يتساءل كثيرون اليوم عمّا إذا كانت الحرب تستحق العناء. والحقيقة أنه من المبكر جدًا إصدار حكم نهائي. فنجاح الحرب أو فشلها في تحقيق المصالح القومية للولايات المتحدة يعتمد بقدر كبير على ما سيحدث لاحقًا، بقدر ما يعتمد على ما جرى منذ اندلاعها.
لقد أضعفت الولايات المتحدة بشكل كبير قدرة إيران على استخدام وإنتاج الصواريخ الباليستية، إضافة إلى الطائرات المسيّرة. كما تم إغراق أكثر من 90 في المئة من البحرية الإيرانية أو جعلها غير فعّالة قتاليًا من قبل القوات الأميركية. وقد تعرضت أهداف عسكرية عالية القيمة — من أنظمة الدفاع الجوي إلى المنشآت الصناعية والبنى التحتية للقواعد العسكرية — لأضرار جسيمة. وبالمجمل، استهدفت القوات الأميركية وحدها أكثر من ثلاثة عشر ألف هدف. ومع أن المستويات العليا من كوادر الأجهزة العسكرية والأمنية الإيرانية قُتلت نتيجة الضربات الأمريكية والإسرائيلية، إلا أنه قد يكون من الأدق وصف النظام الإيراني بأنه أُعيد ترتيبه قسرًا، لا أنه تغيّر.
لكن ثمة فجوة — دون تورية — بين تحقيق هذه الأهداف والواقع القائم في مضيق هرمز. فإذا كانت إيران قد أثبتت شيئًا خلال عملية “الغضب الملحمي”، فهو قدرتها اللافتة على الصمود وفعالية ترسانة محدودة نسبيًا من القدرات في إغلاق أحد أهم الممرات البحرية الحيوية في العالم.
لقد نجحت إيران في “تسليح الاعتماد المتبادل” — أو على الأقل نسختها الخاصة من هذا المفهوم. ففي هذه الحالة، أدركت إيران أنها تستطيع تسليح اعتماد العالم ليس فقط على السلع التي تمر عبر المضيق، بل أيضًا على سوق الطاقة العالمية نفسها.
وقد لعبت الولايات المتحدة دورًا مهمًا في تطوير هذا المفهوم عمليًا منذ أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، من خلال “تسليح” النظام المالي الأميركي، مستفيدة من سيطرتها على الدولار وأنظمة الدفع القائمة عليه والمؤسسات المالية، لفرض العقوبات وخنق الخصوم الذين يعتمدون على تلك الأصول في التجارة والاستثمار وتدفقات الأموال.
بدورها، استلهمت الصين هذا النموذج من التجربة الأمريكية عبر “تسليح” سلاسل التوريد. فمنذ عام 2010، استخدمت سيطرتها على المعادن النادرة لفرض إجراءات انتقامية ضد اليابان على خلفية نزاع بحري. وفي العام الماضي، من خلال التهديد بفرض نظام عالمي للرقابة على صادرات المعادن الحيوية والمغناطيسات ومدخلات التصنيع العالمية — من رؤوس الصواريخ إلى مقاعد السيارات — أظهرت الصين قدرتها على استخدام نقاط الاختناق كمصدر نفوذ قوي، وفي هذه الحالة لإجبار إدارة ترامب على التراجع عن تعريفات جمركية متشددة.
وقد كتبت إيران الفصل التالي من هذه الدراما، عبر “تسليح الجغرافيا” وتحويل قدرتها على التحكم في مضيق هرمز إلى نقطة اختناق حقيقية يمكن من خلالها التحكم في تدفق النفط والغاز والأسمدة والهيليوم وغيرها من المدخلات الحيوية، مع التهديد بفرض رسوم عبور آمنة. وقد فرض ذلك تكلفة كبيرة على الاقتصاد العالمي، تمثلت في ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو، مع آثار سلبية أكبر على الدول الأقل قدرة على تحمّل الصدمات.
وكما في حالة الصين العام الماضي، شكّلت قدرة إيران على إرباك الاقتصاد العالمي خلال الشهر الماضي جرس إنذار لبقية العالم. وكما هو الحال في المثال الصيني، سيستغرق الأمر سنوات، وربما عقودًا، ومليارات إن لم تكن تريليونات الدولارات، لتقليل اعتماد الدول على مضيق هرمز، سواء من خلال إنشاء خطوط أنابيب لتجاوز المضيق (وليس فقط باتجاه البحر الأحمر حيث يمكن للحوثيين إحداث اضطرابات مشابهة)، أو عبر تنويع مصادر الطاقة بعيدًا عن النفط والغاز.
