الكتاب المرفوع من القاضية المستقيلة ساندرا المهتار إلى مجلس القضاء الأعلى بتاريخ 5 آب 2025 بواسطة الرئيس الأول لمحاكم الاستئناف في جبل لبنان، والذي انتشر وأصبح بمتناول الجمهور العريض، وما تبعه — بعد الموافقة على طلب الاستقالة — من رسالة القاضية الوجدانية وتعبيرها عن مشاعرها تجاه السلطة القضائية التي كانت جزءًا منها، ودعم مضمون ذلك الكتاب وتلك الرسالة عبر بيان تضمّن صدى وجدانيًا موازٍ من نادي قضاة لبنان الذي يضم قضاة عاملين… كلّها مؤشرات ذات دلالة على وجود خلل حقيقي لا يمكن معالجته بالإنكار أو كمّ الأفواه، وهي تصريحات جريئة بالغة الأهمية كونها لم تُكتب بالحبر بل بسيل من الألم الجماعي الصامت عادة.
عندما تختار قاضية أمضت ربع قرن في خدمة مرفق العدالة أن «تطوي آخر صفحات قصتها مع القضاء»، لا يكون القرار مجرد استقالة وظيفية، خاصة وأن كتاب الاستقالة حمل نداءً أخلاقيًا لحماية سلطة يُفترض أن تكون الحارس الأساسي للحقوق، وركنًا من أركان الدولة اللبنانية. كتاب استقالة القاضية المهتار لم يكن طلب إنهاء خدمات عاديًا، بل تضمن تشريحًا لجسد القضاء المعتل الذي ينزف يوميًا ويخسر النخبة من كفاءاته ويئنّ تحت وطأة الإهمال المتعمّد وفرض الاستتباع السياسي.
«هذا القلب مُتعَبٌ وقد أتعبني، وهذا القلب سقيمٌ وقد أرهقني»، بهذه الكلمات الشعرية التي تليق بقاضية عاشت مع العدالة علاقةَ حبّ ووفاء، تختصر المهتار معاناة جيل كامل من القضاة الذين دخلوا السلك القضائي بحلم تحقيق إصلاح المجتمع، فإذا بهم ضحايا نظام يأكل أبناءه لا سيما أولئك الذين لا يرضخون لقواعد اللعب.
كتاب الاستقالة… مضبطة اتهام تاريخية
في الكتاب الرسمي المرفوع إلى مجلس القضاء الأعلى، تتحوّل اللغة القانونية الجافة إلى خطاب حقوقيّ ثوريّ. لم تطلب المهتار إنهاء خدماتها فحسب، بل سجّلت «اعتراضًا تاريخيًا» عددت فيه الأسباب التي تجعل القضاء «هيكلًا تتهاوى جدرانه»، حسب تعبيرها، لافتة إلى وجود عدة قوانين مجتزأة يتم تفصيلها داخل المجلس النيابي على قياس المصالح الضيّقة لأهل المنظومة وأتباعهم، في إشارة واضحة إلى حالة جديرة بالتوقف أمامها وهي «تسييس التشريع» الذي لطالما شكّل غطاء لما يعرف بـ«الفساد المُقونن».
ثم جاءت الإشارة الثانية، وهي لا تقلّ خطورة، إلى فرض استتباع القضاة، مع تأكيدها — بحرفيتها — أنّ «القاضي أصبح أداة في يد السلطة السياسية»، وهو دليل إضافي على انعدام الاستقلالية. ولم يُغفل الكتاب ذكر انهيار البنى التحتية، من نقص الكهرباء إلى سوء أوضاع دورات المياه والمباني الآيلة للسقوط، مع التنبيه إلى غياب المساواة بين القضاة، وهذا ما شرحناه سابقاً، حين ناشدنا فخامة رئيس الجمهورية علانيةً بكتاب مفتوح عدمَ التوقيع على مرسوم التشكيلات القضائية لأسباب عدّدناها بإسهاب ومنها تهميش الكفاءات ومعاقبة النزيهين لمجرد رفضهم المحسوبية، لكن مستشاري القصر الذين تلقّوا وابلًا من الاتصالات والضغوطات كانت لهم وجهة نظر أخرى.
