سيادة… حرية… استقلال

هي رحلة تبدأ أولاً من الداخل، ببناء الإنسان المؤمن بقيم العدالة والحرية، وبناء المؤسسات القوية والشفافة القادرة على تحمل أعباء هذه المبادئ. إنها معركة على جبهات متعددة في وقت واحد: سياسية، اقتصادية، ثقافية، وفكرية، يقودها الوعي.

فتحقيق السيادة والحرية والاستقلال رحلة وليس محطة، إنها عملية متشابكة: فلا حرية حقيقية دون سيادة (كيف تتحرر وأنت محتَل وتابع)، ولا سيادة حقيقية بدون استقلال في صنع القرار، ولا استقلال حقيقي بدون حرية الشعب في اختيار ممثليه ومراقبتهم.

وهنا تبرز تحديات لا بدّ من التعامل معها بواقعية وجدية لتخطيها:

  • التبعية الاقتصادية والعولمة
  • التدخلات الخارجية والهيمنة
  • الاستبداد الداخلي والفساد
  • الانقسامات المجتمعية من طائفية وعشائرية ومناطقية
  • ضعف الوعي المجتمعي والمؤسسي

لطالما تغنّى بهذا الشعار الكثير ممن يعتبرون أنفسهم نشطاء مدنيين (مع تحفظي على الأغلبية منهم الذين ركبوا أكتاف ثورة 17 تشرين الأول عام 2019). منهم من دخل مجلس النواب أو كوفئ بمركز وظيفي حكومي، وأضحى بعدها هذا الشعار مجرد نداء لشحذ الهمة في بعض المظاهرات أو الإطلالات الشعبوية لكل من يخوض غمار السياسة المتطرفة في لبنان.

فهل شعبنا اللبناني الأبي على قدر وافر من الوعي بمفهوم السيادة والحرية والاستقلال؟ أم هو منضوي تحت إمرة زعيم حزبي و«مُنيَّم» بسلسلة وعود لم يتحقق منها شيء على مدى اثنين وثمانين عاماً؟

السيادة

هي السلطة العليا والسيطرة المطلقة للدولة على كافة أقاليمها (أي براً وبحراً وجواً) وشعبها دون الخضوع لأي قوة خارجية، والشعب هو مصدر السلطة السياسية. فمفهوم السلطة يستند إلى القانون الدولي الذي يحدد علاقات الدول ببعضها البعض، كما يمكن الإشارة إليه بـ«الهيمنة» في بعض السياقات، وهو ما يجري خارجياً منذ سبعة وسبعين عاماً مع نشأة الكيان الإسرائيلي، وداخلياً منذ اندلاع الحرب الأهلية عام 1975 وما تلاها من حرب اقتصادية واجتماعية وثقافية حادة الوطيس.

تتحقق السيادة بوضع دستور وطني يحدد نظام الحكم والحقوق والواجبات ويكون هو القانون الأعلى، لذلك آن الأوان لمراجعة الدستور اللبناني الذي عصفت به أربعة انقلابات وتناثرته حرب أهلية، بالحديد على مدى خمسة عشر عاماً، وبالتحاصص الإداري والمالي والاقتصادي والأمني من قِبل من كانوا أمراء تلك الحرب العبثية (المدروسة). ولضمان العدالة والمساواة في الحقوق والواجبات وصون السيادة، يجب تفعيل قضاء وقانون مستقلين دون تمييز أو خضوع لإملاءات سياسية أو دينية.

السيادة هي سيادة القانون، مما يحتم احترامه وتطبيقه على الجميع دون استثناء، على الرئيس كالمرؤوس. ولكن، ومع الأسف، فالسيادة في لبنان انتقائية، كما أنها تحولت إلى سيادة شبكات التواصل الاجتماعي على أغلب مرافق حياة الشريحة الكبرى من اللبنانيين، حيث أصبحت خاضعة لسياسات وأفكار من يطلقون على أنفسهم: «مدرب حياة»، و«شخصية عامة»، و«صانع محتوى»، و«باحث غذائي»، والكثير من هذه المسميات التي حولتهم إلى مستهلك كسول ومفتون بما يُقدم له، بدل أن يكون عنصراً مفكراً وفاعلاً. وهذا ما أوصل المجتمع اللبناني إلى درك الانحلال الوطني وذوبان الهوية.

