يوم العاشر من كانون الأول، صادرت القوات الأميركية ناقلة نفط فنزويلية The Skipper التي كانت محظورة بموجب العقوبات الأميركية. يمثّل هذا الحدث أعلى تصعيدٍ عسكري–أمني من قِبل إدارة دونالد ترامب التي تتهم كراكاس بربط شبكات تهريب النفط والمخدرات بفصائل إرهابية، منها مجموعات لها ارتباطات بإيران.
وقد أعلنت شبكة CBS الأميركية أنّ الباخرة المحتجزة في الكاريبي هي إيرانية وعلى صلة بحزب الله. وتأتي هذه العملية ضمن حملة عسكرية أميركية ضد مهربي المخدرات، إذ شنّت القوات الأميركية غارات بصواريخ على زوارق سريعة Fast Boats كانت تنطلق من السواحل الفنزويلية.
تأتي الحملة على فنزويلا ترجمةً لما ورد في استراتيجية الأمن القومي الأميركي التي صدرت مطلع الشهر، والتي اعتمدت فيها إدارة ترامب مبدأ Monroe Doctrine، وهو أحد أهم المبادئ في السياسة الخارجية الأميركية، أعلن عنه الرئيس جيمس مونرو عام 1823، ويُعدّ مرجعاً أساسياً للتدخل الأميركي في النصف الغربي من الكرة الأرضية، أي الولايات المتحدة وكندا وأميركا اللاتينية.
وينصّ مبدأ مونرو على الآتي:
- منع أي دولة أوروبية من التدخل في شؤون دول الأميركيتين.
- اعتبار أي تدخل أوروبي تهديداً مباشراً للولايات المتحدة.
- تعهّد الولايات المتحدة بعدم التدخل في الشؤون الأوروبية.
وفي هذا السياق، اعتمدت الاستراتيجية مبدأ الواقعية المرِنة (Flexible Realism) بدل الهيمنة الليبرالية (Liberal Hegemony)، بمعنى التوقف عن لعب دور “شرطي العالم” والابتعاد عن التدخلات المفرطة التي تُكلّف دافعي الضرائب كثيراً، وإعادة توجيه الاهتمام نحو المناطق التي تشكّل تهديداً مباشراً للولايات المتحدة ومصالحها.
وترجمةً لهذا المبدأ، أي الاهتمام بالنصف الغربي من الكرة الأرضية وحماية “الحديقة الخلفية” للولايات المتحدة، قررت الإدارة التوجّه بقوة إلى أميركا اللاتينية، حيث تُعتبر فنزويلا الساحة التجريبية لاستراتيجية الأمن القومي الجديدة، بحسب وصف مصادر مراقِبة للشأن الأميركي.
إنّ الصراع الأميركي–الفنزويلي ليس صراعاً سياسياً محضاً، ولا يقتصر على مكافحة المخدرات وتبييض الأموال، بل هو صراع عقائدي. فحكومة نيكولاس مادورو، بالنسبة لإدارة دونالد ترامب، تُشكّل عائقاً أيديولوجياً يجب إزالته، وتحويل فنزويلا إلى دولة ديموقراطية تقطع علاقاتها مع الصين.
وتُعدّ الصين أكبر الدائنين لفنزويلا، إذ وفّرت لها قروضاً ضخمة مقابل إمدادات نفط مستقبلية. فهي تستثمر عبر شركتها China National Petroleum Corporation على المدى الطويل في استكشاف وإنتاج النفط ضمن اتفاقات طويلة الأجل. وقد منحت كراكاس عام 2024 عقود إنتاج نفطي مشترك لشركتين صينيتين لاستغلال حقول النفط في حزام أورينوكو (Orinoco Belt).
لذلك فإنّ أيّ تدخّل في النصف الغربي من الكرة الأرضية، من أي جهة كانت، يُعدّ تهديدًا للأمن القوميّ الأميركي، ولن تسمح به واشنطن. فهي تريد أن تكون القارّة الأميركية متعاونة بالكامل معها، ولا ترغب في تكرار الأحداث التي حصلت مع بنما، والتي كادت تمنح الصين نفوذًا كبيرًا ووجودًا استراتيجيًا في مواقع حسّاسة قرب القناة. فبعد قطع بنما علاقاتها مع تايوان واعترافها بالصين عام 2017، بدأت الاستثمارات الصينية تتدفّق إليها، ما أثار قلق الولايات المتحدة التي سارعت إلى فرض تغييرات فورية، إلا أنّ بنما نزعت فتيل الأزمة بعد سحب مشاركتها من مبادرة “الحزام والطريق” الصينية Belt and Road Initiative.
وفي كلّ الأحوال، فإنّ بحر الكاريبي اليوم مزدحم بترسانة أميركية قوامها اثنتا عشرة سفينة حربية وخمسة عشر ألف عنصر من البحرية الأميركية. واللافت أنّ مكافحة المخدرات كانت من صلاحيات شرطة مكافحة المخدرات Drug Enforcement Administration (DEA) وخفر السواحل Coast Guard، إلا أنّ الإدارة الأميركية أعادت تصنيف كارتيلات المخدرات من “منظمات خارجة عن القانون” إلى “منظمات إرهابية”، وانتقل اختصاص محاربتها من خفر السواحل والـDEA إلى الجيش تحت إمرة وزارة الحرب، بما يعكس الأهمية البالغة التي توليها الولايات المتحدة لهذا الملف، وأنّ الضغط العسكري الأميركي لن يتوقّف، وأنّ الغارات لن تقتصر على المراكب في عرض البحر، بل ستستهدف المواقع الحسّاسة لكارتيلات المخدرات.
