تُثبت الطبقة السياسية اللبنانية، يوماً بعد يوم، أنّها لا تنظر إلى المؤسسات الدستورية إلا بوصفها خشبة مسرح تُعرَض عليها مشاهد صراعٍ وهمي، فيما تُعقَد الصفقات الحقيقية في الكواليس. مسرحية جلسة الأمس في مجلس النواب جاءت لهدف واحد: “تطيير” الانتخابات النيابية والذريعة هذه المرة: مقاعد المغتربين.
لكن قبل الدخول في التفاصيل، يبرز سؤال بديهي: إذا كانت القوات اللبنانية وحلفاؤها قادرين على تعطيل الجلسات متى شاؤوا، ويتمتعون بالقدرة العددية والسياسية لذلك، فلماذا لم تُستخدم هذه القدرة حين كان اللبنانيون يُسحقون في جوهر حياتهم اليومية؟ أين كان هذا “الحرص على الدستور” في عرقلة تحقيق انفجار مرفأ بيروت؟ وأين كانت “الغيرة على السيادة” حين جرى إنقاذ مافيا المصارف من المحاسبة؟ وأين اختفت “الحمية” في كل ملفات الفساد والتدخل في القضاء؟ وعندما قالت النائب سينتيا زرازير يوماً أن “نبيه بري خطف المجلس النيابي”، لماذا لم تستنفر القوى ذاتها لمساندتها كما استنفرت أمس؟
الأمر لا يقف عند هذا الحد. فالقوات التي اعتبرت تعطيل النصاب في عامَي 2014 و2023 انقلاباً على الدستور، لجأت أمس إلى السلاح ذاته. هكذا، فجأة، يصبح النصاب أداة مشروعة والدستور نصاً قابلاً للتأويل وفق المصالح والأهواء.
المستفيدون من “تطيير” الانتخابات كُثُر: الرئيس نواف سلام ليبقى رئيساً للحكومة؛ الرئيس نبيه بري ليبقى رئيساً للمجلس؛ القوات اللبنانية لضمان أن المجلس الذي سيتشكّل لاحقاً سيكون هو نفسه الذي ينتخب رئيس الجمهورية عام 2031 بما يخدم مشروع سمير جعجع الرئاسي؛ والمستقلون الذين تراجع رصيدهم الشعبي، والذين يحتاجون إلى الوقت لإعادة تجميع أنفاسهم السياسية. أما الحديث عن “حقوق المغتربين”، فليس سوى غطاء تجميلي لسيناريو يخدم المصالح المشتركة. فالاغتراب الذي يزعمون الدفاع عنه هو نفسه الذي هرب من قبضة هذه السلطة وفشلها وفساد حكامها.
وما لم يعره كثيرون أهمية أنه، وبينما كانت بعض القوى تحتفل بـ”انتصار داخلي” على الرئيس بري، كان الأخير يمارس لعبته التقليدية: يترك المسرح مفتوحاً للجمهور، فيما هو يطهو التفاهمات ويرسم مصير المنطقة مع الجميلة أورتاغوس. وبالتالي، إذا كان من مشهد صادق يفضح حقيقة المسرحية، فهو ما قاله النائب جورج عدوان: “لا خلاف مع الرئيس بري”.
خلاصة القول: الجميع يريد التأجيل والجميع يبحث عن مخرج مُقنّع. وكان سمير جعجع، كالعادة، البطل المسرحي الذي يهوى أدوار البطولة في مشهد كُتب مسبقاً ووزّعت أدواره بعناية.
أمّا المواطن، فبقي جالساً أمام خشبة المسرح… يصفّق… بانتظار المسرحية المقبلة…

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