أرادت القاضية المهتار من كتاب استقالتها وضعَ خطة إصلاحية، إذ افتدت القضاء بنفسها ليصل صوتها إلى من يعنيهم الأمر، كاشفة أنها كانت قد تقدمت سابقًا بخطة بعنوان «معركة استعادة ثقة العامة بالسلطة القضائية». لكن هذه الخطط وهذه الأصوات غير مسموعة وهكذا مقترحات جدّية ترمى في الأدراج. ثم تتدارك القاضية المهتار معالنة أنّ حتى هذه الخطة اليوم، باتت تحتاج إلى تعديل وخفض سقف التوقعات، لأن الحاجة باتت مُلحّة من أجل «استعادة ثقة القاضي العادي بالمؤسسة». وهي حقيقة بالغة المرارة، فما أصعب أن يخسر القضاءُ ثقةَ قضاته، ما يعني أن حجم الانهيار قد وصل إلى النخاع.
تتابع القاضية المهتار قائلةً: «لم أطلب يومًا شيئًا لنفسي، وإن بحق»، وهي عبارة تكشف عن أخلاقيات جيلٍ من القضاة دخلوا السلطة القضائية لا طلبًا للامتيازات ولا طمعًا فيها، بل إيمانًا برسالة العدالة وإحقاق الحق. ولا بدّ من أن نعلم أن مَن يشبهون القاضية المهتار كثر ولدينا وفرة منهم في السلك القضائي، لكنهم يلتزمون الصمت تحفّظًا وأدبًا، كي لا أقول خوفًا.
بيان نادي قضاة لبنان يتبنّى مضمون كتاب الاستقالة
«الهيكل يتهاوى… فماذا أنتم فاعلون؟» لم يكتفِ نادي قضاة لبنان بنشر كتاب ورسالة القاضية المهتار، بل حوّلها مرة جديدة إلى وثيقة علنية بتصرّف المجتمع. إنّ البيان الصادر عن قضاة عاملين في الجسم القضائي يمثل لحظة تاريخية بالشجاعة والمصارحة، إذ ثمّة هيئة تمثيلية لقضاة لبنانيين عاملين تعلن صراحة استشعارها العجز في حماية أعضائها والخطر من استمرار الحالة على ما هي عليه.
تضمّن البيان أرقامًا تكشف حجم النزيف: «حوالي عشرة قضاة» منذ العام 2020 تقدّموا بطلبات استقالة. هذا الرقم يُخفي وراءه أزمة كبرى. ومن باب اللياقة لم يتمّ ذكر أولئك الذين تركوا القضاء لوجود ملاحقات تأديبية بحقهم وجرى تأمين الخروج اللائق لهم. ويتابع البيان رافضًا حصر الأسباب بالتبرير المادي: «لا يظنّن أحد بأن من ترك القضاء كان فقط لتوفّر فرصة عمل أفضل» وهو ما يدحض سردية التبرير لدى القيّمين على السلطة القضائية وحتى السلطة التنفيذية، فالمشكلة أعمق من الأزمة المادية بكثير.
ثم يطلق البيان سؤالًا مصيريًا: «كيف لقضاة مظلومين أن ينصروا المظلومين؟». هذا السؤال وجودي ويصيب صُلب العمل القضائي. ونتساءل عما إذا كنّا سنشهد قريبًا تعديلات للبيانات العلنية للقضاة العاملين أو المستقيلين لخنق هذه الأصوات على غرار ما حاولت القيام به نقابة المحامين في بيروت، فنالت يومها دعمًا منقطع النظير، ولو عبر تشويه الواقع والقانون، من قضاة باتوا عبئًا على القضاء ويدفعون أمثال القاضية المهتار للاستقالة، عبر تطويعهم للعدالة بما يخدم مسيرتهم واعتلاء مراكز لترهيب زميلاتهم وزملائهم. المفارقة أن نقابة المحامين في بيروت تراجعت عن تلك التعديلات لكن ما تبقّى كان قرارات قضائية شاهدة على عدم استقامة الأمور.
وللابتعاد عن النفس السلبي أو السوداوي، طالب النادي بعقد جمعية عمومية طارئة للمكاشفة والمصارحة الجماعية حول المآسي التي يعيشها قضاء لبنان ضمن العائلة الواحدة. لكن السؤال الأهم: هل ثمة من يمتلك الجرأة للإصغاء إلى هذه النداءات؟ وهل ثمة جرأة للاستجابة لهذا المطلب المُحق؟ لقد تم توجيه نداءات عدة خلال انعقاد الجمعية العامة لنقابة المحامين في بيروت لعقد مثل هذه اللقاءات لتقييم واقع مرفق العدالة جماعيًا لكن هذه النداءات قوبلت بالإهمال سابقًا ولا تزال.
