الاحتفاءُ بمُضرم النار

 

شهد الأسبوع الماضي أول اجتماع مباشر للرئيس دونالد ترامب مع نظيره الصيني، شي جينبينغ، منذ ست سنوات. وقد أعلن ترامب قائلاً: “على مقياس من 0 إلى 10، حيث يمثّل الرقم 10 أفضل نتيجة ممكنة، أستطيع القول إن الاجتماع حصل على تقييم 12”. أمّا من وجهة نظري، فإن تقدير الاتفاق المُبرم في كوريا الجنوبية بهذه الدرجة العالية يُشبه، إلى حدّ كبير، الاحتفاء بمُضرم النار لاتّصاله برجال الإطفاء بعد القيام بفعلته.

ومع انقشاع الغبار وظهور مزيد من التفاصيل، يتّضح تباعاً أنه في ما يتعلّق بالقضايا الحسّاسة التي يثيرها ترامب تجاه الصين – من التجارة، وضوابط التصدير، ومادة الفنتانيل، وتطبيق “تيك توك”، وما شابه – لقد خرجنا من بوسان ونحن في موقعٍ يكاد يكون متماثلاً مع ما كنّا عليه من قبل. إذ هدّد الطرفان باتّخاذ خطوات كان من شأنها إحراق العلاقة الثنائية بالكامل، ثم تراجعا عن حافّة الهاوية قبل إلقاء عود الثقاب.

على نحوٍ إيجابي، من المنظور الدبلوماسي، ساهم الاجتماع في إرساء قدر من الاستقرار في العلاقة الثنائية عبر تجنّب خطوات تصعيدية إضافية من الجانبين. فقد تضمّن ذلك تعليق تطبيق رسوم جمركية إضافية بنسبة 100 في المئة على الصادرات الصينية كان من المقرّر دخولها حيّز التنفيذ في الأول من تشرين الثاني/نوفمبر، إضافةً إلى اتّفاق على تأجيل عام كامل لنظام الضوابط الصينية الشامل على تصدير المعادن النادرة ومنتجاتها المرتبطة بها – وهو النظام الذي كان من شأنه، لو نُفِّذ، تعطيل سلاسل الإمداد العالمية بشكل واسع.

كما اشتمل الاتفاق على عناصر أخرى؛ فقد تعهّدت الصين (مرّة أخرى) بخفض صادرات المواد الكيميائية الأولية المستخدمة في تصنيع الفنتانيل، وهي مادّة يُعتقد أنّها كانت السبب في وفاة نحو خمسين ألف أميركي خلال عام 2024، فيما وافقت الولايات المتحدة على خفض الرسوم الجمركية المفروضة على الصادرات الصينية ذات الصلة بهذه المواد من 20 إلى 10 في المئة. وبالتالي، فقد أثبتت الرسوم فاعليتها كمصدر ضغط في معالجة مسألة مهمّة بطبيعتها غير اقتصادية، شرط أن تلتزم الصين هذه المرة بتنفيذ التعهّد. أمّا إذا لم تفعل، فلا أستبعد إعادة تلك الرسوم إلى مستوياتها السابقة.

إضافةً إلى ذلك، وافقت الصين على استئناف شراء فول الصويا الأميركي -ليس بالكميات نفسها التي كانت تشتريها سابقاً – ولكن لا يزال ذلك بمقدارٍ يُعتدّ به. وقد يُسهم ذلك في دعم المُزارعين الأميركيين، شريطة أن يتمكّنوا من انتزاع حصّة من مورّدي الصين الآخرين (وخاصةً الأرجنتين والبرازيل)، وإعادة ترميم قنواتهم التوزيعية.

كما اتفق الزعيمان على العمل نحو التوصّل إلى حلّ بشأن تطبيق “تيك توك”، وهي تسوية سبق الإعلان عنها على الأقل مرّتين في السابق. ثم ثمة عناصر أخرى اشتمل عليها الاتفاق، من بينها نيّة الصين شراء بعض السلع الزراعية الأخرى وربما الغاز الطبيعي. وفي المقابل، وافقت الولايات المتحدة على إلغاء رسم مرفئيّ مفروض على السفن الصينية.

بالطبع، لا أقصد هنا التقليل من شأن الاتفاق، لكن منذ متى أصبح جوهر العلاقة بين أكبر اقتصادين في العالم يُختزل في مخدّر غير قانوني، وحزمة من صادرات السلع الأولية، ومنصّة تواصل اجتماعي؟ صحيح أن الفنتانيل آفة خطيرة تنهش المجتمع الأميركي، وسيشعر المزارعون الأميركيون بالارتياح حيال فرصة الحصول على أسعار أعلى لمحصول فول الصويا، وسيُسعِد المراهقين الأميركيين الاستمرار في تبادل مقاطع الرقص العبثية. لكن اللافت هنا أيضاً ما لا نتحدّث عنه.

لقد ولّت الأيام التي كان جدول الأعمال فيها يتمحور حول الاستراتيجية الواسعة للصين في حماية صناعاتها المحلية، وسرقة الملكية الفكرية، ودعم القدرات الإنتاجية الفائضة، واتباع استراتيجية تصديرية افتراسية جاءت على حساب قطاع التصنيع في دولٍ أخرى. كما اختفت النقاشات حول ضرورة انخراط الصين في إصلاحات داخلية من شأنها إعادة توازن اقتصادها، وتعزيز النمو القائم على الطلب المحلي بدلاً من ذلك القائم على التصدير، والاضطلاع بدور أكثر بنائية في الاقتصاد العالمي.

