قالت هيئة البث الإسرائيلية الرسمية إن جيش الاحتلال الإسرائيلي استكمل، خلال الأسابيع الأخيرة، إعداد خطة لشنّ هجوم واسع ضد مواقع تابعة لحزب الله، في حال فشلت الحكومة والجيش في لبنان في تنفيذ تعهدهما بتفكيك سلاح الحزب قبل نهاية العام. ويأتي هذا التحذير بعد مرور أكثر من عام على توقيع اتفاق بين إسرائيل وحزب الله.
وحسب قراءتي للعقل الإسرائيلي، أعتقد أن حرب لبنان كان الهدف منها القضاء على حزب الله، من خلال تسليم الجيش اللبناني زمام الأمور، ودعم الدولة اللبنانية، وإنهاء حزب الله سياسياً، وإلغاء دور قوات «اليونيفيل»، مع سعي الكيان الصهيوني إلى بناء منطقة عازلة تقطع جزءاً من الأراضي اللبنانية.
أما مقترحات «ما وراء الليطاني»، فقد انتهى زمنها، فالحرب القائمة الآن بين إسرائيل وحزب الله تجاوزت قواعد الاشتباك، وتطورت إلى مستوى أكثر خطورة، يتمثل في التهديد بعودة الحرب مرة أخرى في حال فشلت الحكومة في نزع سلاح حزب الله، وقد تصل إلى تدخل بري. وأعتقد أن إسرائيل تجاوزت مرحلة إبعاد حزب الله شمال نهر الليطاني إلى مرحلة نزع سلاحه وتدميره بالكامل.
فإسرائيل تسير وفق خطط ممنهجة وسيناريوهات محددة في مسار هذه الحرب، إذ اعتمدت سياسة حرب عكسية مع حزب الله، أي بدأت بحرب إضعاف واستنزاف، ثم انتقلت إلى الحرب العسكرية، بعكس نهجها في حرب غزة، حيث بدأت بحرب عسكرية طويلة، ثم انتقلت إلى حرب الاستنزاف، في مسعى لتفريغ غزة من سكانها وإحلال الولايات المتحدة والشركات العالمية مكانهم.
ما قامت به إسرائيل من حرب ضد لبنان العام الماضي كان بهدف تدمير الضاحية الجنوبية لبيروت، باعتبارها مقرّ حزب الله، وضرب بعض المواقع داخل العاصمة، مع اغتيال معظم قادة الحزب، لإنهاء وجوده في لبنان عسكرياً، ومن ثم سياسياً. وذلك عبر دعم الدولة اللبنانية وتقويتها، بدعم من الأميركيين وأوروبا والسعودية، لإحلال الجيش اللبناني مكان حزب الله، ونزع سلاحه لصالح الجيش اللبناني، وإنهاء الحزب سياسياً، وتقليل فرص حصوله على مقاعد في البرلمان. واعتبرت إسرائيل أن تحقيق ذلك لا يتم إلا من خلال:
- ضربه وتدميره بالقوة، والاستمرار في الاغتيالات.
- إبعاده عن الجنوب اللبناني وإحلال الجيش اللبناني مكانه.
- تقوية الدولة اللبنانية سياسياً وعسكرياً من خلال الدعم الأميركي والأوروبي.
- إيجاد قادة لبنانيين أقوياء قادرين على ضبط سيادة الدولة اللبنانية، وأكثر اعتدالاً في العلاقة مع إسرائيل.
- تقوية لبنان اقتصادياً عبر الدعم المادي وبناء مشاريع اقتصادية، مع دور بارز للسعودية والإمارات في ذلك.
في حال عودة الحرب مرة أخرى بين لبنان والكيان، ستمارس إسرائيل جنوناً حقيقياً بحق لبنان، وبدعم أميركي، ولن يجد اللبنانيون موقفاً دولياً يُذكر، بقدر ما سيُطلب منهم ضبط النفس والاكتفاء بتحركات سياسية. ذلك أن دخول حزب الله في هذه الحرب بدا، من وجهة النظر الإسرائيلية، خطأً، باعتباره ليس طرفاً في معادلة الصراع. وللأسف، فإن دخول حزب الله الحرب في غزة لم يخدم حماس ولا قطاع غزة، ولم يكن ضاغطاً على إسرائيل بقدر ما كان عرضاً إعلامياً أكثر منه حرباً حقيقية على أرض الواقع، كما فتح الباب لإنهاء ما تبقى من لبنان، عبر التهديد بإعادة احتلال جنوب لبنان.
