كان السؤال الوحيد المطروح بين عامة الناس وفي الصالونات السياسية: “في ضربة أم لا؟”، أي هل ستشن إسرائيل حربًا على حزب الله أم لا؟ أمّا اليوم، بات السؤال: متى ستشن إسرائيل حربها على حزب الله وعلى لبنان؟ بمعنى آخر، إن الضربة باتت حتمية، لكن لا أحد يعرف توقيتها.
كل المعطيات الميدانية والسياسية، والتسريبات، والمواقف تؤشر إلى حتمية حصول موجة جديدة من الحرب، باعتبار أن حزب الله لا يريد تسليم السلاح. بل أكثر من ذلك، فقد أعاد ترميم قواه العسكرية واللوجستية والبشرية والقيادية، بحسب اعتراف قادته.
كذلك، نشرت تقارير إسرائيلية عبر صحف أوروبية وإسرائيلية أن الحزب يعيد بناء قدراته. فبحسب تحليل مركز Meir Amit Intelligence and Terrorism Information Center، فإن حزب الله “يقوم بجهود لاستعادة قدراته” منذ التهدئة التي بدأت في 27 تشرين الثاني 2024، مع إعادة تنظيم هيكله الداخلي والتكيّف مع الواقع الجديد. وتحت عنوان “…Hezbollah rebuilding” نشرت صحيفة Le Figaro تقريرًا أفادت فيه أن الحزب “يتحرك في الظلام” بمساعدة إيرانية لإنشاء بنية عسكرية سرية جديدة، مع جيل أصغر وأكثر ديناميكية من القيادات.
مصادر وزارية لبنانية اعتبرت أن التقارير الإسرائيلية مبالغ فيها، “لأن حزب الله غير قادر على إعادة تسليح ذاته، وبالتالي غير قادر على المواجهة أو الرد على الاعتداءات الإسرائيلية. وأقصى ما يمكن فعله هو تأهيل ذاته بشريًا وهرميًا وقياديًا؛ أي تطويع عدد أكبر من العناصر، كما يظهر في مشهدية مدينة كميل شمعون الرياضية وكشاف السيد، وهو أمر سهل بالنسبة إليه، وتعيين قادة عسكريين ميدانيين لديهم خبرات حربية”.
واستبعدت هذه المصادر قدرة حزب الله على تسليح نفسه أو تهريب أسلحة عبر المرافق البرية والجوية والبحرية. كذلك استبعدت قدرته على نقل أسلحة من مكان إلى آخر، نظرًا للمراقبة الجوية الإسرائيلية المستمرة، والإجراءات التي يتخذها الجيش اللبناني في الجزء الشمالي من نهر الليطاني وصولًا إلى الحدود السورية.
واعتبرت هذه المصادر أن إسرائيل تسرّب عبر التقارير الأمنية التي ينشرها الإعلام الغربي، أن الحزب أعاد تأهيل ذاته عسكريًا، لكي تبرر أي ضربة عسكرية كبرى أو إعادة استئناف عملية “سهام الشمال” التي بدأت صيف العام الماضي.
كما رأى مصدر عسكري أن إسرائيل قد تعتمد الأسلوب ذاته الذي اتبعته سابقًا، إذ مع بداية حرب 2024 عمدت إلى اغتيال الصف الأول من القادة الأمنيين والعسكريين، قبل وبعد “البيجر”، وصولًا إلى محاولات اغتيال شخصيات بارزة مثل السيد حسن نصرالله والسيد هاشم صفى الدين. وهي اليوم تستهدف، بحسب المصدر، قادة الصف الثاني والثالث الذين تبوأوا مراكزٍ عسكرية، قبل أن توسع نطاق عملياتها — إذ نفّذت 12 عملية اغتيال خلال ثلاثة أيام.
واستبعدت المصادر العسكرية أي عمل بري تقوم به إسرائيل، لكونه لا يخدم الهدف المرجو، ورجّحت أن تقوم بحملة جوية مكثفة تستمر بين أسبوع وعشرة أيام، مستخدمة طائرات F-15 التي تصل حمولتها إلى نحو 10 أطنان من الذخائر، وطائرات F-16 التي تصل حمولتها إلى نحو 6 أطنان.
ورأى المصدر أن إسرائيل تخلق جوًا ضاغطًا سياسيًا وإعلاميًا وعسكريًا لكي تضغط على الدولة اللبنانية لتنفيذ التزاماتها وإنهاء حصرية السلاح، وسلْم سلاح حزب الله إلى الشرعية اللبنانية.
توقيت الضربة
ثمة عوامل عدة معلّق عليها توقيت الضربة:
- حرب غزة: اعتبرت مصادر دبلوماسية أن الحرب في غزة انتهت من الناحية العسكرية ولم تعد تشكّل عبئًا سياسيًا أو لوجستيًا على إسرائيل. وتبقى مسألة توقيت أي عمل عسكري في يد رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو الذي سجّل مكاسب سياسية عقب اتفاق غزة، ورأى في دعم سياسي مزعوم من الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب دفعةً تعزّز موقعه. وتضيف هذه المصادر أن نتنياهو يسعى إلى انتزاع “ضوء أخضر” أميركي لشن حملة عسكرية جوية على حزب الله لإنهاء التهديد على سكان الشمال، مقابل تنازله تحت ضغوط أميركية تتعلق بالتوقف عن التوسع في الضفة الغربية والالتزام باتفاقات السلام في غزة. وحتى الآن، تمنع إدارة الرئيس ترامب أي حملة مكثفة على حزب الله بانتظار ما سيقوم به الجيش اللبناني في إطار خطة حصر السلاح، إذ تفضل واشنطن أن يأتي الحلّ من قبل السلطة اللبنانية وليس من قبل إسرائيل.
- زيارة البابا: المقررة في 30 تشرين الثاني المقبل، ومن المستبعد أن تشنّ إسرائيل حملة واسعة قبل الزيارة، لأن أي توسعة لدائرة العنف ستؤدي إلى إلغائها، وهذا ما لا تقبل به الإدارة الأميركية، لكون الزيارة وتوقيتها منسَّقان بين الفاتيكان ودوائر البيت الأبيض؛ فالولايات المتحدة تعدّ اللاعب الحاسم في قرار السلم والحرب، ليس فقط في لبنان بل في المنطقة بأسرها.
- المهل الأميركية: يرتبط توقيت الضربة بنهاية المهل التي وضعها الرئيس ترامب شخصيًا لإنهاء الصراعات والحروب بنهاية العام الحالي، ما يضغط نحو حسم الأمور قبل انقضاء هذه المهل.
وعليه، فإن الدولة اللبنانية أمام مفترقٍ خطير جدًا: أمّا أن تعمل بجدية وصرامة على تنفيذ خطة حصر السلاح من دون مواربة ومماطلة، وإما أن تطلق الولايات المتحدة يدَ إسرائيل للاستباحة في لبنان، مخلفةً وراءها الدماء والدمار. فهل تستخلص الدولة اللبنانية العِبَر ممّا يجري، أم تترك لإسرائيل حرية إنهاء حزب الله عسكريًا؟

فادي شهوان
إعلامي لبناني ناشط في الصحافة التلفزيونية والإذاعية، يُعرف بأسلوبه الحادّ والنقدي الذي يناقش فيه القضايا السياسية والاجتماعية.
