في انتخاباتٍ بدت وكأنها تجري في قلب واشنطن لكنها تتنفس من غزة، تهتزّ خريطة السياسة الأميركية على وقع تحوّلٍ عميق في المزاج الشعبي تقوده الأجيال الشابة.
لم يكن فوز زهران ممداني في نيويورك مجرّد انتصارٍ حزبي، بل إعلان عن زمنٍ جديدٍ تتداخل فيه السياسة الداخلية مع القضايا الأخلاقية العالمية، ويعيد فيه الشباب تعريف معنى العدالة، والهوية، والديمقراطية الأميركية ذاتها.
غزة في قلب الانتخابات الأميركية
لم تكن نتائج الانتخابات الأخيرة في الولايات المتحدة، وبالأخص في مدينة نيويورك، حدثًا محليًا فحسب؛ بل بدت امتدادًا لصراع أوسع يتجاوز الجغرافيا الأميركية. ففوز المسلم من أصل إفريقي زهران ممداني بمنصب عمدة نيويورك مثّل لحظة سياسية فارقة، ليس لأنها كسرت بعض القوالب التقليدية في الوعي الانتخابي الأميركي، بل لأنها أعادت إدخال غزة إلى قلب النقاش الانتخابي داخل المدن الكبرى.
فخلال حملته، ربط ممداني بين السياسة الخارجية والسياسات الداخلية، واعتبر أن «العدالة لا يمكن أن تكون انتقائية»، فانتقد الحرب على غزة ووصفها بـ«الإبادة الجماعية»، داعيًا إلى محاسبة إسرائيل على انتهاكاتها. هذا الموقف الذي اعتبره البعض «جريئًا» في مدينة تُعدّ معقلًا تاريخيًا للوبيات اليهودية والمالية، لم يضعف حملته كما توقع خصومه، بل منحه مصداقية لدى جيل جديد يرى في الموقف الأخلاقي جزءًا من السياسة اليومية.
المثير أن بعض استطلاعات الرأي أشارت إلى أن ما يقارب ثلث الناخبين اليهود في نيويورك دعموا ممداني، فيما أظهرت تحليلات ميدانية أن نسبة كبيرة من اليهود تحت سن 45 عامًا صوّتت له أو امتنعت عن التصويت لخصومه، في مؤشر واضح على تصدّع العلاقة التقليدية بين يهود أميركا وإسرائيل.
هذا التحول لا يمكن فصله عن تداعيات حرب غزة، التي كشفت الفجوة المتزايدة بين رؤية الجيل اليهودي الشاب وقيادة إسرائيل الحالية برئاسة نتنياهو.
لقد أصبحت غزة مرآةً لمعايير العدالة الجديدة في الوعي الأميركي، حتى لدى فئات كانت تاريخيًا مرتبطة بالمؤسسة المؤيدة لإسرائيل. فالقضية الفلسطينية تحوّلت من «ملف خارجي» إلى معيار أخلاقي داخلي، يحدد موقع المرشح في خريطة القيم الأميركية الصاعدة.
تغيّر المزاج السياسي الأميركي
النتائج في نيويورك، ومعها في ولايتي فرجينيا ونيوجيرسي، عبّرت عن انقلاب في المزاج العام الأميركي، خصوصًا داخل المدن التي طالما اعتُبرت مؤيدة للتيار الوسطي أو المحافظ.
فالمسألة لم تعد صراعًا بين جمهوريين وديمقراطيين، بقدر ما أصبحت صراعًا بين الأجيال، بين لغة جديدة تبحث عن العدالة الاجتماعية، وأخرى متخشبة عالقة في زمن ما قبل الأزمات الكبرى.
فخسارة الجمهوريين في هذه الولايات، وفشل خطاب دونالد ترامب الذي أعاد التلويح بسياسات «أميركا أولاً»، لم تكن مجرد تراجع انتخابي، بل تصويت عقابي ضد السياسات الانقسامية في الداخل والنهج المنحاز في الخارج. الأميركيون، وخصوصًا في المدن الكبرى، يبحثون عن سياسة تشبههم: واقعية، تقدمية، توازن بين المعيشة والهوية، وترى في العالم مساحة للتفاعل لا للهيمنة.
في هذا السياق، قدّم فوز ممداني نموذجًا لما يمكن تسميته بـ«الواقعية الأخلاقية الجديدة»: خطاب داخلي يعالج أزمات السكن والضرائب والنقل، لكنه لا يتجاهل قضايا العدالة في العالم، من غزة إلى المهاجرين.
وهو نموذج بدأ يلقى صدى في أوساط الديمقراطيين الشباب داخل الحزب، الذين يرون أن على أميركا أن تتوقف عن دعم «حروب الآخرين» وأن تعود إلى قيمها الإنسانية الأولى.
الشباب… اللاعب الجديد في إعادة تعريف السياسة
في جميع هذه التحولات، يقف الشباب الأميركي في الواجهة. فجيل ما بعد 11 أيلول، الذي عاش الركود المالي والأزمات المناخية، لم يعد يرى السياسة كـ«مؤسسة فوقية» بل كوسيلة للتأثير المباشر.
تُظهر البيانات أن نسبة المشاركة بين الناخبين تحت سن الثلاثين ارتفعت إلى مستويات غير مسبوقة في انتخابات المدن الكبرى لعام 2025، وأن غالبيتهم صوّتوا لمرشحين تقدميين يدعون إلى العدالة الاجتماعية وإصلاح النظام الأمني، ووقف الدعم غير المشروط لإسرائيل. هؤلاء الشباب لم يكتفوا بالتصويت، بل قادوا الحملات الرقمية، وحشدوا المتطوعين، وربطوا السياسة اليومية بمفاهيم مثل «المسؤولية العالمية» و«العدالة العابرة للحدود».
بهذا المعنى، لم يكن فوز زهران ممداني مجرد انتصار لفرد، بل تعبير عن ولادة جيل سياسي جديد يرى في السياسة الأميركية مشروعًا قابلاً للتصحيح لا للتقديس. جيلٌ يرفض الخطاب العنصري، ويواجه الإسلاموفوبيا ومعاداة السامية بالمنطق ذاته: الدفاع عن العدالة للجميع.
خلاصة القول، قد تكون غزة قد انتُخبت في نيويورك — لا بالمعنى الجغرافي، بل الرمزي. فصوتها تردّد في صناديق الاقتراع من خلال جيل جديد يرفض الازدواجية الأخلاقية في السياسة الأميركية.
إن ما جرى في نيويورك وفرجينيا ونيوجيرسي ليس مجرد انتصار للديمقراطيين، بل بداية تحوّل في الضمير الأميركي. تحوّل يقوده الشباب، وتغذّيه القيم العالمية للعدالة، ويعيد تعريف علاقة أميركا بالعالم، وبنفسها أولاً.

د. محمد حلاوي
أستاذ جامعي في كلية العلوم الاقتصادية في الجامعة اللبنانية، متخصص في الشأن الاقتصادي والسياسي والتحليلي. عضو في الهيئة التأسيسية في “المرصد الشعبي” في لبنان، ومتحدّث في قضايا التعاضد الاجتماعي والعدالة.