أما من ناحية أخرى، فإن التعدي على سلامة أراضي الدولة أو التدخل في الوظائف الحكومية الجوهرية أو اغتصابها، وهو ما يحصل منذ عقود وباستسهال، ما هو إلا انتهاك صارخ للسيادة الوطنية، حتى وصلت ببعضهم الوقاحة إلى حد التحريض والتهليل العلني للهيمنة الخارجية وإلغاء الآخر.

ولضمان تحقيق السيادة، على الدولة احتكار الشرعية، أي احتكار وسائل القوة العسكرية ضمن إطار القانون لحماية الأمن الداخلي والخارجي، والتحول إلى اقتصاد منتج بدل الريعي، مما يؤمن الانتقال إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي، وخاصة من ناحية السلع الاستراتيجية، وتعزيز الهوية الوطنية واللغة والتراث لضمان السيادة الفكرية والثقافية، مدعومين بنظام تعليمي يخدم أهداف الأمة وينمي الفكر والإبداع، وتمكين جيش وطني قوي وقادر على حماية الحدود من أي عدوان خارجي، مستنداً إلى صناعات عسكرية محلية قدر الإمكان.

وتبقى العبرة بالفصل بين السلطات وتداول السلطة.

الحرية

بمفهومها الأساسي، هي قدرة الفرد على اتخاذ القرارات والاختيار من بين عدة خيارات دون أي إكراه أو ضغط خارجي. هي التحرر من القيود المادية والمعنوية، والتخلص من العبودية والتحكم والإجبار، لكنها لا تستقيم من دون ضوابط لضمان عدم تهديدها للنظام العام وحقوق الآخرين. وهي قوة دافعة للثورات ضد الأنظمة الشمولية.

التحرر الاجتماعي يعني إطلاق الطاقات والقدرات وتعزيزهما، وفعل الشيء أو تركه بإرادة ذاتية واستقلال عن التبعية وتأثير العادات.

على الصعيد السياسي، هو ضمان الحق في التعبير عن الرأي وتنظيم الأحزاب (وكم نحن بحاجة اليوم في لبنان إلى قانون ينظم عمل الأحزاب القائمة ويضبطه)، وأن تكون أحزاباً سياسية وطنية جامعة بحتة، غير مرتبطة بأجندات خارجية تتحكم في توجهاتها لضمان تمويلها غير الشرعي، ولا أن تكون أحزاباً طائفية أو عائلية لا عقيدة لها ولا جدوى منها.

أما على الصعيد الإعلامي، فهي الحرية في التعبير دون أن تمس بحرية الآخرين ومعتقداتهم وتوجهاتهم، وألا تمس بالأمن القومي. فالحرية الإعلامية ليست استخدام مادة رخيصة للتحريض والاقتتال، ولا للتشويش والتشويه على الحقائق والمسلمات، إنها مبدأ المسؤولية، وحرص على الكرامة الإنسانية وتحضر المجتمع وتطويره.

الحرية هي أهم الحقوق الإنسانية، وهي ثابت لا يمكن إنقاصه أو إساءة استخدامه، وهي الأساس في محاربة الظلم والفساد وإزالتهما. الحرية من دون ضوابط تصبح جهلاً وسيلاً جارفاً.

الاستقلال

هو مفهوم متعدد الأوجه:

سياسياً: هو قدرة الدولة على حكم نفسها بنفسها دون أي سيطرة أو تدخل خارجي، وهو مرتبط بمفهوم السيادة وإنهاء أي استعمار، وهذا مرتبط أيضاً بالحرية. وهو ما نفتقده في لبنان، فهناك استعمار داخلي يفرض أغلب الأحزاب والتيارات السياسية منطقها الفاقد لأبسط مقومات احترام الإنسان ومصادرة قرار الدولة، سواء بالسلاح أو بالتهويل بإملاءات الخارج، واستعمار خارجي بسبب عدو يفرض هيمنته بدعم أممي.

