يعيد المشهد اللبناني إنتاج نفسه ببراعة مخرجه المنهك: اقتراح قانون جديد لتمديد ولاية مجلس النواب حتى أيار 2027، يُطرح تحت ذرائع الأمن والظروف الاستثنائية وتقاعس الإدارة. يقدمه نائب كأنه حامي الدستور، فيما هو في جوهره ضربة جديدة لمبدأ أساسي من مبادئ الديمقراطية: فللسلطة وكالة تنتهي بموعدها، ولا يحق للوكيل تمديد عقد وكالته بنفسه.
المجلس الدستوري المستمر رغم انتهاء صلاحية أعضائه لأسباب مبهمة سيبقى ذلك الحارس النائم، ليجد نفسه مرة أخرى في قلب العاصفة. أعضاؤه القدامى لطالما نبّهوا إلى مخالفة التمديدات السابقة، لكنهم مراراً وتكراراً سيقفون عاجزين أمام “الضرورات التي تبيح المحظورات”.
لكن، أليست هذه “الضرورات” من صنع أيدي السلطة ذاتها؟ أليس التقاعس في إصلاح قانون الانتخابات، وخلق المآزق القانونية، وتأجيج الخطاب الأمني، كلها أدوات مُدرَسة لتبرير البقاء على الكراسي؟ وكيف تكون الأسباب الأمنية متوافرة، بينما رئيس الحكومة صال وجال خلال يومين على تخوم الشريط الحدودي المحتل، أو بالأحرى على تخوم البلدات اللبنانية المحتلة الممنوع عودة الأهالي إليها؟
عندما يصبح الاستثناء قاعدة والدستور حبراً على ورق
الاقتراح المقدم من النائب أديب عبد المسيح، بناءً لإيحاء من النائب علي حسن خليل في غالب الظن، ما هو إلا نموذج صارخ عن الاستهتار الممنهج بإرادة الناخب. فهو لا يكتفي بتمديد الولاية لمدة قد تصل إلى عام كامل، بل يتجنب حتى إدراج كلمة “استثنائي” التي كانت تُزيّن سابقاً قوانين التمديد.
أما الأسباب الموجبة فتلقى تبريرها في مفردات ضاق الشعب اللبناني ذرعاً بها، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: الوضع الأمني، حصرية السلاح، عدم وضوح قانون الانتخاب بالنسبة لاقتراع المغتربين. كلها مجرد حجج تتهاوى عند أدنى تدقيق. فالذرائع أمنية هشة، وإلا فكيف تمت الانتخابات البلدية العام الماضي تحت نفس “التهديدات”، ولماذا نفس الظروف ستجعل من الانتخابات النيابية شأناً مستحيلاً؟
حتماً، ليست المسألة أمنية، بل هي “حسابات سلطوية”، والسلاح غير المحصور بيد الدولة يُستخدم من النائب عبد المسيح تحديداً كفزاعة لتأجيل الاستحقاق الشعبي.
هناك فخ قانوني مفتعل: فما الذي تغيّر عن انتخابات العام 2022 حتى نصبح أمام إشكالية مستعصية تتعلق بكيفية إعطاء الحق للمغتربين بالاقتراع؟ بالونات حرارية تخفي حقيقة أن السلطة تعمّدت طيلة أربع سنوات ترك الأمور دون حل لتخلق اليوم مخرجاً قانونياً لتبرير التمديد. بمعنى آخر، المواطن يُحشر في زاوية من صنع من يفترض أن يمثّله، ثم يُلام لأنه عالق فيها.
وما بيان النائب عبد المسيح اللاحق لمقترح القانون، والذي يستنكر فيه محاولة الحكومة “التشريع” عبر استشارة مجلس شورى الدولة لتجميد مواد قانون الانتخاب، إلا حلقة مكملة في هذه المسرحية. فهذا الخطاب الدستوري المتشدد يصطدم بحقيقة أن رئيس المجلس نفسه هو من يمنع إدراج القوانين البديلة على جدول الأعمال. إنه تناقض مُفتعل يهدف لامتصاص النقمة الشعبية والدولية، وربما يُعدّ تمهيداَ لـ”مخرج متاح” قد تقبل فيه قوى السلطة بالتمديد كـ”ضرورة”، بعد أن تقدّم القوى الدولية والإقليمية ضمانات في صفقاتها الأوسع للمنطقة.