كل ذلك يعني أن تجنب نقاط الاختناق مشروع صعب ومكلف وطويل الأمد، سواء عبر إنشاء بدائل للنظام المالي القائم على الدولار، أو تطوير مصادر متنوعة للمعادن الحيوية وأشباه الموصلات ومكونات سلاسل التوريد، أو تقليل الاعتماد على شحن النفط والغاز عبر مضيق هرمز. ولهذا تُسمى نقاط اختناق؛ فهي ليست مجرد عقبات عابرة، بل تتمتع بحصانة استراتيجية — ولو مؤقتة.
وهذا يعيدنا إلى إيران وإلى أحد الدوافع الرئيسية للحرب: برنامجها النووي. ظاهريًا، كان الدافع الأساسي لإيران لمتابعة برنامج نووي عسكري هو ردع إسرائيل والولايات المتحدة (وربما أطراف أخرى) عن مهاجمتها. ويمكن تصور أن الإيرانيين قد يستخلصون درسين من هذا الصراع.
من جهة، قد ترى إيران أنها بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى سلاح نووي لمنع هجمات مستقبلية. ومن جهة أخرى، فإن قدرتها على شل الاقتصاد العالمي باستخدام عدد محدود نسبيًا من الصواريخ والطائرات المسيّرة تشير إلى أنها لا تحتاج إلى السلاح النووي للردع، بل يكفيها “تسليح” نقطة الاختناق. وربما تكون إيران قد وجدت وسيلة ردع تقليدية — غير نووية — ضد القوى الكبرى، يصعب احتواؤها ويمكن استخدامها بشكل متكرر وبكلفة منخفضة نسبيًا، ومن دون وصمة الانتشار النووي.
ومع ذلك، قد لا يقتنع القادة الإيرانيون بذلك، خاصة في ما يتعلق بردع إسرائيل، التي تنظر إلى التهديد الإيراني من زاوية وجودية مختلفة، ما يخفض عتبة لجوئها إلى الضربات العسكرية. ومع ذلك، قد يكون أحد نتائج الصراع إعادة توازن في حسابات الردع والتصعيد لمصلحة إيران.
فهل كانت الحرب تستحق العناء؟
يعتمد ذلك إلى حد كبير على مدتها — ما إذا كان وقف إطلاق النار سينفذ بالكامل، ومدى استمراره — وما إذا كان سيقود إلى تسوية طويلة الأمد أو إلى صراع مجمّد تتكرر فيه جولات التصعيد وإغلاق المضيق.
وهذا بدوره يعتمد على مفاوضات إسلام آباد، باكستان. فهل ستتخلى إيران عن طموحاتها النووية، كما ادعى ترامب، وتتخلى عما تبقى من مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب؟ وهل ستوافق إيران على قيود لإعادة بناء قدراتها الصاروخية؟ وهل ستوافق على وقف دعم حلفائها المسلحين في المنطقة، بما في ذلك “حماس” و”حزب الله” والحوثيين والميليشيات المتحالفة معها في العراق؟ وإذا وافقت إيران على هذه المطالب، فهل ستكون هناك آلية للتحقق والتنفيذ؟
قد يحكم التاريخ على هذه الحرب بإيجابية، ولكن فقط إذا كانت نتائجها إيجابية ودائمة. إذ يجب أن تخرج إيران ضعيفة ومردوعة في آن واحد، وأن يُعاد فتح المضيق وفق الوضع السابق للحرب، وأن تستعيد المنطقة الاستقرار والأمن اللازمين لمواصلة مسارها نحو التنمية الاقتصادية والاندماج.
لكن لا شيء من ذلك مضمون، وهو ما لا يبدو قريبًا، رغم أنه يبقى أحد السيناريوهات الممكنة.
وفي غياب هذه النتائج، سيقول كثيرون إنه كان ينبغي عدم بدء الحرب، بينما سيقول آخرون إنها لم تذهب بعيدًا بما يكفي. وحتى الآن، لا تزال كلا المقاربتين قائمتين بقوة.
ثمة أمر واحد مؤكد: لقد فتحت إيران “صندوق باندورا” عندما أثبتت قدرتها واستعدادها لتسليح أهم نقطة اختناق للطاقة في العالم. ومنذ الآن، لن يُنظر إلى أي صراع مع إيران بالطريقة نفسها مرة أخرى.
ترجمة بتصرف
بقلم / مايكل فرومان – رئيس مجلس العلاقات الخارجية

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