مالياً: هي قدرة الدولة أو المؤسسة أو الفرد على إدارة الشؤون المالية دون الاعتماد على الآخرين.

  • أما الدولة، فيجب أن يكون لديها اقتصاد قوي ومتنوع وقادر على تلبية احتياجات مواطنيها دون قروض أو مساعدات خارجية، وهو نقيض اقتصادنا اللبناني الريعي القائم على الاستيراد الخارجي بدل التصنيع المحلي (مع العلم أن الكفاءات متوفرة)، وذلك لضمان حسن سير الاستدانة الخارجية، لتجنب غرق الدولة في أزمات لن تقوى على النهوض منها قبل الانصياع التام لسياسات الدول الكبرى. ومع أنه تم ضخ أموال طائلة، جميعها هبات، إلا أن مديونية الدولة فاقت المعقول ووصلت إلى نهب أموال المودعين باستحداث سياسات وهندسات مالية ممنهجة تحت إشراف دولي.
  • أما الاستقلال الفردي، فهو قدرة الشخص على اتخاذ قراراته الخاصة والعيش بحرية دون تأثير يُذكر من العائلة أو المجتمع، كاختيار الدراسة والعمل ومكان السكن والمعتقدات، والاعتماد على الذات في إدارة الشؤون الحياتية اليومية، وهذا ما أصبح من معجزات العصر في لبنان، حيث أن الأغلبية الساحقة تعيش تحت خط الفقر.
  • أما مؤسساتياً، فالاستقلال يكمن في قدرة الموظف على أداء مهامه واتخاذ القرارات ضمن نطاق عمله دون إشراف دقيقي أو إملاء من رئيس أو متعامل، مما ينعكس على نزاهة الأداء وعدم تغليب منطق التنفيع والرشوة. وتبقى النقطة الأهم، وهي استقلالية القضاء، الذي يجب أن يكون مبدأً أساسياً في بناء الدولة القادرة، فالمحاسبة هي أساس العمل بعيداً عن تأثير رئاسة الجمهورية والسلطتين التشريعية والتنفيذية، وأيضاً عدم الخلط بين القضاء والأمن، وهذا ما هو مفقود في لبنان حيث يعمل القضاء استناداً إلى انتماءات وإملاءات سياسية ودينية داخلية وخارجية. ومن ناحية الاستقلال المالي، فإن المصرف المركزي يضع سياسات النقد دون ضغوط من الحكومة، وهو من يحدد سعر الصرف في سوق القطع. أما في لبنان، فقد عمل المصرف المركزي على هندسة سياسات مالية تسهم في انهيار مالي واقتصادي ممنهج ومدروس دون محاسبة تذكر.

شرعية السلطة: هي قدرتها على توفير حقوق الأفراد وتحقيق حرياتهم الشخصية ومنع أي اعتداء على حرية الآخرين، ولا تكتمل في غياب السيادة. فالسيادة ليست مرادفاً للحرية والاستقلال على المستوى الخارجي فقط، بل أيضاً للحرية والحقوق على المستوى الداخلي، أي تحقيق السيادة براً وبحراً وجواً، واتخاذ القرارات الاستراتيجية في هذا الموقع الجغرافي بمعزل عن أي إرادة خارجية، وذلك بتوظيف الموارد الطبيعية والبشرية في إطار التشريعات، أي دون تفرد الحاكم بالقرار وفعل ما يشاء.

مقالات الكاتب

راجي معرّاوي

متخصص في الاتصالات والإلكترونيات؛ إستشاري في دراسة وتنفيذ شبكات الألياف الضوئية، مراكز البيانات، وأنظمة حماية الحدود البرية والبحرية والجوية.