ما هو وراء الأكمة أبعد بكثير من «البروتستانتية الإسلامية»

مقال الزميلة في صحيفة «عكاظ» السعودية حول “البروتستانتية الإسلامية” يستهدف سياسات دولة عربية بعينها، يبدو أنها تعمل بالفعل منذ فترة غير قصيرة على تفعيل وإطلاق مفاهيم دينية–أيديولوجية تتعلق، ليس فقط باجتهادات فقهية جديدة، بل بطرح رؤية غير مسبوقة في كيفية الإطلالة على القرآن، وأُسسه، وكيفية قراءته.

من هنا، في الغالب، جرى صكّ تعبير “البروتستانتية الإسلامية” كي يتم تصنيف هذا التوجه (الذي لم يُعلن عن نفسه بعد كحركة أو منظمة أو تيار) على أنه ثورة تجديدية ضخمة في الإسلام.

صحيح أن الاتفاقيات الإبراهيمية يمكن اعتبارها جزءًا تطبيقيًا (على المستوى السياسي والأيديولوجي العام) لهذه المقاربة، إلا أن كاتب هذه السطور يفترض أن المسألة أعمق من ذلك بكثير، وأن ما وراء الأكمة يتضمن هذا الكثير التالي:

  1. إفادة أطراف في المنطقة والعالم من الكارثة الكبرى التي عانى منها الإسلام خلال “حرب الثلاثين سنة” السنية–الشيعية، التي انطلقت مع حرب الرئيس صدام حسين على إيران الإسلامية الوليدة، ثم تُوِّجت مع قرار الولايات المتحدة، بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001، باستخدام هذه الصراعات المذهبية الإسلامية لتفجير كل العالم الإسلامي، كما أعلن بجلاء الرئيس جورج بوش الابن. ثم، كما أوضحت إحدى وثائق البنتاغون التي كشف عنها الجنرال ويسلي كلارك، والقاضية بإغراق العالم في “الفوضى الخلّاقة” بدءًا بتدمير سبع دول إسلامية، آخرها إيران.
  2. التطور الخطير الذي برز مع بدء الولاية الأولى للرئيس أوباما، والمتمثل في التخلي عن التحالف مع الإسلام الوهابي السعودي، المبرم منذ عام 1945 (تحالف عبد العزيز–روزفلت في منطقة البحيرات المرة)، واستبداله بالتحالف مع إسلام الإخوان المسلمين. وقد أضاف ذلك الملح على جرح الصراع السني–الشيعي، ومدّه إلى صراع سني–سني، وهزّ بنيان العقيدة برمتها لدى النخب كما لدى الجماهير المسلمة.
  3. فشل الدول التي حكمها الإسلام السياسي، خاصة في إيران والسودان، في تحقيق اليوتوبيا السماوية على الأرض، سواء في مجالات التنمية الاقتصادية، أو في بلوغ مستويات أعلى من العدالة الاجتماعية، أو في تحرير المرأة بما يتناسب مع معطيات العصر، والأهم ربما: الفشل في تحقيق هدف الوحدة الإسلامية، والغرق بدلًا من ذلك في لجج الحروب المتصلة، وفي فخ معضلة الصراع غير المحسوم بين الأمة والثورة، وبين الدولة والوطن الجغرافي. في المقابل، دخلت سفن الإسلام الوهابي، مع تطويرات الأمير محمد بن سلمان، بحارًا مجهولة، يصطرع فيها التحديث الاستهلاكي والتكنولوجي مع الركائز التقليدية للوهابية، ويترك معلّقًا في الهواء المضطرب قضية الهوية وطبيعتها: هل هي، كما في “البروتستانتية الإسلامية”، نمط جديد ومغاير من الانتماء الإسلامي؟ أم هي هوية وطنية سعودية مطعّمة فقط إسلاميًا؟ نفتح هنا هلالين صغيرين لنقول إن أزمة الهوية الطاحنة هذه كانت السبب الرئيس الذي جعل أسامة بن لادن يتحول من الجهادية الوهابية إلى الجهاد ضد الدولة–الأمة السعودية.
  4. أخيرًا، ثمة ظاهرة لم تحظَ بعد باهتمامنا الكافي، على الرغم من أنها ستصبح، أو ربما أصبحت فعلًا، محركًا أساسيًا لتاريخ القرن الحادي والعشرين: بروز وصعود الطبقة الوسطى العالمية. هذه الطبقة، التي سيحدد الصراع حولها أيّ من الدول الخمس ستسيطر على العالم (الولايات المتحدة، الصين، أوروبا، روسيا، والهند)، لها مطالب ورؤى تختلف كليًا عن رؤى كل الطبقات التي سبقتها في التاريخ البشري:
  • فهي طفلة الإنترنت، وحفيدة اثنتي عشرة تكنولوجيا مختلفة (في طليعتها الذكاء الاصطناعي AI)، ستغير ليس فقط المجتمع البشري، بل الطبيعة البشرية ذاتها، أو ربما تنسفها من أساسها.
  • وهي طبقة كوزموبوليتية بطبيعتها، تعتبر العالم كله حدودها الجديدة.
  • وهي لا تخضع لمفاهيم الانتماء الوطني أو الديني السابقة، وتعتبر قواعد هذا الانتماء، أي المكان (الجغرافيا) والزمان (التاريخ)، قيودًا عليها.
  • وهي، أخيرًا، استهلاكية حتى الأعماق؛ ولذا فإن أولويتها ليست الأيديولوجيا بل الأمن: أمن الحفاظ على مكاسبها المادية الراهنة، ونقلها إلى أولادها.

وبالطبع، فإن أي ديانة (أو دولة كبرى) لا تنجح في التعاطي مع هذه الظاهرة التاريخية الجديدة لن تحظى لا بالشرعية، ولا بالاستقرار، ولا بالازدهار.

هذه، إذًا، قد تكون بعض العوامل التي ربما تقف وراء مفهوم “البروتستانتية الإسلامية” الجديد.

وإذا كان هذا يعني شيئًا، فإنه يعني أنه يجب، من الآن فصاعدًا، إمعان التفكير في مآلات الإسلام ككل (وباقي الأديان والأيديولوجيات) في ضوء الانقلابات الهائلة التي تجري الآن على قدم وساق، وتحت أعيننا مباشرة، في العالم الإسلامي كما في العالم كله.

وربما يجب أن نتذكر هنا أنه إبان التغييرات العميقة المماثلة التي حدثت في أوروبا في عصر النهضة، أسفر ذلك عن ثورة جماهيرية على الدين المسيحي برمته (وليس فقط البروتستانتية ضد الكاثوليكية). ثورة حملت المتظاهرين في باريس ونيس على الهتاف ليس: “فلتسقط الكنيسة”، بل: “فليسقط الله”!

كما يجب أن نتوقف أيضًا أمام تقارير غير موثقة حتى الآن، تتحدث عن تزايد لافت في أعداد الملحدين واللاأدريين في المنطقة، ولا سيما في مصر وإيران.

مقالات الكاتب

سعد محيو

كاتب وصحفي لبناني متخصص في الشؤون السياسية والاقتصادية والاستراتيجية في العالم العربي، ومدير منتدى التكامل الإقليمي – لبنان.