إن المعارضة الصوتية التي نطالعها في بيان النائب عبد المسيح لا تجسّد انشقاقاً عن المنظومة، بل هي “صمام أمان” تسمح به السلطة نفسها، لا بل تطلبه. إنها آلية مُحكَمة لامتصاص الغضب الداخلي وتلطيف الرأي العام والدولي، تمهيداً للقبول النهائي بالتمديد تحت عنوان “التضحية” المتفق عليها مسبقاً و”انعدام البديل”.
أما العبارة الواردة في مقترح القانون حول المهلة “أقصاها” فهي ماكرة، فهناك إنجاز عظيم لأن التمديد له حدود “أقصاها” شهر أيار من العام 2027، إلا أن ما قدّم هو من أبشع وأرخص محاولات الالتفاف على الدستور.
المجلس الدستوري نفسه أبطل هذه الصيغة عند نظره في مسألة التمديد للبلديات، لأنها تمنح السلطة التنفيذية صلاحيات خارقة، وهو أمر لا يجوز دستورياً إلا عبر آلية الحل الصعبة. إنها محاولة لخلق غموض يسمح بالتمديد دون نقطة نهاية واضحة.
الاقتراح لا يخجل من كونه مخالفاً للدستور. إنه يعترف ضمنياً أن السلطة في لبنان تعيش بسلام في مساحة بنتها فوق الأملاك العامة وحقوق المواطنين، والأسوأ، فوق الدستور، وأن بقاءها هو القانون الأعلى.
هذا ليس تمديداً للولاية، بل هو “اغتصاب زمني” للسلطة، حيث يُعلن النواب أنفسهم أمناء على مصالح لم يعد للشعب حق المحاسبة عليها، في تحويل للديمقراطية من نظام حكم إلى نظام وراثة سياسية مقنّعة.
المجلس الدستوري: الحارس الذي تحوّل إلى شاهد صامت على الجريمة
تاريخ المجلس الدستوري مع قضايا التمديد لمجلس النواب هو تاريخ مجيد من التذكير بالمبادئ الرائعة التي نحرتها السلطة، والقرارات التي تأتي بخلاصات مخيبة. فلطالما ذكرنا الحارس الدستوري الأمين، في حيثيات قراراته، أن الانتخابات هي “التعبير الأمثل عن الديمقراطية”، وأن “حق الاقتراع يتولّد عنه مبدأ الدورية”، وأن “تمديد الولاية بقرار من المجلس نفسه يخلّ بالتوازن بين السلطات”، وأن “تقاعس الإدارة لا يبرر التمديد”.
لكن في لحظة الحسم، غالباً ما كان الحارس يتراجع تحت وطأة التهديد المقروء بالابتزاز الممارس من قبل “السلطة”. ففي العام 2014، قرر المجلس الدستوري أن القانون “مخالف للدستور”، لكنه رفض إبطاله “للحيلولة دون التمادي في حدوث الفراغ” مع شغور الرئاسة حينها. لقد ضحى المجلس الدستوري بمبدأ “دورية الانتخاب” لصالح مبدأ آخر هو “استمرارية المرفق العام”، في مفاضلة تخدم بالنتيجة استمرارية السلطة القائمة.
اليوم، يُخشى أن تتكرر المسرحية. الأعضاء القدامى في المجلس قد يرفضون الطعن في أي قانون مستسلمين لرواية “عدم قدرة الإدارة” و”الظروف الأمنية”، لكن محاولة تجاوز الطعن فيه ستكون انتحاراً جديداً للمؤسسة الدستورية. فبدلاً من أن يكون المجلس سداً منيعاً أمام عبث السياسيين بالدستور، يصبح ختماً مطاطياً لشرعنة الانقلاب على الإرادة الشعبية.
السلطة المتعاضدة: تحالف البقاء فوق ركام الدولة والمؤسسات
لننتقل إلى المفارقة الأكثر قسوة: في الوقت الذي يتحدث فيه النص الدستوري عن فصل السلطات وتوازنها، نجد “السلطة داخل الدولة العميقة” موحدة متعاضدة في وجه الشعب. اقتراح التمديد ليس عملاً منفرداً، بل هو نتاج توافق غير مكتوب، فرئيس الحكومة يزور الجنوب ويقف بين نواب “حزب الله” و”أمل” في رسالة واضحة بأن خطوط التواصل والتحالف أقوى من أي خطاب عن “حصرية السلاح”.
