في زمنٍ صار فيه الإعلام أداةً رئيسية في تشكيل الرأي العام، لم يعد السؤال: ماذا نعرف؟ بل: كيف نعرف؟ ومن يقرّر ما نعرفه؟
في لبنان، كما في غيره من الأنظمة الطائفية والزبائنية، باتت وسائل الإعلام امتداداً مباشراً للقوى السياسية، تموّلها وتوجّه رسائلها، وتستخدمها منصّاتٍ لتسويق أجنداتها. وبالتالي، ما يُعرض على الشاشات أو يُنشر في المواقع ليس بالضرورة ما يهمّ الناس أو ما يعكس الواقع، بل ما تريده الجهة السياسية أن يُعرَف.
في هذا المشهد، يغيب الإعلام الحرّ، ويحضر التوجيه السياسي، ليصبح الرأي العام نفسه ضحيةً للتسويق. تُزرع الأفكار في العقول وتُكرَّس، فتصبح وسائل الإعلام من ناقلة للوقائع إلى صانعة للرأي العام. لا تسأل: ماذا جرى؟ بل: كيف سنعرضه؟ ولصالح مَن؟ وهنا تبدأ البروباغندا.
لم يعد التسويق السياسي مجرد أداة دعائية لدعم مرشّح أو تمرير فكرة، بل تحوّل إلى علمٍ متكامل يُستخدم للتأثير في سلوك الجماهير، وتشكيل وعيهم، وتوجيه خياراتهم — أحياناً دون أن يدركوا ذلك. في عصر الإعلام الموجَّه والمنصّات الرقمية، بات بإمكان الجهات السياسية زرع أفكار معيّنة والتركيز عليها بشكلٍ منهجي، حتى تتحوّل إلى قناعات راسخة في أذهان الناس، ولو كانت مبنية على معلومات مجتزأة أو مضلِّلة.
كذبة تُكرَّر بما فيه الكفاية تُصبح حقيقة. هذه ليست عبارة عابرة، بل قاعدة أساسية في علم التسويق السياسي. فالرسائل، مهما كانت مضلّلة أو ناقصة، حين تتكرّر باستمرار، تصبح جزءاً من الوعي الجماعي وتُعامَل كحقيقة.
وفي عالم اليوم، لا يقتصر الأمر على التكرار فقط؛ فخوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي تحبس المستخدم داخل “فقاعته الفكرية” حيث لا يرى إلا ما يُؤكّد قناعاته: لا خلاف، لا حوار، لا نقد… بل تأكيدات متكرّرة تعزّز الرأي ذاته وتُقصي الآخر. وهكذا يصبح التطرف سهلاً، ويضعف التفكير النقدي والحر.
ومثال صارخ على ذلك ما جرى في لبنان: عبر حملات إعلامية ممنهجة، تركز الخطاب العام على تحميل حاكم مصرف لبنان السابق كامل مسؤولية الانهيار. هل هو بريء؟ بالتأكيد لا. لكن هل هو المسؤول الوحيد؟ قطعًا لا.
لقد جرى تسويقه كـ”كبش فداء”، بينما جرى غضّ النظر عن منظومة كاملة من السياسيين والنافذين الذين راكموا الفساد وأداروا النهب لعقود. ما حصل لم يكن سهواً، بل عملية تسويق سياسي بامتياز، تقوم على التكرار، والانتقاء، والتضليل الموجَّه. الهدف لم يكن فقط توجيه الغضب الشعبي، بل حماية باقي مكوّنات المنظومة.
المطلوب اليوم ليس الدفاع عن أي شخص، بل فضح آليات التوجيه والتضليل، وتمكين الناس من أدوات التحليل والنقد لفهم أعمق وأدق للواقع. حين نركز على شخص ونُهمل السياق، نُضيع البوصلة ونمنح الفاسدين فرصة جديدة للنجاة.
في عصر الانفجار الإعلامي وتعدّد منصّات التواصل، لم تعد السياسة تُبنى على البرامج والرؤى بقدر ما أصبحت عرضاً تسويقياً متقناً، يُصاغ فيه الرأي العام ويُوجَّه كما تُوجَّه الحملات التجارية.
وفي مواجهة واقعٍ إعلامي مسيّس ومجتمعٍ مُستهدَف بالرأي المُعلّب، يصبح التحدي الأساسي: كيف نحمي وعي الناس؟ كيف نخلق مواطنين ناقدين لا منقادين؟ الجواب يبدأ بالتربية، ويتعزّز بالثقافة والمواكبة. المطلوب اليوم أن نربّي جيلاً لا يكتفي بتلقّي المعلومات، بل يطرح الأسئلة، يقارن، يتحقق، ويصوغ رأيه الحرّ والمستقل.
عندما يتحرّر الرأي العام من التوجيه، يصبح هو القائد لا المُقاد. فبناء دولة ديمقراطية لا يبدأ من الصناديق، بل من عقول الأفراد. نريد إعلاماً يُنير لا يُبرمج، وجمهوراً يُفكّر لا يُلقَّن؛ بل يُناقش، يُسائل، يُشكّك، ويواجه الدعاية بالحجة لا بالعاطفة. فبناء وطن يبدأ بتحرير العقول… لا بتزييفها.

جان نمّور
محامٍ لبناني وناشط سياسي، يتمتع بخبرة واسعة في مجال تسوية النزاعات والتحكيم. حاصل على ديبلوم دراسات متخصّصة في المنازعات والتحكيم والطرق البديلة لحلّ النزاعات، ومتخصّص في مجال الوساطة في جامعة القديس يوسف. يعمل كمحكّم معتمد في عدد من القضايا القانونية.
يشغل أيضاً منصب مستشار في السياسات العامة والتشريع، وقد ساهم في إعداد وصياغة عدد من القوانين اللبنانية. له العديد من الدراسات القانونية المنشورة، ويُعرف بمساهماته الفاعلة في تطوير الإطار التشريعي وتعزيز آليات العدالة البديلة في لبنان.