من وجهة نظر محامٍ يراقب الأمور عن كثب
إنّ محراب العدالة هو السقف الذي نقف جميعًا تحته، وإن تصدّع أو تداعى فنحن كلّنا معرّضون للخطر. لقد أمضيت كما القاضية المهتار في قصور العدل حوالي 25 سنة في المقلب الآخر من ضفة العدالة، كمحامٍ عامل، ولا بدّ من التأكيد أن الأزمة ليست أزمة قضاة فقط، بل هي أزمة منظومة متكاملة. فما تحدثت عنه القاضية المهتار يمكننا التحدث عنه بنفس الألم تمامًا وان كان يأتي بسياقات مختلفة بما يراعي واقع المهنة التي يفترض بأن تكون حرة وفوق الشبهات لتوحي الثقة والاحترام.
أيضًا، علينا أن نقرّ بأن بعض قاعات المحاكم تشبه الملاجئ أكثر من كونها معاقل للعدل، وأن نعترف بانعدام اللوجستيات نتيجة انعدام الإرادة لا نتيجة نقص الإمكانات. فلا نشهد مكننة، ويتم تغييب الأرشيف النظامي. أمّا المحاكم فتعتمد على مولدات تضعها نقابتا المحامين في بيروت أو طرابلس بتصرّف دور العدل، أو بعد تأمين هبات من مقتدرين لإنارتها بالطاقة الشمسية. ولا ينبغي أن نغفل في هذا المقام، عن سوء الأوضاع لغالبية المساعدين القضائيين الذين يعملون بلا ضمانات ملموسة وبأجور هزيلة.
نتيجة واقع الحال الضاغط، تحوّلت العلاقات بين العاملين في مرفق العدالة داخل قصور العدل إلى علاقات متوترة، فغابت ذهنية الشراكة لتحقيق رسالة العدالة، كل من موقعه. فلا يكاد يمرّ يوم دون انفعالات ومشاكل ناتجة عن الاحتقان النفسي. وهناك حقيقة أعمق لا بدّ من الإقرار بها: الجميع دون استثناء هو ضحية لنظام متحكّم في الدولة العميقة. فالقاضي يجب أن يبقى محاصرًا بالملفات المتراكمة، والمحامي يجب أن يؤدي رسالته روبوتيًا منتظرًا لساعات من أجل حضور جلسة تنتهي بدقائق معدودة — كي لا نقول بثوانٍ — والمساعد القضائي مشتّت الذهن أمام وابل الهموم التي تحاصره من كل حدب وصوب. والكلّ يعاني من حقيقة واحدة “تعمّد إذلال العاملين في مرفق العدالة”.
لا شك أن هناك أعدادًا كبيرة من تبادل مدروس للأدوار بين «العراضات الإعلامية» حينًا و«الغطرسة السلطوية» حينًا آخر. لكن هذه الظواهر ليست سوى أعراض لمرض أعمق هو “منع التفكير الجماعي بحلول جذرية”. فعندما تكون هناك فئة في مواقع معينة، وتستشعر أنها عديمة الكفاءة لشعور داخلي بالدونية تجاه من هم أفضل منها، فإن هذه الفئة ستفعل المستحيل بحثًا عن أي سلطة رمزية تعيد من خلالها توازنها الداخلي المهشّم وستدافع عن نفسها وموقعها بالغطرسة والقمع. الأمر المؤكد أن الحلّ لا يمكن أن يكون في الصراعات الفتنوية بين العاملين في ميدان العدالة لا سيما إن استمرت الفرقة على أساس الانتماء المهني، بل هناك حاجة ملحة للتضامن والتعاضد ما بين كلّ الذين يشعرون بالخذلان نتيجة الواقع القائم ورفع الصوت، تمامًا كما فعلت القاضية المهتار، ضد الظلم المشترك الواقع عليهم وقبل تقديم الاستقالات.
