الاغتراب تحت الحصار السياسي… من يخاف نتائج الصندوق؟

أصبح اقتراع المغتربين قضية حياة أو موت بالنسبة للثنائيّ الشيعي، إذ يلجأ إلى مختلف التكتيكات من أجل نسف مشاركة الاغتراب في انتخاب النوّاب الـ128، ورفعها إلى مستوى القضية الأم، أي التمسك بالسلاح.

يلاحظ المتابع للخطاب السياسي لدى الثنائي أنّ القضيتين (الاقتراع والسلاح) تحوّلتا إلى قضية رأي عام شيعية لا يجوز المسّ بها. فقد جرى تحويل خطاب السلاح من عنوان المقاومة ضدّ الاحتلال الإسرائيلي إلى عنوان حماية الطائفة الشيعية، بحيث بات أيّ مسّ بالسلاح يُعتبَر تهديدًا للطائفة، ليغدو السلاح مسألة وجودية ليس لحزب الله فحسب، بل للطائفة الشيعية ككل.

وكذلك الأمر بالنسبة لاقتراع المغتربين، بعدما قال الرئيس نبيه بري جملته الشهيرة: “إنّ إلغاء المادة 112 هو عزل لطائفة، وإنّ مشاركة المغتربين في الانتخابات الداخلية تُعَدّ تعرّضًا للطائفة وعزلًا لها”.

إذًا، اعتمدت حركة أمل وحزب الله الأسلوب ذاته في الدفاع عن القضيتين معًا. ففي الحكومة، لجآ إلى التصعيد المدروس والمدوزن، فلوّحا بالاستقالة، وانسحبا من الجلسات الحكومية، ورفضا أيّ توجّه لا ينسجم مع مواقفهما.

وفي الجلسة الحكومية الأخيرة التي كان بند اقتراع المغتربين على جدول أعمالها، لوّح الثنائي، قبيل انعقادها، بالاستقالة إذا اتّجه القرار نحو السماح للمغتربين بالاقتراع داخل الدوائر اللبنانية، إلا أنهما لم يُقدما على تنفيذ هذا التلويح.

على أيّ حال، سجّل الفريق المؤيّد لإلغاء الدائرة 16 نقطة أساسية في ملعب الفريق المدافع عنها. فعلى الرغم من اعتراض الوزراء الشيعة الخمسة، اقترح رئيس الحكومة نواف سلام تعليق العمل بالمادة 112 لا إلغاءها، كما كان مطروحًا، وخضع الاقتراح للتصويت فنال 17 صوتًا مؤيّدًا مقابل الأصوات الشيعية. كما جرى التصويت أيضًا على إلغاء البطاقة الممغنطة، وعلى المراكز الانتخابية الكبرى، وعلى تمديد مهلة تسجيل المغتربين حتى نهاية السنة.

وهكذا، رمت الحكومة مشروع القانون المعجّل المكرّر المتعلق بانتخاب المغتربين في ملعب رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي يمتلك بدوره خيارات واسعة في التعاطي مع هذا الملف.

خيارات الرئيس بري

تنصّ المادة 58 على أن «كلّ مشروع قانون تُقرّر الحكومة كونه مستعجلًا بموافقة مجلس الوزراء، مشيرةً إلى ذلك في مرسوم الإحالة، يمكن لرئيس الجمهورية بعد مضي أربعين يومًا من طرحه على المجلس، وبعد إدراجه في جدول أعمال جلسة عامة وتلاوته فيها، ومضي هذه المهلة من دون أن يُبتّ فيه، أن يصدر مرسومًا قاضيًا بتنفيذه، بعد موافقة مجلس الوزراء».

  • الخيار البديهي هو أن يضع رئيس مجلس النواب مشروع القانون على جدول أعمال جلسة تشريعية تُعقد قريبًا؛ فإذا أُقرّ أصبح نافذًا، وإذا لم يُقرّ يستطيع رئيس الجمهورية، بموجب المادة 58 من الدستور اللبناني، أن يصدره بمرسوم ليصبح قانونًا نافذًا.
  • الخيار الثاني هو أن يتجاهل رئيس المجلس المشروع ويضعه في “جاروره”، حيث لا تسري عليه أي مهلة دستورية ملزمة للمجلس.
  • أما الخيار الثالث فهو أن يُحيله إلى اللجان النيابية، ويعتمد مبدأ درس مشاريع القوانين من الأقدم إلى الأحدث.

وبالتالي، ما يزال الرئيس نبيه بري المتحكّم الأساسي في هذه المعركة، وقادرًا على استخدام الملف كما يشاء، ووضعه على طاولة البازار السياسي بانتظار التسوية المتعلقة بمصير الانتخابات ككل.

غير أنّ هناك من الدستوريين من يعتبر أنّه بمجرد إحالة المشروع إلى مجلس النواب، لا يستطيع رئيس المجلس تجاهله مطلقًا، إذ بعد مرور أربعين يومًا يمكن لرئيس الجمهورية استرداده وإصداره بمرسوم.

