نهاية النظام الدولي: واشنطن تعيد هندسة الفوضى عالميًا

كانت استراتيجية الأمن القومي الأميركي، التي نُشرت في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، تعبيرًا رسميًا عن التحوّل الحقيقي في تعامل الولايات المتحدة الأميركية مع العالم، وتشير بوضوح إلى تحولات عميقة قادمة على صعيد النظام الدولي العالمي الذي صيغ بعد الحرب العالمية الثانية عام 1945. فهذا النظام فقد قدرته على إدارة التعقيدات الجديدة، سواء كانت ديمغرافية، أو بيئية، أو تقنية، أو حتى فكرية، كما أن المنظومة الاقتصادية والسياسية القائمة لم تعد قادرة على استيعاب تلك التحولات العميقة على مستوى العالم، ولا بدّ من العمل على إقامة نظام دولي جديد.

فالنظام الدولي لم يعد قادرًا، خلال العقدين الأخيرين، على معالجة الكثير من الأزمات الدولية الكبرى، وقد تجلّى هذا العجز بوضوح في سلسلة من الإخفاقات، بدءًا من سوريا، مرورًا بأوكرانيا وعدد من الدول الأفريقية، وصولًا إلى ملفات تايوان وجرينلاند، وصولًا أيضًا إلى الفشل الأكبر والأكثر وضوحًا للنظام الدولي في حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، حيث استخدمت الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) ستّ مرات لإسقاط مشاريع قرارات تطالب بوقف إطلاق النار، ما كشف مدى شلل مجلس الأمن وارتهانه لإرادة الولايات المتحدة الأميركية.

فجاءت تلك الوثيقة لتكون التعبير الأكثر وضوحًا عن العقلية الأميركية الاستعمارية والاستعلائية، وكيف ترى العالم ومناطق الصراع، وعلى رأسها نصف الكرة الغربي الذي يشكّل الحديقة الخلفية للولايات المتحدة الأميركية. وتعكس هذه الوثيقة انتقال الولايات المتحدة من إدارة الأزمات إلى إدارة الفوضى، ومن البحث عن حلول سياسية عادلة إلى تكريس موازين القوة بما يخدم هيمنتها ويحقق مصالحها الاستراتيجية على المدى القريب والمتوسط والبعيد أيضًا، عبر انفتاح أميركي واسع اقتصاديًا وأمنيًا وسياسيًا، سواء من خلال فرض الرؤية والهيمنة الأميركية بالقوة، أو من خلال تعزيز التعاون الاستخباراتي ومكافحة الجريمة العابرة للحدود.

“لحظة وضوح” كندية

من جانب آخر، قدّم رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني (Mark Carney)، خطابًا خاصًا في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس 2026، وقد حظي بترحيب حار من قبل المشاركين. كان الخطاب قصيرًا نسبيًا، لكنه قوي ومباشر، ووصفه كثيرون بأنه “تاريخي” أو “لحظة وضوح” في السياسة الدولية.

فقد أعلن كارني نهاية “النظام الدولي القائم على القواعد” (Rules-Based International Order) الذي قادته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، واصفًا الوضع الحالي بأنه حالة انفصال وتمزّق، وليس مجرد انتقال. وقال: “نحن في وسط تمزّق، وليس انتقالًا”، و”النظام القديم لن يعود، لا نحزن عليه، فالحنين ليس استراتيجية”، مؤكدًا أن “القوى الكبرى لم تعد مقيّدة بأي قيود”، وأن الجيوسياسة أصبحت “وحشية”، حيث يفعل الأقوياء ما يشاؤون ويتحمل الضعفاء ما يُفرض عليهم.

ودعا كارني الدول المتوسطة، مثل كندا، إلى الاتحاد والعمل معًا لمواجهة الضغوط والإكراه من القوى الكبرى، مستخدمًا الاقتباس الشهير: “إذا لم نكن على الطاولة، فسنكون على الطبق” (If we’re not at the table, we’re on the menu).

وأكد كارني في خطابه ضرورة الالتزام بالقيم، مثل حقوق الإنسان، والسيادة، والتنمية المستدامة، والتضامن، إلى جانب بناء استقلال استراتيجي وتعزيز القدرات الداخلية في القطاعات الحرجة، مثل الطاقة، والتكنولوجيا، والمعادن النادرة، وتنويع التجارة والشراكات مع آسيا وأوروبا، بما في ذلك الصين بشكل حذر. وأوضح أن كندا تتبنى سياسة واقعية قائمة على القيم، وأنها ستدافع عن سيادتها وستبني تحالفات جديدة لتجنب التبعية أو الخضوع.