في الواقع، من دون إعادة توازن عميقة وجوهرية، لا ينبغي أن نتوقّع حدوث تغيّر كبير في فائض الصين التجاري العالمي. بل على العكس، فقد ضاعف شي رهانه على النمو المعتمد على التصدير في مشروع “الخطة الخمسية الخامسة عشرة” للحزب الشيوعي الصيني، ولا توجد أي مؤشرات على إصلاحات موجّهة نحو تعزيز الاستهلاك في أي وقت قريب. فعوضاً عن ذلك، أعلن شي أمام الجنة المركزية للحزب في مطلع تشرين الأول/أكتوبر الماضي أن على الصين أن “تنتهز نافذة الفرصة لتعزيز وتوسيع مكامن قوّتنا، وتجاوز عنق الزجاجة والتغلّب على مكامن الضعف، لنيل المبادرة الاستراتيجية في خضم تنافس دولي محتدم”.

والحال أنه من دون معالجة هذه الديناميات العميقة الكامنة، ثمة خطر حقيقي في أن تظلّ ما يُمكن وصفها بأهم علاقة ثنائية في العالم معرّضةً لدوراتٍ متكرّرة من التصعيد والتهدئة، وما يصاحب ذلك من عدم استقرار.

إذن، إلى أين يتّجه مسار العلاقة الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين؟

يقول البعض إنّ ترامب “صقر” في ما يخصّ الصين، بينما يصفه آخرون بـ”الحمامة”. غير أنه، وكما هي الحال غالباً، يصعب حشر حدسه السياسي في تصنيفاتٍ مُحكمة ومغلقة. فالاجتماع في بوسان أظهر بوضوح أن الرئيس ليس عقائدياً في مقاربته للصين؛ بل هو براغماتيّ إلى حدٍّ هجومي. ونتيجةً لذلك، قد تعكس مخرجاتُ السياسة حجمَ النفوذ النسبي الذي يمتلكه كلّ طرف في لحظة التفاوض.

في ما يتعلّق بعنصر القدرة على فرض النفوذ، يراهن ترامب على أن الصين بحاجة إلى السوق الأميركية أكثر ممّا تحتاج الولايات المتحدة إلى سوق الأولى. وهذه مقولة إشكالية بطبيعتها. فقد تراجعت صادرات الصين السلعية إلى الولايات المتحدة بحوالى 20 في المئة مقارنة بالعام الماضي، غير أن فائضها التجاري مع العالم لا يزال في طريقه لتجاوز 1.2 تريليون دولار هذا العام. وبينما قد تنجح الولايات المتحدة في منع دخول بعض الصادرات الصينية، ولو على حساب ارتفاع الأسعار على المستهلكين والمصنّعين الأميركيين المعتمدين على الواردات، فإن الصين من جهتها باتت تجد أسواقاً بديلة لمنتجاتها وتقلّص من اعتمادها على الواردات الأميركية، بدءاً من المحاصيل الزراعية وصولاً إلى الطاقة وأشباه الموصلات. وفي الوقت نفسه، اكتشفت الصين أنّ لديها نفوذاً حقيقياً على الولايات المتحدة من خلال قبضتها الخانقة على إمدادات المعادن الاستراتيجية، وهي معادن قد تحتاج الولايات المتحدة سنوات طويلة، وربما أكثر، لتعويضها أو إيجاد بدائل محلية لها.

في نهاية المطاف، سيتعيّن على ترامب أن يقرّر ما إذا كان بإمكان الولايات المتحدة تحقيق أهدافها عبر سلسلة من الخطوات التكتيكية المتفرّقة، أم أن استقرار العلاقة الثنائية يتطلّب تحوّلاً استراتيجياً أكثر جوهرية. فعلى مدى عقود، بذل صنّاع السياسات في الولايات المتحدة جهوداً ذهنية هائلة واستنزفوا الكثير من الرصيد السياسي لمحاولة التأثير في السلوك الصيني، ولم يحققوا سوى نتائج متواضعة.

لا ينبغي لنا أن نستسلم بالضرورة، إذ إنّ التغيير في ذلك السلوك هو وحده الكفيل في النهاية بإرساء الاستقرار في العلاقة الثنائية. لكن ينبغي على الولايات المتحدة أن تركّز بصورة أكبر على ما يمكنها التحكّم به فعلياً، وعلى كيفية التفوّق في المنافسة – من خلال البناء الداخلي، وتشكيل تحالفات اقتصادية وعسكرية متينة مع الحلفاء والشركاء، من أجل ردع الصين وتجاوزها. في المقابل، ستستمر استراتيجية بكين في ممارسة ضغط صبور وطويل الأمد. فهُم يأملون أن نختار التراجع.

لقد رسم الحزب الشيوعي تحت قيادة شي جينبينغ مساراً مغايراً ومراجِعياً – وغالباً في تعارض مباشر مع المصالح الأميركية. فليكن ذلك. فالصين دولة ذات سيادة وطموح غير مقيّد، وقد نتمكن من التعايش معها دون الاضطرار إلى الاستسلام أو الانزلاق إلى صراع عسكري. غير أن الاستراتيجية الأميركية الرابحة تقتضي الاعتراف بالحدود الشديدة لقدرتنا على التأثير في سلوك الصين، وصياغة حيّز يمكن فيه للطرفين التعايش، مع الاستمرار في المنافسة بكفاءة ضمن الإطار البنيوي للعلاقات بين القوى الكبرى.

 

بقلم مايكل فرومان – رئيس مجلس العلاقات الخارجية

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.