؤسسة بحثية فكرية مستقلة، مختصة بالعلوم الاجتماعية والإنسانية في جوانبها النظرية والتطبيقية. يعمل المركز على تعزيز البحث العلمي المنهجي والعقلانية في فهم قضايا المجتمع والدولة، ويتجاوز ذلك إلى دراسة علاقات الوطن العربي ومجتمعاته بمحيطه المباشر، وبالسياسات العالمية المؤثرة فيه، بجميع أوجهها.