الأمم المتحدة على حافة الانهيار

من جانب آخر، أطلق الأمين العام للأمم المتحدة تحذيرًا من انهيار منظمة الأمم المتحدة. وهذا التحذير، الذي أطلقه الأمين العام أنطونيو غوتيريش بشأن الانهيار المالي الوشيك للمنظمة الدولية، لا يمكن عزله عن سياق أعمق من الفشل السياسي والمؤسساتي الذي تعانيه الأمم المتحدة منذ سنوات طويلة.

وفي ما يتعلق بالأزمة المالية، فإن الانهيار المالي الذي حذّر منه غوتيريش سبقه انهيار سياسي ومؤسساتي، إذ لم تعد المنظمة تلبي مصالح القوى الفاعلة، وعلى رأسها الولايات المتحدة وروسيا. وتشير التقارير الرسمية للأمم المتحدة إلى أن إجمالي المبالغ المستحقة على الدول الأعضاء حتى نهاية عام 2025 يبلغ نحو مليار وثمانمئة مليون دولار، منها ما يقارب مليارًا وخمسمئة مليون دولار ديونًا على الولايات المتحدة وحدها، ما يعني أن ثلاثة أرباع العجز المالي تتحمله واشنطن.

وحجب التمويل الأميركي ليس إجراءً ماليًا بحتًا، بل أداة ضغط سياسي تهدف إلى شلّ عمل المنظمة وإفشالها.

ومن جانب آخر، تعود هذه الأزمة المالية إلى خلل بنيوي في النظام المالي للأمم المتحدة، يتمثل في عدم ترحيل الفوائض المالية للسنة التالية، بحيث تعود المساهمات غير المصروفة إلى الدول المانحة مع نهاية كل عام مالي، ما يحرم المنظمة من موارد مستقرة. وأمام هذا الواقع، تواجه المنظمة اليوم ثلاثة تحديات متزامنة: الفشل السياسي، والأزمة المالية، ومحاولات خلق أطر بديلة، مثل ما يُعرف بـ”مجلس السلام” الذي طرحه الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

“مجلس ترامب”: محاولة بديلة للنظام الدولي

لقد جاء إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن إنشاء “مجلس السلام” ليشكّل تحوّلًا لافتًا في السياسة الدولية. ففي البداية، كان هذا المجلس مقتصرًا على الاختصاص بمستقبل قطاع غزة، لجهة تثبيت وقف إطلاق النار وإدارة الإغاثة وإعادة الإعمار، لكنه تجاوز ذلك إلى إعادة ترتيب المشهد السياسي والأمني الفلسطيني، انطلاقًا من غزة، تحت إشراف أميركي مباشر وغير مسبوق.

ولم يكتفِ ترامب بذلك، بل بدا يعمل على أن يكون هذا المجلس مؤسسة دولية بديلة لمنظمة الأمم المتحدة، إذ أصبح يعمل على توسيعه ليضمّ المزيد من الفاعلين الأميركيين والإقليميين والدوليين، في محاولة لتجميع النفوذ والشرعية، رغم الغموض الذي يلفّ مهامه التفصيلية وآليات عمله. ويبدو هذا الغموض مقصودًا لتوفير هامش مناورة سياسي واسع، ليصبح مؤسسة دولية مؤثرة على الصعيد العالمي.

لكن في الحقيقة، فإن هذا المجلس يعبّر عن محاولة أميركية فاشلة للسيطرة على العالم، ويفتقر إلى الشرعية الدولية، ولا يضمّ القوى العالمية المؤثرة، كما أنه مرتبط بشخص ترامب لا بإطار قانوني مستدام، ما يجعل فشله وإخفاقه مستقبلًا أمرًا حتميًا.

وأمام هذا الواقع المعقّد، فإن المخرج الوحيد لهذه التطورات والتغيرات الدولية يكمن في إصلاح الأمم المتحدة لا تفكيكها، إذ إنها بحاجة إلى إصلاحات مالية وإدارية داخلية، وإلى توسيع مجلس الأمن ليشمل قوى دولية صاعدة، مثل تركيا، والهند، والبرازيل، واليابان، وجنوب أفريقيا، بما يجعل المنظمة أكثر تمثيلًا وعدالة وتوازنًا في التعامل مع القضايا الدولية، ويمنحها غطاءً أكبر من الشرعية والاستمرارية.

مقالات الكاتب

د. حسين الديك

باحث في الشؤون الإسرائيلية.