في التاريخ، تتبدّل الوجوه، لكنّ الذاكرة لا تشيخ. وفي السياسة، تتبدّل الأقنعة، لكنّ الدم لا يُغسَل بالتصريحات.
ها هي إيطاليا اليوم تقف على صفيحٍ ساخن، لا من بركان فيزوف، بل من بركان الوعي الشعبيّ الذي بدأ يغلي تحت أقدام السلطة، في بلدٍ كان يومًا مهد الفاشية ومقبرة موسوليني… ليُعيد التاريخ نفسه على نحوٍ ساخرٍ ومأساويّ في آن، عبر امرأة تُدعى جيورجيا ميلوني — “حفيدة الفاشية”، التي تجد نفسها الآن أمام احتمالات المحاكمة في لاهاي بتهمة التواطؤ في الإبادة الجماعية بحقّ الفلسطينيين.
مباراة كرة… أم شرارة انتفاضة أوروبية؟
الثلاثاء القادم، في مدينة أوديني الهادئة شمالي إيطاليا، سيلتقي المنتخب الإيطالي نظيره الإسرائيلي في مباراةٍ رياضيةٍ كان يُفترض أن تبقى في حدود المستطيل الأخضر، لكنها تحوّلت إلى ساحة مواجهة رمزية بين الشعوب والأنظمة، بين الضمير والسلطة.
الدعوات إلى مقاطعة المباراة لم تأتِ من جماعاتٍ عربية أو يسارية فحسب، بل من بلدياتٍ محلية ونقاباتٍ وأوساطٍ رياضيةٍ إيطالية أعلنت بوضوح رفضها تحويل الملاعب إلى منصّاتٍ لتلميع صورة دولةٍ غارقة في دماء المدنيين في غزة.
وقد اعترف المدرب الإيطالي نفسه بحرج الموقف، قائلًا: “هناك عشرة آلاف متظاهر في الخارج، وستة آلاف متفرّج في الداخل… وكنّا نفضّل أجواءً مختلفة.” لكنّ “الجوّ المختلف” هو ما يرفضه الشارع الآن؛ إذ لم يعُد الإيطاليّ البسيط قادرًا على فصل الرياضة عن السياسة حين يرى صور الأطفال في غزة تُعرض على الجدران بينما تُرفع أعلام إسرائيل في الملاعب الأوروبية.
الموساد في أوديني… والحكومة تحت النار
اشتعلت الدراما السياسية حين كشف نوّاب من تحالف الخضر واليسار عن سماح الحكومة لجهاز الموساد بالتحرّك بحرية في المدينة استعدادًا للمباراة، بذريعة “التنسيق الأمني”، وهو ما اعتبرته المعارضة “إهانةً للسيادة الوطنية”. وانفجرت الفضيحة كقنبلة: هل أصبحت إيطاليا ساحةً خلفية لجهازٍ أجنبيّ يعمل بلا قيد؟ وهل نحن أمام ميلوني جديدة تحوّل البلاد إلى “مستعمرة استخباراتية” لصالح تل أبيب؟
الجواب لم يتأخر. فقد كشفت رئيسة الوزراء بنفسها، في مقابلةٍ تلفزيونية، عن رفع دعاوى ضدها في المحكمة الجنائية الدولية بتهمة التواطؤ في الإبادة الجماعية، لتتحوّل من رمز “المرأة الحديدية” في أوروبا إلى رمز “الوجه الناعم للفاشية الجديدة”.
من بائعة الطماطم إلى سيدة القصر
يا للمفارقة! قبل أربعة عقود، كانت امرأة تُدعى آنا ماريا تورتورا تبيع الطماطم والخيار في سوق روما الشعبي، ولم تكن تدري أن الطفلة الصغيرة التي تمسك بيد جدّها في الطابور وتأكل من خضرواتها الطازجة، ستصبح يومًا ما رئيسة وزراء إيطاليا. كبرت ميلوني في حيّ “غارباتيللا” الفقير، معقل اليسار التاريخي، لكنها حملت داخلها بذرة التمرّد العكسيّ: انتقامٌ من والدٍ يساريّ هجرها، وارتماءٌ في حضن أمّ فاشية الهوى.
