الاحتجاجات في إيران… غضب الداخل وحدود استثمار الخارج

لم تعد الاحتجاجات التي تشهدها إيران حدثًا عابرًا يمكن عزله في إطار الضغوط الاقتصادية أو اختناقات المعيشة، بل باتت، مع اتساع رقعتها وسقوط قتلى، مؤشرًا على لحظة فارقة تتقاطع فيها الأزمات الداخلية مع صراع الإرادات الإقليمية والدولية. فحين ينتقل الغضب من العاصمة إلى الأطراف، ومن المدن الكبرى إلى الأقاليم ذات الخصوصية العرقية والاجتماعية، فإن المشهد يتجاوز الاحتجاج بوصفه فعلًا اجتماعيًا إلى اختبار مباشر لتماسك الدولة وقدرتها على الاستمرار.

اللافت أن وتيرة التظاهرات الحالية، وإن لم تبلغ حتى الآن مستوى الانفجار الذي شهدته البلاد عام 2022 عقب مقتل مهسا أميني، فإنها تحمل ملامح أكثر تعقيدًا وخطورة، إذ انتقلت إلى مدن الهامش وظهرت في مناطق ذات تركيبة إثنية حساسة، حيث تتراكم المظلومية الاقتصادية مع شعور تاريخي بالتهميش السياسي. هنا لا يعود السؤال مقتصرًا على أسعار السلع أو تراجع العملة، بل يمتد إلى موقع الجماعات داخل الدولة، ومعنى الانتماء ذاته في ظل دولة مُنهكة بالعقوبات والضغوط.

التجارب السياسية الحديثة تؤكد أن الدول لا تُكسر عادة في عواصمها، بل في أطرافها، حيث تقل قبضة المركز وتتسع مساحات الاختبار. وما يجري في بعض المدن الإيرانية البعيدة عن طهران يعيد إلى الأذهان سيناريوهات تفكك بطيئة شهدتها دول أخرى، حين تحولت الأطراف إلى مسارح صدام، وأصبح الأمن هو اللغة الوحيدة المتاحة. ومع أول سقوط للضحايا، تتبدل قواعد اللعبة، إذ تنتقل الدولة من منطق الاحتواء السياسي إلى منطق الردع الأمني، وهو انتقال يحمل في طياته مخاطر مضاعفة على المدى المتوسط.

في هذا السياق، يفرض السؤال الأكثر حساسية نفسه بقوة: هل بدأ الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة، في تأجيج الداخل الإيراني ضمن استراتيجية تفكيك من الداخل؟ من الخطأ اختزال ما يحدث في إيران في كونه مؤامرة خارجية خالصة، كما أنه من السذاجة الاعتقاد بأن الغرب يقف موقف المتفرج البريء. الغضب الإيراني حقيقي ومتراكم، تغذيه أزمة اقتصادية خانقة وعقوبات طويلة الأمد أنهكت المجتمع، لكن التجربة التاريخية تؤكد أن القوى الكبرى لا تترك لحظات الهشاشة تمر دون استثمار محسوب.

ما يبدو اليوم ليس إشعالًا مباشرًا بقدر ما هو استثمار ذكي في لحظة ضعف: تضخيم إعلامي انتقائي، دعم حقوقي وسياسي محسوب، وتوظيف لكل حادثة سقوط قتيل لزيادة الضغط الدولي، مع ترك النظام يواجه معضلة الاختيار بين القمع الذي يعمّق العزلة، أو التراخي الذي يهدد هيبة الدولة. هذا النموذج سبق استخدامه في أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية، حيث لم تُسقط الأنظمة بضربة واحدة، بل أُنهكت من الداخل حتى فقدت قدرتها على المناورة والصمود.

حتى اللحظة، لا تبدو إيران على حافة الانهيار، لكنها تقف بوضوح عند منعطف خطير. فالدولة التي تخوض صراعات إقليمية مفتوحة، وتواجه حصارًا اقتصاديًا طويل الأمد، لا تملك ترف انفجار داخلي ممتد. وكلما طال أمد الاحتجاجات واتسعت جغرافيًا، ارتفعت كلفة السيطرة، وازداد خطر انتقال الأزمة من مطالب اجتماعية إلى أسئلة هوية وانقسام، حين تتحول الشعارات من الاقتصاد إلى السياسة، ثم إلى التشكيك في بنية الدولة نفسها.

المفارقة أن أخطر ما في المشهد ليس ما يُقال في الشارع، بل ما قد يتراكم لاحقًا في الوعي الجمعي، حين تتسع الفجوة النفسية بين الدولة ومجتمعها. فإدارة الأزمات بالأدوات الأمنية وحدها قد تنجح في إخماد اللحظة، لكنها غالبًا ما تعمّق أسباب الانفجار المؤجل. وهنا يصبح السؤال الحقيقي أقل تعلقًا بنوايا الغرب، وأكثر ارتباطًا بقدرة الدولة الإيرانية على إعادة إنتاج شرعيتها داخليًا.

ما يحدث في إيران اليوم ليس ثورة مكتملة الأركان، ولا مؤامرة خالصة، بل اختبار قاسٍ لتماسك الدولة في زمن الاستنزاف. الغرب يراقب ويضغط ويستثمر، لكنه لم يضغط بعد على زر التفجير الشامل، فيما يبقى الداخل الإيراني أمام معادلة صعبة: إما إصلاحات حقيقية تخفف الاحتقان الاجتماعي، أو استمرار إدارة الأزمة بمنطق أمني قد يحفظ النظام مؤقتًا، لكنه يراكم الانفجار في العمق. والسؤال المفتوح ليس ما إذا كان العالم يريد تفكيك إيران، بل ما إذا كانت إيران قادرة على منع تفكيك نفسها بنفسها.

مقالات الكاتب

محمد سعد عبد اللطيف

كاتب مصري وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية. يتناول الشأن السياسي والثقافي كما القضايا العربية والتاريخ. يتميز بأنه يجمع بين الشعرية والنقد.