من «بيروت 2030»: كل عام ومن لم يذكرهم الوطن… بخير

يعود الميلاد هذا العام ليذكّر العالم بحقيقةٍ يتعمّد كثيرون تجاهلها: أنّ أعظم حدثٍ في التاريخ الإنساني لم يولد في قصر، ولم يُحمَل على أكتاف السلطة، بل خرج إلى العالم عارياً من أي امتياز، في مزودٍ بارد، وفي قلب الفقر والتواضع.

الميلاد، في جوهره، إدانةٌ أخلاقية دائمة لكلّ سلطة تنحرف، ولكلّ نظام يرفع اسم المسيح بينما يسير بعكس تعاليمه. لقد وُلد المسيح فقيراً، اختياراً، ليقول منذ اللحظة الأولى إنّ الشرعية لا تُبنى بالقوة، ولا بالمال، ولا بالوراثة السياسية أو الدينية، بل بالانحياز إلى الإنسان.

لم يأتِ ليؤسّس سلطة، بل ليكسر قدسيتها. ولم يأتِ ليصنع طبقة حاكمة جديدة، بل ليصوّب على منطق الحكم نفسه. واجه الكهنة حين تحوّلوا إلى حرّاس امتياز، وواجه السلطة حين لبست ثوب الدين لتبرير القمع.

واليوم، في لبنان كما في أجزاء واسعة من عالمنا العربي، تتقدّم طبقات سياسية الصفوف الأولى في المناسبات الدينية، ترفع الصلوات، وتُتقن خطاب الإيمان… لكنها، في الممارسة، تناقض كلّ ما قام عليه الميلاد. من مراكمة الثروة، إلى تديين الطوائف، مروراً بتحويل الشعوب إلى ذبيحة، والوطن إلى غنيمة.

في هذا البلد المنهك، يأتي العيد ليطرح سؤالاً لا يجرؤ كثيرون على مواجهته: أيّ معنى للميلاد في وطنٍ بتنا فيه أرقاماً؟ ما معنى الطفل في المزود حين ينام أطفال اليوم في بيوت بلا تدفئة، أو في مخيمات بلا أفق، أو في أزقة مهجورة تُقايَض فيها الكرامة بالقدرة على البقاء؟ ما معنى النور حين يقف الشيوخ في طوابير الدواء، والشباب في طوابير السفارات، والأمهات في طوابير القلق؟

أخطر ما فعلته الطبقات الحاكمة، في لبنان وخارجه، أنها لم تُنكر المسيح، بل حوّلته إلى وسيلة. حوّلت الميلاد إلى زينة، والإيمان إلى خطاب علاقات عامة، والقيم إلى شعارات رنانة فارغة من معناها.

من قتل المعنى، قتل الرسالة. ومن استخدم الدين لتبرير الظلم، ارتكب خطيئةً أخلاقية أشدّ قسوة من أكبر الجرائم الإنسانية.

من موقع الصحافة، ومن موقع الضمير، تتوجّه أسرة موقع «بيروت 2030» بمعايدتها إلى كلّ فقير، إلى كلّ موجوع، إلى كل مريض، إلى كل أمّ تفتقد لأبنائها، إلى كل والد يكافح حتى الرمق الأخير بعد أن نُهب جنى عمره، إلى كلّ من لا يجد نفسه في وطنٍ يحميه: أنتم معنى الميلاد الحقيقي، وأنتم شهوده الأحياء.

وإلى الطبقة السياسية الغارقة في الصور واحتفالات الميلاد بينما تغيب عنها روحه ومعناه: إن لم تشبهوا المزود بتواضعكم، وإن لم تنحازوا إلى الإنسان قبل المناصب، فلا تتحدّثوا باسم من وُلد خارجهما معاً.

الميلاد محاكمة مستمرة. وكلّ عام، وأنتم أمام هذا الاختبار: هل اخترتم النور… أم اكتفيتم بإضاءته؟

مقالات الكاتب

كارين عبد النور

صحافية وكاتبة لبنانية، حاصلة على شهادة في الرياضيات الأكتوارية. تعمل في مجال الإدارة المالية والمؤسسات التربوية في لبنان. تتمتع بخبرة صحافية حيث تميزت بكتابة التحقيقات خاصة الاستقصائية منها.