لم يكن تصريح الملياردير ــ لكي لا نقول سمساراً سياسياً ــ الأميركي توم براك مجرّد رأي عابر، بل صفعة سياسية مباشرة لكلّ لبناني يؤمن بأنّ وطنه دولة قائمة بذاتها، بتاريخها ودماء شهدائها ومسارها المستقلّ. فعندما خرج براك ليقول إنّه «يجب جمع لبنان وسوريا معاً لأنهما يمثّلان حضارة واحدة»، بدا كمن يقرأ من ورقة كتبتها أنظمة الوصاية التي دمّرت المنطقة وحوّلتها إلى ساحات حروب. ما قاله لم يكن تحليلاً جغرافياً ولا رؤية سياسية، بل تبنّياً صريحاً لفكرة خطيرة: إلغاء السيادة اللبنانية من القاموس الدولي وإعادة فتح باب الوصاية من نافذة جديدة.
اللبنانيون ليسوا مجموعة جزر ضائعة تنتظر من يجمعها. نحن شعب صاغ هويته بمرارة التجارب، ودفع أثماناً باهظة حفاظاً على استقلاله. من 1920 إلى 1943، وصولاً إلى تحرير الجنوب عام 2000 من العدو الإسرائيلي، وخروج الجيش السوري عام 2005، لم ننتظر يوماً من يحدّد لنا مَن نكون. لذلك كان تصريح براك استفزازاً، ليس فقط للنخب السياسية، بل لكلّ مواطن يفهم معنى أن تكون لبنانياً، ابن بلدٍ صغير بحجمه لكن كبير بكرامته.
وعندما يقول براك إنّ «لبنان وسوريا يجب أن يكونا واحداً»، فهو يتجاهل عمداً أنّ هذا الطرح جُرّب سابقاً، وانتهى بكوارث أمنية وسياسية واقتصادية. أربعون عاماً من النفوذ السوري لم تنتج دولاً قوية ولا مؤسسات مستقلة، بل خلقت طبقة سياسية مرتبطة بمحاور خارجية، وأدخلت لبنان في صراعات لا علاقة له بها. والأهم أنّها جعلت القرار السيادي اللبناني رهينة غرفٍ أمنية في دمشق.
هل نسي براك أنّ لبنان كان دائماً مساحة حرية في محيطٍ مُقفل؟ هل نسي أنّ الصحافة اللبنانية كانت تُطبع وتوزّع قبل أن تعرف الدول المحيطة معنى الإعلام؟ هل تجاهل أنّ لبنان كان مركزاً للجامعات والعلوم والثقافة والحياة الاقتصادية التي سبقت المنطقة بأجيال؟ إن كان يجهل، فالمصيبة كبيرة؛ وإن كان يعرف ويتجاهل، فالمصيبة أكبر.
الحديث عن «حضارة واحدة» محاولة خطيرة لتذويب الفوارق التي أسّست الدول الحديثة. نعم، للبنان وسوريا روابط جغرافية وثقافية، لكن هذا لا يعطي أحداً حقّ لعب دور «مهندس الخرائط». الحضارات تتقاطع، لكن الدول تُبنى وفق معادلات سيادية لا يجوز العبث بها.
لم يأتِ تصريح براك من فراغ. فلبنان يعيش أسوأ انهيار اقتصادي في تاريخه، وفشلُ الطبقة السياسية يجعله هدفاً سهلاً لأفكار من هذا النوع. براك يعرف أنّ الدولة مقسّمة، ومؤسساتها منهكة، وطبقتها الحاكمة غارقة في الفساد والعجز. لذلك يعتقد أنّ بإمكانه تمرير خطاب الوحدة القسرية كحلٍّ للخروج من الأزمة.
لكن الحقيقة واضحة: لبنان لا يحتاج إلى وصاية جديدة، بل إلى دولة جديدة. يحتاج إلى مؤسسات عادلة، إلى قضاء مستقل، إلى طبقة سياسية نظيفة… لا إلى حاضنة إقليمية تعيد إنتاج الخراب.
وهذه الطروحات لا يستفيد منها إلا حزب الله الذي ينتظر أي شرارة خارجية ليعيد تعويم نفسه، وليستبدل الدبلوماسية بالتصعيد، محاولاً إعادة لبنان إلى ساحة من ساحات المحور الإيراني.
في خضم السجال، تبقى الحقيقة الوحيدة أنّ الشعب اللبناني لا يقبل المساس بسيادته. اللبناني، مهما اختلفت انتماءاته، يدرك معنى الحرية والاستقلال. يريد دولة قوية، جيشاً قوياً، مؤسسات شفافة… لا دولة مُلحقة بمحور هنا أو هناك.
لبنان لا يلتحق بأحد. لبنان ينهض بنفسه… أو لا يكون.
إلى توم براك… وإلى كل من يحاول إعادة كتابة لبنان:
لبنان ليس مشروعاً إدارياً. لبنان فكرة، كيان، خصوصية، تاريخ نضالي طويل.
لبنان بلد إذا سقط، سقط الشرق معه. وإذا نهض، نهض محيطه.
لبنان ليس تابعاً ولا ملحقاً ولا هامشاً في كتاب أحد.
ولمن يريد إلقاء الدروس في الخرائط السياسية نقول: لبنان ليس أرضاً سائبة. لبنان بلدٌ دفع أبناؤه أثماناً باهظة ليبقى حراً، وسيبقى حرّاً، موحّداً، سيّداً، مستقلاً.

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