صحيح أنّ القانون النافذ الذي وافقت عليه جميع القوى السياسية يتضمّن في المادة 112 منه إنشاء دائرة للمغتربين تضمّ ستة مقاعد تمثّل الاغتراب، تُحدّد بالتساوي بين المسيحيين والمسلمين، موزّعة على الشكل الآتي: ماروني – أرثوذكسي – كاثوليكي – سُنّي – شيعي – درزي، وبالتساوي بين القارات الست. ويرفض رئيس مجلس النواب نبيه بري المساس بهذا القانون، ويعتبره «يأتي بعد الإنجيل والقرآن»، ويمتنع عن إدراج اقتراح قانون «معجّل مكرّر» قدّمه أكثر من ستين نائبًا لتعديل قانون انتخاب أعضاء مجلس النواب (رقم 44/2017)، لا سيما ما يتعلق بالمادة 112.

تقترب مهلة تسجيل المغتربين من نهايتها (20 تشرين الثاني)، في ظل تدنّي عدد المُسجّلين حتى الآن، إذ لم يتخطَّ العدد سقف 34 ألفًا، بينما كان قد سجّل 225,114 ناخبًا في العام 2022 موزّعين على كل القارات، واقترع منهم 141,568 في الدوائر الانتخابية الـ15.

لكن لماذا يصرّ الثنائي على تغييب الصوت الاغترابي ودفعه نحو دائرة خارجية؟ وهل الاغتراب مؤيّد أصلًا لفكرة إنشاء دائرة جديدة مخصّصة له؟

في الواقع، أظهرت دراسة شملت أكثر من ألفي مغترب من مختلف الطوائف وفي مختلف بلدان الاغتراب، أنّ 68.99% منهم يريدون الاقتراع للنوّاب الـ128، مقابل 17.66% يؤيّدون الاقتراع في «الدائرة 16»، و8.70% لا يمانعون أيًا من الخيارين، فيما 4.66% لا يهمّهم التصويت.

واللافت في الدراسة أنّ نسبة تأييد الشيعة للدائرة 16 ليست أكثرية ساحقة، إذ إنّ التأييد عند جمهور حزب الله يصل إلى خمسين في المئة فقط، حيث إن الذين يريدون الانتخاب لجميع النواب هم بمعظمهم من دائرة الجنوب الثالثة، التي تمكنت قوى التغيير من إحداث خرق فيها في الانتخابات الماضية. أمّا لدى حركة أمل، فإنّ نسبة تأييد الدائرة 16 تصل إلى 65 في المئة، فيما الباقون، أي الذين يريدون التصويت لنواب الداخل، فهم من منطقة الزهراني ليتمكنوا من الانتخاب للرئيس بري.

إذن، لماذا يريد الرئيس بري ومعه حزب الله، ويدعمهم التيار الوطني الحر، إبعاد الاغتراب عن الشأن الانتخابي الداخلي وخلق دائرة خاصة بهم؟ هل هذه المطالبة محقّة، وهل بالفعل تفيد الاغتراب؟ وهل لأنّ هذه القوى تخشى أن يكون المزاج الشيعي الاغترابي قد تغيّر منذ العام 2022 حتى اليوم نتيجة الحرب التي دمّرت الجنوب؟ قد تكون هذه الاحتمالية واردة، لكنها ربما ضئيلة، باعتبار أنّ الثنائي نال الغالبية الساحقة من الصوت الاغترابي في الانتخابات الماضية، علمًا أن حجز أموالهم في المصارف اللبنانية الذي حصل عام 2019 وضياع جنى عمرهم لم يؤثّر آنذاك على خياراتهم الانتخابية في عام 2022.

وفي الموازاة، من المبكر التكهّن بكيفية توزّع الصوت الاغترابي المسيحي والمسلم، لأنّ تسجيل الناخبين لم ينتهِ بعد، وسط تدنّي أعداد المسجّلين، حيث يبدو الاغتراب في حال ضياع ولا يعلم ماذا سيفعل، وأين سينتخب، وفي أي دائرة.

كل شيء معلّق بانتظار ما يُحضَّر في الكواليس السياسية. فهل حق الاغتراب في الانتخاب مُكرَّس؟ هل سيُسمح للمغتربين بالانتخاب في قيود نفوسهم اللبنانية؟ أم سيُطاح بهذا الحق تحت ذرائع متعدّدة؟ لا شكّ أنّ الأمور في لبنان محكومة بالتسويات، فلننتظر التسوية المقبلة.

مقالات الكاتب

فادي شهوان

إعلامي لبناني ناشط في الصحافة التلفزيونية والإذاعية، يُعرف بأسلوبه الحادّ والنقدي الذي يناقش فيه القضايا السياسية والاجتماعية.