ولا شكّ أنّ هذه الحملة لا تستهدف فنزويلا وحدها، بل تطال أيضًا المنظمات التي تصفها واشنطن بـ”الإرهابية” والمرتبطة بالمحور الإيراني. ولا شكّ أنّ أيّ ضربة محتملة ستُعدّ ضربة مباشرة لهذا المحور الذي ما زال يعتمد على المخدرات كمصدر أساسي للتمويل. وما إعلان شبكة CBS أنّ السفينة التي جرت مصادرتها خلال الساعات الأخيرة تابعة لإيران إلا دليل إضافي على انخراط طهران في عمليات التهريب.
وتروي مصادر متابعة أنّ العلاقة بين طهران وكاراكاس قديمة جدًّا، لكنها دخلت مرحلة متقدّمة في عهد الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد عام 2005. فبدافع أيديولوجي يقوم على مواجهة ما يسمّونه بـ”الظالمين” (أي الولايات المتحدة الإمبريالية)، وسعيًا لكسر العزلة، عمِل أحمدي نجاد والرئيس الفنزويلي هوغو تشافيز على توسيع التعاون السياسي والاقتصادي، وخصوصًا العسكري، بهدف الحدّ من النفوذ الأميركي في أميركا اللاتينية.
وتضيف المصادر أنّ مسؤولين فنزويليين من أصل لبناني، وعلى رأسهم طارق العيسمي الذي شغل منصب نائب الرئيس ووزير الداخلية وغيرها من المناصب، فضلًا عن دوره كأحد قادة “كارتيل دي لوس سوليس” cártel de Los Soles، تولّوا التوسّط لتشكيل شبكة إجرامية/إرهابية تضمّ حزب الله، وكارتيل دي لوس سوليس، و”لوس زيتاس” Los Zetas. وقد تولّى حزب الله تدريب عناصر الكارتيل، بما في ذلك التدريب على تصنيع العبوات الناسفة التي استُخدمت ضد الجيش المكسيكي، فضلًا عن تهريب المخدرات وغسل الأموال.
وفي عام 2011، شدّدت وزارة الخزانة الأميركية الخناق على شبكتين كبيرتين لغسل الأموال (أيمن جمعة وعباس حرب) تعملان في شبكات الاتجار بالمخدرات وغسل الأموال، وكانتا تنشطان في فنزويلا وبنين وجمهورية الكونغو وبنما وكولومبيا. ومؤخرًا، قامت إيران بتهريب صواريخ مضادّة للسفن وطائرات مسيّرة وزوارق هجومية سريعة، نُقلت على سفن من خليج غينيا على طول الساحل الغربي لأفريقيا.
ويرجّح أنّ واشنطن اليوم في صدد اتخاذ قرار بشأن كيفية التعامل مع هذا النظام المرتبط بالاتجار بالمخدرات. ويذهب بعض المحلّلين إلى أنّ على الولايات المتحدة إسقاط نظام مادورو وإحياء “مبدأ مونرو” عبر ضرب الكارتيلات والنظام معًا. ويجزم المراقبون بأنّ دونالد ترامب لن يأمر بغزو بري على طريقة غزو بنما، بل سيبدأ—على الأرجح—باستهداف مهربي المخدرات برًا وبحرًا. وقد يكون مادورو نفسه هدفًا محتمَلاً، إذ تنظر إليه واشنطن كأحد قادة “كارتيل دي لوس سوليس”.
لكن هل يعني ذلك سقوط نظامه؟ مصدر مراقب توقّع أنّ سقوط النظام سيتمّ لا محالة في المدى المتوسّط، وأنّ الولايات المتحدة لن تتراجع عن هذا المسار، وقد تُسهم فيه—إلى جانب العوامل الداخلية—العقوبات القاسية المفروضة على فنزويلا، سواء على أفراد وقيادات حكومية، أو على شركات النفط وشحن النفط وقطاع الطاقة، أو على الاستثمارات. وقد أفادت أرقام بأنّ العقوبات أدت إلى خسائر تُقدّر بـ 642 مليار دولار بين 2015 و2022.
وفي كلّ الأحوال، فإنّ إسقاط مادورو يعني إسقاط الحمايات التي تتمتّع بها منظمات المخدرات وتبييض الأموال والإرهاب العاملة على الأراضي الفنزويلية، وهو إسقاط لبؤرة تتجمع فيها كمّيات هائلة من المخاطر المتمثّلة بالمخدرات والإرهاب.

فادي شهوان
إعلامي لبناني ناشط في الصحافة التلفزيونية والإذاعية، يُعرف بأسلوبه الحادّ والنقدي الذي يناقش فيه القضايا السياسية والاجتماعية.