كبرت الطفلة وهي تحفظ أناشيد موسوليني، وتجد في نار شعار حزبها “إخوان إيطاليا” امتدادًا للنار التي قالوا إنها تشتعل فوق قبر الديكتاتور نفسه.
وهكذا، حين وصلت إلى القصر الحكومي، لم تَنسَ إرثها… بل أعادت تلميعه بلغةٍ حديثة، تخلط الدين بالقومية، والعاطفة الشعبية بخطاب الخوف من المهاجرين.
فاشية في ثوبٍ ديمقراطيّ
تصرّ ميلوني اليوم على أنها ليست فاشية. تقولها بابتسامةٍ واثقةٍ أمام الكاميرات، بينما تشيّد جدرانًا من الخوف بين أوروبا والشرق. لكنّ الفاشية لا تُقاس بالرموز وحدها، بل بالعقلية: عقلية ترى في المختلف خطرًا، وفي المظلوم عبئًا، وفي المأساة مادةً لتقوية السلطة.
هي لم تُرسل جيوشها إلى غزة، لكنها أرسلت دعمها السياسيّ لإسرائيل، وساهمت بصمتها في شرعنة القتل، ثمّ تذرّعت بأنّ بلادها “لم توافق على أيّ إمدادات أسلحة جديدة منذ السابع من أكتوبر”، وكأنّ المشاركة في الجريمة تحتاج إلى بندقيةٍ فقط، لا إلى تواطؤٍ أخلاقيّ.
الشارع الإيطالي اليوم ليس كما كان. ملايين خرجوا في تظاهراتٍ ضدّ الحرب على غزة، لا دفاعًا عن الفلسطينيين وحدهم، بل عن إنسانيتهم هم. إيطاليا التي أنجبت دانتي ورافائيل لم تعُد تحتمل رؤية الأطفال يُقتلون على الشاشات باسم “الأمن القوميّ الإسرائيليّ”. والوعي الأوروبيّ، الذي ظلّ طويلًا نائمًا على وسادة الذنب التاريخي تجاه اليهود، بدأ الآن يستيقظ ليرى أن الضحية تحوّلت إلى جلّاد.
من روما إلى برلين إلى مدريد، المظاهرات تتسع، والأنظمة الحاكمة تفقد السيطرة على الشارع. فهل تكون مباراة أوديني الشرارة التي تُشعل انتفاضةً أوروبيةً كبرى ضدّ التحالف الصامت بين السلطة والسلاح؟ وهل تتحوّل محاكمة ميلوني في لاهاي إلى لحظةٍ فاصلة بين زمنين: زمنٍ تُدار فيه أوروبا من العواصم، وزمنٍ جديدٍ تُقاد فيه من الشوارع.
التاريخ لا يُعيد نفسه عبثًا
من موسوليني إلى ميلوني، يبدو أن إيطاليا ما زالت تدور في فلك الزعيم الواحد، والخطاب المعبّأ بالخوف، والهوية المغلقة التي ترفض الآخر. لكنّ الشعوب، حين تشتعل، لا تعود إلى الوراء. فكما سقطت تماثيل موسوليني تحت أقدام الإيطاليين الغاضبين، قد تسقط قريبًا شعارات ميلوني في وجه الجيل الجديد الذي يرفع علم فلسطين في قلب روما، لا تضامنًا فقط، بل إعلانًا عن ميلاد ضميرٍ أوروبيّ جديد، يُعيد تعريف العدالة من الملعب إلى المحكمة، ومن الطماطم إلى التاريخ.
كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية..!!

محمد سعد عبد اللطيف
كاتب مصري وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية. يتناول الشأن السياسي والثقافي كما القضايا العربية والتاريخ. يتميز بأنه يجمع بين الشعرية والنقد.