أما رئيس مجلس النواب، فيتحكم بإيقاعات الأنغام الصادرة على مسامع الجميع في البلد، ويمنع إدراج قوانين انتخابية بديلة على جدول الأعمال، ليخلق المأزق الذي يُبرر التمديد لاحقاً.
أما نواب “التغيير” فيفترض نظرياً أنهم دخلوا القبة البرلمانية على ظهر حصان الناس حاملين وعود التغيير، لكن قسماً كبيراً منهم تحول إلى طائفة “شعراء بلاط المجلس النيابي أو المجلس الوزاري”، مع تمادي البعض منهم إلى مرتبة “شهود زور” على المسرحية، منضمين إلى “ركب وأداء أهل السلطة في كل شيء”.
القوات اللبنانية، التي ترفع لواء المعارضة المنتصرة بخياراتها الاستراتيجية، تجد نفسها مضطرة للتناغم مع “الثنائي” وعدم إسقاط أي طرف منهما. فالسلطة، يا سادة ويا كرام، في لبنان هي كل مكونات النظام التي تتفق على قاعدة واحدة وهي “البقاء”.
السلطة في لبنان لا تحتاج إلى انتخابات لتجديد شرعيتها، لأن شرعيتها تأتي من توازناتها الداخلية وقدرتها على إدارة الانهيار. هنا يكمن جوهر الأزمة: النظام لم يعد يخاف من فقدان الشرعية الشعبية، لأنه أتقن فن “إدارة الانهيار” وتحويله إلى مصدر للربح والبقاء. فكلما ازدادت الأزمات، ازدادت حجج التمديد وتثبيت الأقدام. الموازنة تمرر، الزيارات تتم، والخطاب الرسمي التحريضي يستمر، أما الشعب الذي “يمطرهم كلاماً وشتائم”، فكل ما يفعله لا يعدو كونه مجرد ضجيج خارج جدران قصورهم المنيعة.
زيارة الجنوب في زمن الصفقات.. دبلوماسية الابتسامات تمهّد المشهد
لعل زيارة رئيس الحكومة الناجحة للجنوب ووقوفه بين نواب “حزب الله” و”أمل”، دون إغفال تواجد “النواب التغييريين”، كانت أكثر من مجرد جولة تفقدية بدلالاتها. فهي أظهرت مستوى غير مسبوق من التنازلات المتبادلة والتنسيق الميداني بين أطراف يفترض أنها متعارضة.
هذا المشهد، المقترن بالخطاب الدستوري “المعارض” لبعض نواب السلطة – مثل البيان الأخير للنائب أديب عبد المسيح – قد يكون تمهيداً عملياً لصفقة أكبر يتم الإعداد لها بعناية. إنها “دبلوماسية الابتسامات” التي تسبق عادةً صفقات المصالح الكبرى، حيث تُعلَن التنازلات الصغيرة لإخفاء التنازلات الكبيرة التي ستُقدّم لاحقاً على مذبح التمديد أو الانتخابات المسيَّرة.
التنازلات الظاهرية في الجنوب والتنسيق الميداني مع رئيس الحكومة ليسا سوى مقايضة استباقية بمكاسب أكبر؛ الأولى لضمان استمرار الهيمنة عبر تمديد الولاية أو عبر انتخابات تُحافظ على موازين القوى القائمة، والثانية للتحضير لصفقة إقليمية أوسع تضمن بقاء النفوذ في صيغة جديدة مقبولة من اللاعبين الدوليين.
سواء تم التمديد أم لا.. المنظومة تُنتج نفسها
المعارضة الصوتية للتمديد يمكن تحويلها دائماً إلى عملة مساومة. فإذا ما وافقت القوى الدولية (الأميركية تحديداً) والإقليمية (المملكة العربية السعودية بشكل خاص) ضمن صفقة تامة على استعادة النظام السوري للحظيرة الدولية – وهذا الأمر بات شبه منجز – وعلى صفقة شاملة للمنطقة توافق عليها الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فقد يتم قبول تواجد حزب الله عبر نوابه “المُدجَّنين” في المجلس النيابي القادم، خاصة إذا استمروا في سياسة علنية تتضمن توزيع الابتسامات لرئيس الحكومة والوزراء، ومرافقتهم في زياراتهم للجنوب لوضع أحجار الأساس لمدن قد تُنشأ تحت عنوان “إعادة إعمار الجنوب”.
