لم تعد الإساءات إلى الجامعة اللبنانية تأتي من خارجها كما في السابق (سعت إلى ذلك الجامعات الخاصة ورأس المال الكامبردوري وممثلو الطبقة الطفيلية الانتهازية الاستغلالية، الطبقة غير المنتجة التي تتسم باللصوصية المكشوفة)، بل باتت تنبع من داخلها، من بعض المنتسبين إليها ممن يفترض أن يكونوا حراسها وحماة رسالتها العلمية. فحين يتحول الأستاذ الجامعي إلى أداة بيد تياره السياسي أو الطائفي، يفقد موقعه الأكاديمي روحه، ويغدو سلاحًا ضد المؤسسة التي ينتمي إليها، بدل أن يكون درعًا لها (هنا لا نستثني أحدًا).
البطانة الحزبية… الوجه الخفي للأزمة
في عمق هذه الإشكالية تكمن ظاهرة ما يمكن تسميته بـ«البطانات الحزبية والفئوية» داخل الجامعة، وهي مجموعات تحتمي بانتماءاتها السياسية أو المذهبية لتفرض نفوذها على الموظفين والهيئة الإدارية والمجالس الأكاديمية والزملاء الذين لا حمايات سياسية لهم – الأكاديميون بحق. وتتجلى هذه الهيمنة في أشكال متعددة: ضغوط أكاديمية (عبر منح الساعات للمحظيين، وحرمان غير المحظيين منها _ منح الساعات لغير أهل الاختصاص والذين يحملون شهادات تخالف موادهم التدريسية، الخ)، تهميش للكفاءات، حملات تشهير منظمة، واستدعاءات شكلية تهدف إلى الترهيب والابتزاز عبر الهاتف وبطرق ملتوية عبر «الشبيحة» الذين يرتدون عباءة الأكاديمية زورًا وبهتانًا.
لقد تحولت بعض المكاتب الحزبية إلى غرف تحكّم غير معلنة داخل الكليات، تتخذ القرارات، وتوجّه التعيينات، وتتحكم بمسار العلاقات المهنية والعلمية، حتى باتت بعض المواقع الجامعية تُدار وفق منطق الولاء لا الكفاءة.
تدهور المعايير الأكاديمية
النتيجة الطبيعية لهذا التغلغل هي تآكل المعايير الأكاديمية وتراجع قيمة الجامعة في عيون المجتمع. فبدل أن يُكافأ المجتهد، يُقصى لصالح من يملك الغطاء الحزبي. وبدل أن يكون الحوار العلمي هو المرجعية، تصبح لغة الاتهام والتخوين هي الأداة المعتمدة لإقصاء الخصوم.
والأدهى أن بعض هؤلاء يشنّون حملات منظمة عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، مستغلين علاقاتهم أو نفوذهم لتشويه سمعة زملائهم أو الإدارات الجامعية، في سلوكٍ يذكّر بأساليب «صنّاع الأقبية» لا بروحية الأكاديميين.
من الأكاديمية إلى الغنيمة
لقد انحدر بعض من يتصدّر المشهد الجامعي إلى مستوى من البراغماتية المصلحية التي تحوّل العمل الأكاديمي إلى ساحة محاصصة، والمناصب إلى غنائم توزع بين الموالين.
هذا السلوك يعكس فشلًا أخلاقيًا قبل أن يكون إداريًا، لأن من يبتغي الموقع من أجل النفوذ لا من أجل العلم، يفرّغ الجامعة من رسالتها. إنّهم في الواقع أقل كفاءة، وأضعف علمًا، وأبعد ما يكونون عن رسالة التعليم العالي، لكنهم الأقدر على المناورة داخل شبكات الولاء والانتماء الضيقة.
الجامعة ليست مزرعة
الجامعة اللبنانية، بما تمثل من تاريخ وطني ومكانة أكاديمية، ليست ساحة لتصفية الحسابات الحزبية ولا مسرحًا لتجريب الولاءات. هي فضاء وطني جامع، لا يليق به أن يُدار بمنطق الفئوية. إنّ الإساءة إلى الجامعة، تحت أي غطاء، ليست حرية رأي، بل خيانة للمؤسسة، وتعدٍ على قيمها وطلابها ومجتمعها.
إنّ ما يمكن تسميته بـ«البطانات الحزبية والفئوية» أصبح يشكّل خطرًا مباشرًا على استقلال الجامعة ووحدتها؛ إذ تُمارس هذه المجموعات ضغوطًا ممنهجة على زملائها الأساتذة، مستخدمة أدواتٍ تشهيرية وإكراهية تشبه ما تمارسه أجهزة القمع، من استدعاءاتٍ وهمية، وتشهيرٍ مقصودٍ، وتسريباتٍ إعلاميةٍ مغرضة، في محاولةٍ لفرض ديكتاتورية الأكثريّة داخل مناطق نفوذهم الحزبي أو المذهبي.
لقد أفرز هذا الواقع مجموعة من الأساتذة الذين لا يمثّلون روح الجامعة ولا رسالتها، بل يشوّهونها. فهم – في الغالب – الأقل كفاءةً علميًا، والأضعف من حيث السمعة الأكاديمية، والأبعد عن الالتزام الأخلاقي والبحثي. هؤلاء لا يسعون إلى خدمة طلابهم أو تطوير البحث العلمي، بل إلى احتكار القرار، وإقصاء الكفاءات، وتدمير الجامعة من الداخل عبر التحريض الإعلامي واستخدام الخطاب الطائفي والفئوي وسيلةً للضغط والابتزاز.
أيُّ نجاحٍ هذا الذي يتغنّى به بعضهم وهم يسخّرون مواقعهم لخدمة مصالح فئوية ضيقة؟ أيُّ إنجازٍ أكاديميّ يُبنى على تشويه صورة الزملاء وتخوين المختلفين معهم واستدعاء العصبيات المحلية والمذهبية والطائفية؟ إنّهم يسعون إلى مقعدٍ فارغ وغنيمة عابرة، غير مدركين أنهم يساهمون في تفريغ الجامعة من مضمونها الوطني والإنساني.
لقد آن الأوان لأن تُستعاد للجامعة اللبنانية كرامتها وهيبتها واستقلالها، وأن يُقال بوضوح: «من يسيء إلى جامعته، أيًّا كانت رايته أو حزبه أو تياره، هو عدوٌّ للعلم والمعرفة، ومشاركٌ في تدمير المؤسسة التي ينتمي إليها». الجامعة ليست مزرعةً ولا منبرًا للولاء، بل فضاء حرٌّ للعلم والكرامة الوطنية، ومن لا يدرك ذلك فمكانه خارج أسوارها، لا على منابرها.
إنّ استعادة هيبة الجامعة اللبنانية تبدأ من تجفيف منابع الولاء الفئوي، وتحصين استقلالها الأكاديمي، ووضع سياسات حازمة ضد التشهير والمشهرين، وضد التحريض والمحرضين، حتى لا يتحول الخلاف المهني إلى حرب إعلامية، ولا تصبح الكفاءة رهينة الولاء. فالجامعة التي تتسع للجميع لا يمكن أن تبقى رهينة لفئةٍ تدّعي امتلاك الحقيقة وهي في الواقع تعيد إنتاج الجهل بوجهٍ جديد.
إنّ الجامعة بيت الوطن، ومن يسيء إليها، أيًّا كانت رايته أو انتماؤه، إنما يسيء إلى ذاته، ويهدم آخر قلاع العقل في زمن الفوضى.

د. زياد منصور
أستاذ في قسم التاريخ في الجامعة اللبنانية، وباحث في القضايا الروسية.
