«ليس الإحباط قدراً»… عن وجع شعب يبحث عن خلاص

 

في بلدٍ يُشبه غرفة انتظار طويلة بلا نهاية، يعيش اللبنانيون حالة إحباط جماعي لا يصفه علم نفس، ولا يُسكّنه خطاب سياسي أو وعود فارغة. هو إحباط مزمن، يتغذّى من الفقر المادي والفكري، من الذلّ اليومي، من طوابير المهانة والإذلال، ومن موت الحلم بغد أفضل.

لم يأتِ هذا الانهيار فجأة. بل هو نتيجة تراكم خيبات، تسويات مريبة، وانهيارات صامتة، بدأت يوم تعوّد الناس على اللاعدالة. فكيف لا يصاب الإنسان بالإحباط، حين تُسلب أمواله من المصارف بلا محاسبة، وتفجّر مدينته أمام أعينه، ويُطلب منه أن يكون “مرناً” مع دولة لا تضمن له أبسط حقوقه؟ كيف لا تنهار نفسيته حين يُطالَب بالصبر فيما من دمّر البلاد حجراً وبشراً يسرح  ويمرح في القصور؟ الإحباط الذي يعيشه اللبنانيون هو نتيجة تراكم طويل من الخيبات والفساد واللامبالاة من منظومة استنزفت كل شيء: المال، الثقة، الحلم، وحتى القدرة على الحزن.

لكن الأخطر أن هذا الإحباط لم يعد شخصياً، بل تحوّل إلى نمط حياة، إلى تطبيع مع القهر إلى جملة يومية تُقال: “شو بدنا نعمل؟”. وهنا تحديداً تبدأ المشكلة الأخلاقية قبل النفسية: حين يُطلب من المواطن أن يتأقلم مع الوجع بدل أن يرفضه. فمن يُنقذ اللبناني من هذا الواقع؟ الجواب لا يكون بدواء، بل بعدالة وحكم القانون. بإعادة تشكيل الدولة من أساسها، على قاعدة المحاسبة لا المحاصصة. برجال ونساء سلطة يؤمنون بأن السياسة خدمة لا صفقة. وبإعلام لا يُزيّن القبح ويحرر ولا يكبل، وبقضاء لا يفاوض، بل يُدين.

أما في العمق، فالشفاء يبدأ من استعادة الإنسان ثقته بنفسه، بأن له قيمة، وأنه ليس مجرّد ضحية ظرف أو قدر. حين يرفع صوته، لا ليشتم وحسب، بل ليطالب، ليُحاسب، وليقول: “أنا مش محبط… أنا موجوع، ورافض وجعي”. ويستمر بـشعب لا ييأس، يرفض التعايش مع الظلم، ويعيد تكوين وعيه السياسي والاجتماعي من دون وهم ولا تعلّق بمخلّص زائف.

في هذا الظرف المظلم لا يحتاج الشعب اللبناني إلى معجزة، ولا يكفي أن يلعن العتمة، بل يحتاج لمن يعيد له الكرامة، العدالة، والحد الأدنى من الأمان والصدق. نحن بحاجة إلى شرارة أمل تقود إلى الفعل. بحاجة إلى من يوقظ الناس من خمولهم، لا من يستثمر في تعبهم. نحتاج اليوم إلى أن نحوّل هذا اليأس الجماعي إلى قوة اعتراض منظم، إلى ضغط شعبي وحقوقي يحرّك الجمود القاتل.

لا نريد غضباً أعمى، بل غضباً يعرف أين يوجّه صرخته، وكيف يُترجم وجعه إلى فعل، إلى موقف، إلى مشروع. الغضب البنّاء هو بداية التغيير، أما الاستسلام فهو التوقيع النهائي على موت الأمل. لبنان اليوم لا يحتاج إلى إداريين باردين، بل إلى قائد مُلهِم، يُحسن مخاطبة الوجدان قبل العقول، يقود لا يساير، يواجه لا يساوم. نحتاج إلى شخصية تحمل جرأة ذاك الذي يعرف كيف يخاطب الناس بلغتهم، ويوقظ فيهم شعور الكرامة والقوة والانتماء، ليس تمجيداً لأحد، بل استحضاراً لنموذج قيادي افتقده اللبنانيون في زمن التراخي والمساومات. نحن بحاجة إلى نهضة وعي، وقيادة تؤمن بالناس قبل أن تطلب منهم الإيمان بها. بحاجة إلى من يُشعل فينا الشجاعة لنُصدق أن هذا الوطن لا يستحق الموت البطيء.

في لحظة تبدو فيها الهزيمة عامة وشاملة، نحتاج أن نستعيد ما قاله الصحافي سمير قصير ذات يوم: “ليس الإحباط قدراً”. هي عبارة قصيرة، لكنها بحجم انتفاضة. تذكير بأن الاستسلام اختياري، كما أن النهوض ممكن. أن نرفض الإحباط، هو أول فعل مقاومة حقيقي في زمن الانهيار. “التغيير صعب، لكن مستحيل نعتبر الإحباط قدر دائم، البلد موجوع… بس مش ميّت”، من يُداوي إحباط هذا الشعب؟ لبنان لا يُبنى بلا حلم وسردية جديدة. ولا يُقاد بلا أمل. ولا ينهض بلا من يؤمن أنه يستحق الحياة.

مقالات الكاتب

جان نمّور

محامٍ لبناني وناشط سياسي، يتمتع بخبرة واسعة في مجال تسوية النزاعات والتحكيم. حاصل على ديبلوم دراسات متخصّصة في المنازعات والتحكيم والطرق البديلة لحلّ النزاعات، ومتخصّص في مجال الوساطة في جامعة القديس يوسف. يعمل كمحكّم معتمد في عدد من القضايا القانونية.

يشغل أيضاً منصب مستشار في السياسات العامة والتشريع، وقد ساهم في إعداد وصياغة عدد من القوانين اللبنانية. له العديد من الدراسات القانونية المنشورة، ويُعرف بمساهماته الفاعلة في تطوير الإطار التشريعي وتعزيز آليات العدالة البديلة في لبنان.