عند هذه النقطة الحاسمة، سينزل “المعارضون” مثل النائب أديب عبد المسيح والفريق المحسوب عليه من برجهم الدستوري الجديد الذي صعدوا إليه، لإقرار التمديد أو لإجراء الانتخابات النيابية، دائماً وفقاً للتعليمات الإقليمية والدولية، تحت عنوانين جذابين هما: “حفظ الاستقرار الداخلي” و”عدم وجود حل بديل”.
الأمر الأكيد أن إرادة اللبنانيين ستكون، مرة أخرى، الضحية الأولى على مذبح التوافقات الخارجية. سواء أُقرّ التمديد بشكل مباشر أم أُجريت انتخابات هزيلة تحت الضغوط والصفقات نفسها، فإن النتيجة الحتمية واحدة وزبدتها إعادة إنتاج النظام ذاته، ودفن إرادة اللبنانيين تحت مقبرة التوافقات الخارجية والداخلية. فالانتخابات، إن حصلت، ستكون مسرحية أخرى تُنتج مجلساً نيابياً جديداً من نفس القوالب القديمة، مع تغيير بعض الوجوه داخل بعض الكتل، لأن القانون الانتخابي والتوازنات والهيمنة لن تتغير جوهرياً.
وها هم “المعارضون”، الذين يتحدثون اليوم عن خطورة تجميد القانون عبر استشارة مجلس شورى الدولة، هم أنفسهم من سيوافقون غداً (أو يتغاضون) عن التمديد عبر “استشارة” سياسية عليا من مراكز القوى الخارجية، في تناقض يفضح أن المعيار ليس الدستور، بل موازين القوى الآنية.
رجم السلطة: ضرورة وجودية أمام انهيار الأبنية واستباحة الجنوب
التمديد المتوقع حصوله، والمترافق مع إيحاءات “جهوزية الحكومة للانتخابات”، ليس سوى إكمال للإبداع المسرحي على خشبة المسرح السياسي. بينما تتهاوى الأبنية على رؤوس الناس شمالاً، وتُستباح البلدات الممنوع عودة الأهالي إليها جنوباً، وتُهمش صرخات العاملين في القطاعين العام والخاص، كرمى لأجندة صندوق النقد الدولي، تتحضر السلطة للجلوس على كراسيها عاماً إضافياً.
الرسالة التي يجب أن تصل اليوم أقوى من أي وقت مضى، مفادها أن السلطة التي لا يتم تداولها ويلصق رجالها أنفسهم على المقاعد، لا بد من أن يرجمها الشعب، ولا يعيد منحها الثقة. الشرعية الوحيدة المتبقية هي شرعية الشارع الغاضب، شرعية رفض دفع فاتورة الانهيار، وشرعية المطالبة بمحاسبة كل من تسبب بهذه الكارثة.
المجلس الدستوري، الممددة ولايته لأسباب مجهولة ومعلومة في آن معاً، سيكون أمام فرصته الأخيرة ليستعيد شيئاً من كرامة أعضائه، عبر إبطال قانون التمديد لمجلس النواب المتوقع إقراره لأنه مخالف بوضوح تام لأحكام الدستور، وبات لزاماً وضع حد لمسلسل التمديدات السميك والسمج.
أما إذا اختار الصمت مرة أخرى، فسيكون قد وقّع بنفسه على شهادة وفاته كمؤسسة مؤتمنة على تطبيق أحكام الدستور، لا بل فرضها، وعلى شهادة دفن آخر أمل في دولة القانون في لبنان.
المسرحية تُعرض، والمشاهدون يعرفون نهايتها، والسؤال الوحيد الباقي: هل سيستمر اللبنانيون في لعب دور المشاهدين؟ أم سيدركون أخيراً أن الخروج من دار العرض هو البداية الحقيقية للتغيير؟ أمام اللبنانيين خيار واحد: إما أن يقرروا بأنفسهم موعد انتهاء وكالة هذه السلطة بكل الوسائل السلمية المشروعة، وإلا أن يختاروا الصمت مجدداً، وهذا الصمت أصبح تواطؤاً فيما الانتظار بات انتحاراً.

د. جاد طعمه
محامٍ لبناني وأستاذ قانون، حاصل على شهادة الدكتوراه في الحقوق، وعضو فاعل في المشهد الحقوقي والقانوني، حيث يكتب في الشؤون القانونية وينخرط في مبادرات مكافحة الفساد والدفاع عن الحقوق العامة.