تشريحٌ معمّق للأزمة… القضاء ليس جزيرة
حين تعلن القاضية المهتار: «أصبح القاضي أداة في يد السلطة السياسية»، فهي تلمّح إلى آلية معقّدة من التعيينات والترقيات والملفات الحسّاسة التي تُدار من خارج المؤسسة القضائية. وهي بذلك تختصر ما يحتاجه القاضي حقيقة ليشعر بالراحة وإقرار قانون استقلالية القضاء الذي يراوح مكانه في اللجان النيابية قصدًا وعمداً. فالعناوين واضحة: لا بدّ من وضع حدّ لتعيين القضاة على أساس طائفي أو سياسي والحد من تدخلات أعضاء من السلطة التنفيذية، ليصبح معيار الكفاءة هو المعيار الوحيد. كما لا بدّ عمليًا من توجيه بعض الملفات الحساسة إلى قضاة «موثوقين»، وهم كثر عسى ألا يصبحوا ملاحقين بجرم «اغتصاب السلطة» نتيجة عدم رضوخهم للتهديدات السياسية، ولا يجب إغفال وجوب اعتماد آلية قانونية واضحة المعايير لإجراء المناقلات أو التعيينات وكيفية إيقاع العقوبات الإدارية من دون استنسابية مطلقة لمن ثبت أن الهوى يغلب لديهم التعقل والحيادية، فكلها تفاصيل مهمة وتُستخدم اليوم كأدوات ضغط.
أما «القوانين المتناقضة» التي تشير إليها القاضية المهتار فليست عشوائية، بل هي تشريعات مُصمَّمة لخدمة النافذين. فعندما يُسنّ قانون يمنح حصانة، أو يُعدّل آخر ليُعقّد المسار القضائي، تكون العدالة قد تحوّلت إلى سلعة.
وغياب الكهرباء، وانعدام النظافة، والمباني المتصدعة والآيلة إلى السقوط، كلّها دلالات على إهمال غير عادي لمرفق هو عماد جلب الاستثمارات الى لبنان، لأنها تحمل طابعًا من الإذلال المؤسسي المقصود — ويا ليتَه كان غير مقصود. فكيف يُتوقع من قاضٍ أن يدرس ملفاته في مكتبه داخل قصر العدل، أو أن يصدر أحكامًا عادلة بعد مذاكرة جدّية وفعلية، وهو جالس في قاعة مظلمة لا دورة مياه لائقة فيها؟ فحتى أولئك الذين يريدون الراحة النفسية بمكاتبهم ضمن الحد الأدنى يضطرون للقيام بما يلزم من مالهم الخاص وهذه طامة كبرى.
إن رحلت النخب وارتحلت واستقالت… من سيبقى في السفينة؟
عندما يغادر القضاة «الشرفاء» وفقًا لتعبير نادي قضاة لبنان، يتبقّى في السلطة نوعان لا ثالث لهما: المقاومون الصامتون وهم الفئة التي ترفض الاستسلام والتخلي عن أحلامها لكنها تدفع الثمن غاليًا؛ والانتهازيون الذين وجدوا في الفوضى فرصة للارتقاء غير المشروع على أكتاف زميلاتهم وزملائهم للتسلّط عليهم وشهر سيوفهم المسمومة بالحقد على رقاب الناس والعباد.
المفارقة الأكثر إيلامًا، لمن اطّلع على كتاب القاضية المهتار التي دخلت القضاء لتُحدث تغييرًا، تصريحها أنها «تجد نفسها مضطرة لمغادرة القضاء كآخر شكل من أشكال المقاومة». وكأنها تقول، إذا لم أستطع إصلاح النظام من داخله، فعسى أن أحقق شيئًا وأنا أخرج طائعة لأنني لن أكون شاهدة زور على استمرارية الحال على ما هي عليه. ولعلّ كثيرين منّا باتوا يقاربون الأمور بهذه الطريقة، ولعلّنا إن فعلنا، نتورّط في إخلاء الساحات لمن لا يستحقون البقاء فيها، لأنهم حتمًا ليسوا أمناء عليها ولا على رسالتها.
الحلّ ينحصر باتحاد الأخيار ضدّ الأشرار
قبل رسم الأحلام الكبيرة التي تحتاج إلى خطوات شاقّة وجبارة، ثمّة حاجات إنسانية أساسية لا يمكن تأجيلها أو السكوت عنها، منها: تأمين الحد الأدنى من الكرامة الوظيفية عبر الحرص على وجود مستدام للكهرباء، والنظافة، والمباني الآمنة. كما تبرز حاجة ملحّة لحماية الاستقلال المالي للقضاة عبر اعتماد الشفافية المطلقة وتأمين رواتب تحفظ كرامتهم أثناء العمل وبعد التقاعد، دون عقد ذنب من السكوت على مهادنة المصارف أو من فرض رسوم غير قانونية. وما ينطبق على القضاة ينطبق أيضاً على المحامين كما سبق وأشرنا، فالأساس هو مبدأ «مجانية التقاضي» والأساس هو مسؤولية الدولة عن تأمين مرفق العدالة بالشكل الذي يليق بجميع العاملين فيه من دون استثناء وكفايتهم بشكل قانوني.
