قرار تعليم الطلاب السوريين في لبنان… وزراء على هوى المانحين ورئاسة في عطلة مفتوحة

 

أطلّت وزيرة التربية على اللبنانيين بقرار جديد صادر عن مجلس الوزراء اللبناني، أعلنته وبكل فخرٍ وكأنها تبشّر بإنجاز وطني: تسجيل الطلاب السوريين في المدارس الرسمية بعد الظهر، من دون أي ضوابط أو شروط.

قرارٌ أثار غضباً واسعاً، ليس لأنه يستهدف السوريين بحدّ ذاتهم، بل لأنه يوجّه ضربة قاضية لسيادة لبنان التربوية والسياسية، ويمهّد لتوطينٍ مبطَّنٍ طالما حذّر منه بعض اللبنانيين، وعلى رأسهم التيار الوطني الحر منذ عام 2011.

منذ اندلاع الحرب في سوريا، تحوّل لبنان إلى أكبر بلد مضيف للّاجئين نسبة إلى عدد سكانه. فعدد المسجَّلين رسميّاً لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين يقارب 805 آلاف نازح، فيما تقديرات وزارة الشؤون الاجتماعية تتحدث عن وجود أكثر من مليون ونصف المليون سوري على الأراضي اللبنانية. ومن هؤلاء، يتراوح عدد الطلاب السوريين في المدارس الرسمية اللبنانية بين 160 و180 ألف تلميذ، وفق أرقام وزارة التربية، مقابل نحو 275 ألف تلميذ لبناني فقط. أي أن نصف مقاعد التعليم الرسمي تقريباً بات يشغلها غير لبنانيين.

في الظاهر، يبدو القرار إنسانياً. لكن خلف الواجهة الإنسانية، تتوارى الحسابات السياسية والمالية، إذ تتحمل الدولة اللبنانية عبئاً متزايداً على بنية تربوية متهالكة أصلاً. فعدد المدارس الرسمية لا يتجاوز 1,250 مدرسة، بينها أكثر من 40% تعاني نقصاً في الكادر التعليمي أو البنية التحتية. في حين أن الأموال المخصّصة لتعليم السوريين تأتي بمعظمها من الجهات المانحة والمنظمات الدولية، فيما المدارس اللبنانية تغرق في العجز، والمعلمون بلا رواتب منتظمة، والأهالي اللبنانيون يسحقهم كابوس الأقساط الخيالية في المدارس الخاصة.

الأسئلة الموجعة كثيرة: لماذا لا تُخصَّص هذه الأموال نفسها لدعم تعليم اللبنانيين؟ ولماذا لم يتحرك الوزراء الذين أقرّوا القرار نفسه لوقف فوضى الأقساط في المدارس الخاصة، حيث تتراوح بين 8 و25 ألف دولار سنوياً في بعض المؤسسات؟ وكيف تبرَّر المساواة بين دولةٍ عاجزة عن دفع رواتب معلميها، وملف تعليم سوريين يُنفق عليه بالملايين؟

الوزيرة برّرت بأن القرار «صادر عن مجلس الوزراء بالإجماع». والإجماع هنا هو بيت القصيد. فكيف وافقت الأحزاب المشاركة في الحكومة – من القوات اللبنانية إلى الكتائب إلى التيارات المستقلة – على خطوةٍ يعرف الجميع أنها تضرب حق العودة في الصميم وتؤسس لـ«توطينٍ تربوي» مستدام؟ كيف رضيت هذه الأحزاب أن تكون شاهد زور على قرارٍ يتعارض مع خطابها العلني الذي يطالب بإعادة النازحين؟

الحقيقة أن الملف السوري في لبنان لم يعد يُرى من الناحية الإنسانياً، بل أصبح سياسياً بامتياز، يُدار بتمويل دولي وتواطؤ داخلي. المنظمات الدولية التي تُغدق أموالها على تعليم السوريين لا تفعل ذلك حباً بالتعليم، بل لأنها ترى في بقاء اللاجئين في لبنان «حلاً مؤقتاً طويل الأمد» يمنعهم من العودة إلى بلادهم، ويُخفّف الضغط عن أوروبا. أمّا الحكومة اللبنانية، فقد تحوّلت إلى منفذٍ لهذه السياسات، تحت عنوان الشراكة الإنسانية.

في البعد القانوني، يشكّل القرار خرقاً لمبدأ سيادة الدولة على قطاعها التربوي، إذ أن القوانين اللبنانية لا تجيز فتح مدارس رسمية موازية أو دوام مسائي لمصلحة فئة محددة دون قرار تشريعي واضح، ولا من دون تنظيم إداري يراعي المصلحة الوطنية. أما التذرّع بحق التعليم، فهو واجب إنساني، نعم، لكنه لا يُجيز تحويل هذا الواجب إلى مشروع استيطان تدريجي. والأخطر أن بين الطلاب المسجَّلين عدد كبير من مكتومي القيد الذين لا يمكن تحديد هويتهم القانونية، ما يخلق جيلاً جديداً من المقيمين الدائمين خارج أي نظام هوية أو سيادة.

ولأن المأساة لا تكتمل دون مفارقة لبنانية، فإن رئيس الحكومة الذي لم يتحرّك أمام مئات مشاهد الفقر في المدارس اللبنانية، حرّكته مشاعر التضامن لتوقيع القرار.

أما رئاسة الجمهورية، فكما العادة، في وادٍ آخر حيث اختزل الرئيس موقع الرئاسة في دور المتفرّج، بينما الوطن يُعاد تشكيله بقرارات تمسّ جوهر هويته، متجاهلاً أن التاريخ سيسجّل هذا الصمت كجريمة وطنية بحق أبنائه.

كفى شعبويةً ورياء. فالشعب اللبناني لم يعد يحتمل أن يُخدع بخطابات مزدوجة: أحزابٌ ترفع شعار السيادة نهاراً وتوقّع على التوطين مساءً، ووزراء يصفقون لتعليم غير اللبنانيين بينما أبناء وطنهم تكويهم الأقساط. يبدو أن لبنان لم يعد يحتاج إلى «مشاركات في احتفالات تقديس»، بل إلى قدّيسين في الحكم، قادرين على إنقاذه مما ترتكبه أيدي حكامه.

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.