أميركا و«سلاح الآخرة» في حرب الشرق الأوسط

هل بدا أن “المحظور الذي لا يمكن التفكير به” أصبح “غير محظور وممكناً ووارداً”؟

عمّا نتحدث هنا؟ عن القنبلة النووية بالطبع.

حين طرحنا هذا الاحتمال “المجنون” قبل نحو أسبوعين، كان مجرد ومضة احتمالات شبيهة بتلك التي يعجّ بها عالم فيزياء الكم (Quantum Physics)، حيث تكون كل الاحتمالات واردة، بما في ذلك تلك التي لا نعتقد أنها محتملة.

لكن، وبعد أن اقترب العدوان على الشقيقة إيران من إتمام شهره الأول “بنجاح تدميري هائل”، وبعد أن حلّ قانون المفاجآت اللاعقلانية وغير المتوقعة مكان الحسابات العقلانية لموازين القوى وللسيناريوهات المنطقية المستندة إلى قواعد علم الجيو-استراتيجية، بدأت فكرة القنبلة النووية التكتيكية، الأميركية أو الإسرائيلية، تطلّ برأسها من دون استحياء أو تردّد.

العامل الرئيس الدافع لطرح هذا الاحتمال هو وجود رجل في البيت الأبيض يتفق كل المحللين الأميركيين أنفسهم على أنه يجمع “المجد” من أطرافه الثلاثة: نرجسي، ومضطرب نفسياً على نحو إجرامي (Psychopath)، ومصاب بمرض عظمة عضال. كما أنه محاط بكوكبة أخرى من المرضى المصابين بالعصاب الديني (وزير الحرب)، أو مستشارين من دعاة شنّ حروب “يوم الآخرة” على أنواعها في اليمين الصهيوني المسيحي، أو غلاة اليهود الصهيونيين المتطرفين (نتنياهو وسموتريتش وبن غفير).

وعلى الرغم من عدم إنكار دور الفرد أو الأفراد في التاريخ، كما اعترف ليون تروتسكي في أواخر أيامه حين عاش جحيم فردية ستالين، فإن الظروف الموضوعية للدول والإمبراطوريات تبقى القانون الرئيس الذي يتحكّم بقراراتها الكبرى.

هنا قد تبدو الصورة التي قد تدير القرار الأميركي مغايرة. فما هو على المحك في الشرق الأوسط ليس فقط هيبة الإمبراطورية الأميركية، ولا مستقبل ركيزتها الجيو-استراتيجية الأساسية، إسرائيل، بل أيضاً، وأولاً وأساساً، العوامل التالية في حال قررت واشنطن الاعتراف بخيبة أملها الاستراتيجية (كما دعتها إلى ذلك صحيفة نيويورك تايمز) والانسحاب “الانتصاري” من المنطقة:

  1. تآكل، أو حتى ربما انهيار، “قانون” البترو-دولار الذي أقامت على مداميكه الولايات المتحدة صرح سيطرتها المالية على العالم منذ عام 1974.
  2. انتقال السلطة الدولية في الشرق الأوسط من اليد الغربية التي سيطرت عليه منذ القرن التاسع عشر إلى المراكز الشرق آسيوية. وعلى الرغم من أن هذا قد يعني اندلاع الصراع بين الصين والهند في هذه المنطقة، إلا أنه سيدشّن انقلاب النظام الدولي الذي أقامه الغرب منذ معاهدة وستفاليا عام 1648 رأساً على عقب، لغير صالحه، ولصالح الحضارات الشرقية القديمة.
  3. أخيراً، فإن الانسحاب الأميركي سيعني حتماً السقوط الرسمي للتحالف الأميركي-الأوروبي، وتوجّه أوروبا، بقيادة قواها المتوسطية، نحو التعاون التنافسي في الشرق الأوسط مع قوى شرق آسيا.

كل هذه السيناريوهات الداكنة، التي ستؤدي على الأرجح إلى بداية العدّ العكسي لنهاية أو تدهور وضعية الإمبراطورية الأميركية، قد تدفع بالفعل هذه الأخيرة إلى الخيار الشمشوني عبر استئناف ما انقطع من استخدام أسلحة “يوم الآخرة” النووية، كما فعلت في عام 1945 ضد اليابان.

حتى الآن، تتجنّب الإدارة الأميركية الإشارة إلى هذا الاحتمال، وتكتفي بنفي وجود نية لدى إسرائيل لوضعه موضع التنفيذ. كما أن واشنطن لا تزال تدرس خيارات عسكرية أخرى، مثل الاحتلال البري للجزر في مياه الخليج أو فرض حصار بحري خانق على إيران.

لكن، وكما أشرنا في البداية، بات الخيار النووي موضع تداول كل يوم تقريباً في الولايات المتحدة، كما في بعض الدوائر الأوروبية.

والواقع أن هذا لن يكون أمراً غريباً، إذا ما تذكرنا أن الإمبراطورية الأميركية إمبريالية توسعية بطبيعتها، خاصة في عصر العولمة التكنو-رأسمالية، وبالتالي فهي سترفض أن تموت بهدوء كما فعلت الإمبراطورية السوفيتية.

مقالات الكاتب

سعد محيو

كاتب وصحفي لبناني متخصص في الشؤون السياسية والاقتصادية والاستراتيجية في العالم العربي، ومدير منتدى التكامل الإقليمي – لبنان.