وأعتقد، وفقاً للعقلية الإسرائيلية، أنه في حال لم يوافق حزب الله على مشروع التسوية، ولم يحدث اتفاق بين لبنان وإسرائيل خلال هذا الأسبوع، وفق الأنباء المتداولة وتصريحات مسؤولين أميركيين، ستقوم إسرائيل بضرب عدة مواقع، واختيار مرافق حيوية مثل شركات الكهرباء والاتصالات والمياه، وضرب البنية التحتية، بما في ذلك استهداف مطار بيروت، وضرب بعض المواقع في المخيمات الفلسطينية، إضافة إلى ضرب مواقع لحماس في جنوب لبنان، ومواقع لحزب الله في سوريا، ومنازل لقادة في حزب الله في جنوب لبنان.
كما قد تقوم إسرائيل بتنفيذ العديد من عمليات الاغتيال لقادة حزب الله في جنوب لبنان. وستكون هذه الضربات متتالية وسريعة وذات أهداف محددة، وقد تستمر هذه الحرب لعدة أشهر دون توقف، بحيث لا يشعر اللبنانيون بأي أمن أو أمان خلالها، كما حدث في الحرب الأولى.
وفي حرب غزة، كانت غزة الحلقة الأصعب بالنسبة لإسرائيل، لأنها كانت حرب شوارع وحرب عصابات، وفي مناطق ضيقة وذات كثافة سكانية كبيرة جداً. إلا أن الوضع يختلف بالنسبة للبنان، فلبنان دولة ذات سيادة ولها مواقع سيادية معروفة، كما أن مساحة لبنان وطريقة توزيعها قد تسهّل على إسرائيل ضرب هذه المواقع.
إن نهاية حزب الله أصبحت، للأسف، وشيكة، وما يحدث الآن يذكرنا بما قامت به إسرائيل عند دخولها إلى لبنان لإنهاء دور منظمة التحرير الفلسطينية عام 1982، وانتقالها لاحقاً إلى تونس، ومن ثم جلب ياسر عرفات وجماعته إلى رام الله، وتصفيته فيها باسم اتفاق أوسلو الفاشل.
ما تقوم به إسرائيل اليوم هو فعلياً ليس فقط إبعاد حزب الله إلى شمال نهر الليطاني بعد عام كامل من اتفاق وقف إطلاق النار، وليس لأنها كانت مشغولة في قطاع غزة، إذ لا رابط بين الجبهات، فجيش الاحتلال الإسرائيلي أساساً مقسّم حسب المناطق، وموزّع في الضفة الغربية وقطاع غزة وشمال إسرائيل، وبالتالي لا مانع لديه من خوض معارك متعددة الجبهات. غير أن صمتها كان يهدف إلى خلق رأي عام وتحالف دولي، حتى تستطيع إسرائيل العبث في لبنان بأريحية دون تدخل أي دولة لمنع ذلك، وبذريعة فشل الحكومة اللبنانية في نزع سلاح حزب الله، والهدف هو احتلال جنوب لبنان بالكامل.
أما الجنوب اللبناني، فالمخطط الإسرائيلي يقضي باقتطاع جزء كبير منه لصالح المنطقة العازلة، ولن يعود اللبنانيون في هذه المناطق إلى بيوتهم مرة أخرى، وذلك بعد رجوع ما تبقى من حزب الله إلى شمال نهر الليطاني. كما أن هناك خطة إسرائيلية لضرب الفلسطينيين في المخيمات الفلسطينية في لبنان في حال نشوب الحرب مرة أخرى بين لبنان وإسرائيل، إذ لن يكون الفلسطينيون والفصائل الفلسطينية بمنأى عن هذه الحرب، وهذا جزء من إنهاء فكرة العودة وإنهاء فكرة توريث الفلسطينيين حقهم في العودة إلى فلسطين.
ويبقى الخاسر الوحيد في هذه المعادلة هو الشعب اللبناني، الذي أدخله حزب الله في أتون حرب طاحنة، ودفعه إلى زاوية الانتحار السياسي، وخسارة أرواحهم وبيوتهم وأمنهم واستقرارهم ومستقبلهم. فحزب الله لم يساند غزة، وهذا وهم وكذب، بل ساند حماس، التي انتهت أيضاً، وأنهت معها القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني، وهجّرت الغزيين وشتتتهم في دول العالم بحثاً عن جنسيات وإقامات. فحزب الله انتهى بدخوله معركة خاسرة، وتوريط الشعب اللبناني معه، فيما تراقبه إيران عن كثب، وقد قبضت الثمن الأميركي في تدمير لبنان كما دمرت غزة، وتفتيت الشرق الأوسط لصالح إسرائيل.

عصام أبو بكر
صحفي متخصص في الشأن الإسرائيلي وعضو الاتحاد الدولي للصحفيين. له مقالات منشورة في كثير من الصحف المصرية منها "أخبار اليوم"، "روز اليوسف"، "الوفد"، "الدستور"، إضافة إلى الصحف الخارجية مثل "حوار متمدن" و"أمد للإعلام".