والأهمّ ألا نغفل عن ضرورة اعتماد الشفافية في توضيح آليات التعيينات والترقيات عبر إرساء معايير واضحة بعيدة عن المحسوبيات. ولا يجوز إغفال واجب دعم المساعدين القضائيين فهم عصب العمل اليومي.
هناك رسالة أوجّهها إلى «معشر الأخيار» في مرفق العدالة، وهي ليست مقولة رومانسية بل استراتيجية قائمة للبقاء، تتمثّل في تفعيل عمل اللجان المشتركة بين القضاة والمحامين والتشبيك المجتمعي ليس مع تجار القضايا المحقة لنيل التمويل الخارجي، وتبنّي هدف واضح هو حماية «استقلالية القضاء» والزود عن الناشطين الصادقين في صفوف المحامين. كما لا بد من خلق منصّات لتوثيق الانتهاكات والمشاكل اليومية، ومن دون إغفال وجوب الاستمرار في حملات الضغط الجماعي تجاه السلطتين التشريعية والتنفيذية لتحقيق المبتغى.
لتكن رسالة القاضية المهتار الأخيرة، بكل ما حملته من وجدان، قربانًا جديدًا للمطالبة بإصدار قانون حديث لتنظيم القضاء يضمن استقلاليته الحقيقية، واعتماد معايير الحوكمة الرشيدة، وإيجاد نظام رقابة داخلي نزيه وفعّال وبعيد عن الهوى السياسي كي لا يُتلاعب به وفق رغبات الزعامات. هكذا نعطي كتاب القاضية المهتار ورسالتها أبعادًا مجتمعية ذات قيمة للتعويض عليها وهي من قررت أن تخسر مركزها لإطلاق نداء بالاستغاثة.
العدالة لا يمكن أن تموت… لكنها تحتضر
«عَبَرْتُ… ولكن أبقى كما أنا» عبارة القاضية المهتار الأخيرة تختصر الدرس الأكبر، فالقضاء ليس مجرد مبانٍ وموازنات، بل هو قيم ومبادئ يحملها أشخاص. وعندما يغادر حاملو هذه القيم المساحات الجغرافية داخل قصور العدل، لن يبقى سوى هيكل فارغ.
عبارة «الهيكل يتهاوى» لم تكن مجرّد تعبير أدبي بل إنذار أخير من نادي قضاة لبنان. أمامنا خياران: إمّا الاستمرار في سياسة الترميمات السطحية حتى ينهار البناء كليًا علينا، وإمّا الاعتراف بحقيقة الأزمة العميقة وفتح حوار جريء مع كل القوى النزيهة داخل المنظومة القضائية وخارجها.
الأزمة التي كشفها كتاب ورسالة القاضية المهتار وبيان نادي قضاة لبنان ليست أزمة مهنية محصورة بالقضاة، بل أزمة وطنية تمسّ كلّ مواطن. ففي كلّ قاضٍ يستقيل، وكلّ محامٍ يُحبَط، وكلّ مواطن ييأس من العدالة، يفقد لبنان جزءًا من روحه.
العدالة تحتضر، لكنها لم تمت بعد. ففي القاعات المظلمة، والمكاتب المزدحمة، والمحاكم المهترئة، لا يزال هناك أشخاص ثابتون ومخلصون. ومهمّتنا جميعًا—قضاة ومحامون ومواطنون—ألا نتركهم وحدهم في المعركة.
والاقتباس الأخير من كلام القاضية المهتار: «وأبقى ممتنّةً لكلّ مَن تقاطعت طريقي بطريقه… فقد أغنى تفاعلكم مخزوني المعرفيّ وارتقى بإنسانيّتي».
إن هذه الكلمات دليلُنا إلى ساحات الوطن الجامعة، فالمعركة—على الرغم من مراراتها—كانت وستبقى إنسانية في جوهرها.

د. جاد طعمه
محامٍ لبناني وأستاذ قانون، حاصل على شهادة الدكتوراه في الحقوق، وعضو فاعل في المشهد الحقوقي والقانوني، حيث يكتب في الشؤون القانونية وينخرط في مبادرات مكافحة الفساد والدفاع عن الحقوق العامة.
